إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 14 أغسطس 2014

192 موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري المجلد الأول: الإطـار النظــرى الجزء الرابع: العلمانية الشاملة الباب التاسع: العلمانية الشاملة: تاريخ موجز وتعريف رابعاً: المجال الفلسفي:


192

موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية

للدكتور عبد الوهاب المسيري

المجلد الأول: الإطـار النظــرى

الجزء الرابع: العلمانية الشاملة

الباب التاسع: العلمانية الشاملة: تاريخ موجز وتعريف

رابعاً: المجال الفلسفي:

أ) شهدت هذه المرحلة بدايات المشروع التحديثي العقلاني المادي الذي يستند إلى الإيمان بالكل المادي الثابت المتجاوز ذي الهدف والغاية، وهذا الكل يمكن أن يكون كلاً إنسانياً أو طبيعياً/مادياً في مرحلة الثنائية الصلبة ثم يصبح الطبيعة/المادة أو أي مطلق علماني يُعبِّر عن نفسه من خلال تجليات مختلفة في مرحلة الواحدية المادية الصلبة. ويمكن القول بأن الحداثة ليست تبنِّي العلم والتكنولوجيا وحسب وإنما هي تبني العلم والتكنولوجيا المنفصلين عن القيمة، المتجاوزين للغائية الإنسانية، باعتبارهما المرجعية النهائية للإنسان، والحداثة تعني أيضاً انفصال الإنسان عن كل النزعـات الكـونية وفـصل كل العـلاقات التقليدية وإخضاعها هي والمنظومات القيمية لعـمليات التفـاوض المسـتمرة. وتم إنجاز الإصلاح الديني وبداية علمنة الدين وتهميش المقدَّس وعزله في رقعة الحياة الخاصة، على أن تحرر الحياة العامة من كل المقدَّسات، وهو ما يُسمَّى «نزع القداسة عن الكون». وظهرت الرؤية المعرفية العلمانية الشاملة التي ألَّهت الإنسـان، وهي رؤية تقـوم مقـام الديانة العــالمية (بالإنجليزية: وورلد رليجون world religion) التي تتسم بالشمول، وتتفرع عنها منظومات معرفية وجمالية أخلاقية ومعيارية كاملة في جميع المجالات. ولذا نجد أن لها سفر التكوين الخاص بها (أصل الأنواع) وأنبياؤها (بنتام وداروين وماركس) وقصتها الكبرى (التقدم المستمر) وخيرها (إمتاع الذات) وشرها (قمعها) وجنتها (اليوتوبيا التكنولوجية) وجهنمها (التخلف المادي).

وقد ظهرت من داخل هذه المنظومة ثنائية الإنسان والطبيعة الصلبة حيث يشغل الإنسان المُتألِّه مركز الكون (أو تشغل الطبيعة/المادة المركز). ولكن ما حدث في واقع الأمر أن الإنسان الأبيض (وليس الإنسان ككل) ألَّه نفسه وأصبح مرجعية ذاته واحتل المركز وقام بحوسلة الطبيعة وبقية البشر ومن ثم تحولت الرؤية المعرفية العلمانية إلى رؤية علمانية إمبريالية. ورغم مادية المنظومة المعـرفية العلمـانية الإمبريالية فإن ثمة نزعة طوباوية مثالية تظهر داخلها (انتصار الاشـتراكية في المعسكر الشرقي والدفاع عن العدالة الاجتماعية، أو الهيمنة الإمبريالية في المعسكر الغربي والدفاع عن عبء الرجل الأبيض ورسالة أوربا الحضارية).

ومنذ البداية نشب صراع بين مركزي الكون (الإنسان والطبيعة) فأكدت النزعة الهيومانية أسبقية العقل على الطبيعة/المادة وحرية الإرادة الإنسانية ومقدرة الإنسان على معرفة قوانينها وغزوها والهيمنة عليها والوصول إلى معرفة كلية يمكنه أن يُرشِّد حياته المادية والأخلاقية في ضوئها، وباسمها يستطيع الإنسان أن يقمع رغباته ويرجئها وأن يتجاوز ذاته الطبيعية/المادية. وظهرت أخلاقيات مادية (المنفعة المادية ـ البقاء للأصلح ـ صراع الطبقات). وقد واكب كل هذا إيمان بأن الكون معقول، وله هدف وغاية. ومن ثم تَزايَد الإيمان بالتَقدُّم وبأن التاريخ له مسار واضح حتمي، ينتهي بانتصار الإنسان (الإنسان الأبيض على وجه التحديد) وهذه هي مرحلة البطولة المادية. وفي هذه التربة نشأت حركة التنوير بين أعضاء الجماعات اليهودية واليهودية الإصلاحية.

وفي الوقت نفسه ظهرت الرؤية المعادية للإنسان (الإيمان بالعلم المنفصل عن القيمة والغائية الإنسانية)، إذ أن فلسفة إسبينوزا ورؤية نيوتن قامتا بتأليه الطبيعة بدلاً من الإنسان، ووضعتا المادة في مركز الكون، وطالبتا الإنسان بالإذعان للقانون الطبيعي المادي الآلي والحتميات المادية وهيمنت الواحدية المادية. وظهرت حركة الاستنارة والعقلانية المادية في النصف الأول، وسادت مفاهيم السببية الصلبة في العلوم، وتراجعت القيم المسيحية تدريجياً وكل المطلقات والثوابت. وبدأت مجالات حياة الإنسان المختلفة تنفصل تدريجـياً عنه، بحيث يصبح كل مجال مرجعية ذاته، لا علاقة له بالمركز الإنساني.

ومع بداية نهاية المرحلة (ابتداءً من النصف الثاني للقرن التاسع عشر) تبدأ هذه الرؤى في الاهتزاز، فتهتز فكرة الكل المادي المتجاوز، وتتراجع مفاهيم السببية الصلبة في العلوم ويتعمق إحساس الإنسان الغربي بأن معرفة الطبيعة ليس أمراً سهلاً وأن استخلاص قوانين منها ليس أمراً يسيراً وأن الطبيعة ذاتها تحكمها الصدفة. كما أدرك الإنسان الغربي أن تَزايُد الترشيد والتحكم الإمبرياليين لا يؤدي بالضرورة إلى السعادة، بل بدأ يدرك استحالة الترشيد، فتَزعزَع إيمانه بفكرة التقدم والحتمية التاريخية. وهنا ظهر نيتشه الذي أعلن موت الإله، أي نهاية عصر الميتافيزيقا والكليات وادعاء الإنسان المركزية وبشَّر بعالم لا مركزية له. في هذا الإطار ظهر الفكر المعادي للاستنارة واللاعقلانية المادية والرؤية العضوية الشمولية وفكرة التاريخ كعود أبدي وكدوائر مفرغة والفكر العنصري الغربي (كانت أكثر الكتب انتشاراً في أوربا في نهاية القرن التاسع عشر كتاب المفكر العنصري الفرنسي دروموند فرنسا اليهودية). ومن هذه التربة نبتت النازية واليهودية المحافظة والصهيونية.

ومع تزايد الإحساس بالورطة الحضارية تزايد الفكر العبثي والعدمي. ويُلاحَظ أن ثمة علاقة بين تَزايُد النزعة الاستهلاكية (والانغلاق على الذات وملذاتها) وتَزايُد النسبية والعدمية الفلسـفية. ونشبت ثورة ضد الكلية والشمولية، سـواء في شـكلها المادي الواضح (الوضعية ـ الوظيفية)، أو في شكلها المادي الذي يتلبس لباساً روحياً (الهيجلية ـ البنيوية). وظهرت مدارس فلسفية تُوجِّه سهام نقدها للحداثة العقلانية المادية الغربية وفكر الاستنارة ككل (مدرسة فرانكفورت) وتهاجم فكرة التقدم.

وكل هذا مؤشر على اقتراب المرحلة الصلبة من نهايتها، ومع هذا فإن ما ينقذ هذه المرحلة من السيولة الكاملة ومن السقوط في قبضة الصيرورة هو الإحساس المأساوي الذي صاحبها، فالإنسان الغربي كان لا يزال يحمل في وجدانه ذكرى المرحلة البطولية المادية. ويُلاحَظ انتشار الفلسفة الهيجلية والماركسية في العالم الثالث، وهي فلسفات تؤمن بمركز قويّ وبإمكانية تَحكُّم الإنسان في مصيره. وقد لاحظ نيتشه نفسه أنه رغم إعلانه موت الإله فإن ظلاله (متمثلة في مفاهيم السببية والكلية والغائية) لا تزال في كل مكان.

ب) تكتسب الحركة المادية في هذه المرحلة مركزية كاملة وحركية ذاتية مستقلة عن إرادة الإنسان بحيث تتجاوز أية نماذج عقلية وأية محاولات للتفسير والتنظير فكل شيء يسقط في قبضة الصيرورة، وتختفي المنظومات الكلية، ولذا لا يتساءل الإنسان عن أصل الأشياء ولا عن معناها ويختفي البحث عن الأصول والمعنى (فالحديث عن الأصل يعني وجود ذات فاعلة تُهمِّش الذوات الأخرى). ويُنظَر إلى العالم بأسره من منظور الهامش ويصل فيه الترشيد قمته فيفقد الإنسان رشده وحريته وإرادته ومقدرته على التحكم، فيصبح العقل وثمرات الفكر (مثل النظريات والأيديولوجيات) أموراً قديمة يجب طرحها. وبذا، يختفي الإنسان تماماً بتحوله إلى مادة مُستوعَبة في نظام آلي عالمي وصلت فيه درجة التحكم والترشيد إلى الذروة، فتظهر السيولة والتفكيكية وفكرة اللاتحدد في الطبيعة، والانتصار الكامل للرؤية المتمركزة حول المادة على الرؤية المتمركزة حول الذات الإنسانية، أي أن المركز الواعي للكون (الإنسان) يختفي ليحل محله في بداية الأمر الطبيعة باعتبارها المركز اللاواعي ثم يظهر أخيراً اللامركز اللاواعي. هذا هو عصر النهايات والمابعديات (نهاية الأيديولوجيا ـ نهاية التاريخ ـ نهاية الميتافيزيقا ـ نهاية الحـقيقة ـ نهاية البحـث عن المعنى)، ولذا لا توجـد أزمة معنى، وتحل اللاعـقلانية المادية محل العقلانية المادية، والاستنارة المظلمة محل الاستنارة المضيئة، وتختفي تماماً القيم والثوابت والمطلقات (في المجال المعرفي والجمالي والأخلاقي) ويصبح لكل فرد ثوابته وقيمه ودينه، وتختفي المعيارية لتحل محلها لامعيارية كاملة ونسبية شاملة. ولعل أطروحات ما بعد الحداثة هي تعبير عن هذا الوضع، فهي رؤية للكون تؤكد أن الكون لا مركز له، وأن لا علاقة بين النتائج والأسباب، ولا بين الدال والمدلول، ولا بين العقل والواقع، فكأن كل شيء أصبح مكتفياً بذاته لا علاقة له بالآخر، مجرد قصص صغرى، إذ لا توجد قصة عظمى ولا ديانة عالمية؛ عالم ذري تماماً لا قداسة فيه انسحب منه الإله ومات فيه الإنسان. ولذا تمحي كل الثنائيات وتختفي النزعة الطوباوية وتظهر النزعة البرجماتية والرغبة في التكيف والمقدرة الفائقة على الإذعان للأمر الواقع.

ويمكننا القول بأنه إذا كان الإله ـ حسب التصوُّر النيتشوي ـ قد مات في أواخر القرن التاسع عشر فإن الشيطان نفسه، قد مات أول يناير 1965 (أي مع البداية الافتراضية للمرحلة الثانية). فالشيطان يفترض وجود قصة كبرى وثنائيات فضفاضة أو صلبة، وعالم يرتكب فيه الإنسان الرذيلة. ومع اختفاء كل هذا، ومع الحياد الكامل تجاه الجسد والجنس والعالم، ومع إزالة ظلال الإله (مفهوم الكلية والسببية والغائية) يصبح من الصعب التمييز بين المقدَّس والمدنَّس، ويصبح الشيطان كائناً بلا وظيفة فيموت، وهذا هو ما يمكن تسميته «تحييد العالم».

ومع هذا يُلاحَظ أن المقدَّس لم يمت تماماً، وأنه في واقع الأمر لم يُبعث، وإنما كان هناك طيلة الوقت متوارياً. ويعبِّر المقدَّ عن نفسه خارج أي إطار ديني، من خلال عدد هائل من العبادات الجديدة والغيبيات التي تتعايش مع كل المفاهيم العصرية أو تعيش جنباً إلى جنب معها دون أن تدخل معها في أي علاقة.

أما في العالم الثالث فتتداخل الأمور، فمع الحديث عن الاستنارة يُوجَد الحديث عن ما بعد الحداثة، رغم ما بين الاتجاهين من تناقض عميق. كما يُلاحَظ ظهور فكر لا يقبل الحداثة الغربية، ويحاول أن يؤسس حداثة جديدة تنطلق من نقد أساسي لفكر الحداثة الغربي، ففي العالم الإسلامي، على سبيل المثال، تَراجَع مشروع الشيخ محمد عبده الخاص بتكامل الحداثة الغربية والإسلام، ويحاول الخطاب الإسلامي طرح نقد شامل للحداثة الغربية، ويبدأ البحث عن حداثة جديدة لا تودي بالإنسان. أما في إسرائيل فتتراجع الأيديولوجية الصهيونية وتظهر العبادات الجديدة (بين أعضاء الجماعات اليهودية في العالم) وتترجم فلسفة ما بعد الحداثة نفسها في مجال اليهودية إلى لاهوت موت الإله.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق