إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 14 أغسطس 2014

190 موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري المجلد الأول: الإطـار النظــرى الجزء الرابع: العلمانية الشاملة الباب التاسع: العلمانية الشاملة: تاريخ موجز وتعريف ثانياً: في المجال السياسي والاجتماعي:


190

موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية

للدكتور عبد الوهاب المسيري

المجلد الأول: الإطـار النظــرى

الجزء الرابع: العلمانية الشاملة

الباب التاسع: العلمانية الشاملة: تاريخ موجز وتعريف

ثانياً: في المجال السياسي والاجتماعي:

أ) نشبت الثورة البورجوازية ضد الإقطاع ثم الثورة البروليتارية ضد الرأسمالية، وانتصرت البورجوازية والطبقات المتوسطة وتَبلور الصراع الطبقي وظهرت القوميات العلمانية (العضوية وغير العضوية) والدولة القومية المركزية المطلقة (مرحلة الملكيات المطلقة ومرحلة الدول الديموقراطية في غرب أوربا والاشتراكية في شرقها) وتم تأكيد أهمية الماضي القومي والهوية القومية.

والدولة القومية هي التي قامت بتحديد الحدود وترشيد الداخل الأوربي وتحديث المؤسسات وعلمنة الرموز وتدجـين الإنسـان الأوربي وتحـويله إلى إنسـان وظيفي حديث ("اسـتعمار عــالم الحياة"، على حد قول هابرماس)، ثم جيشت الجيوش ونهبت العالم فأسست البنية التحتية والفوقية للمجتمعات الغربية من خلال التراكم الإمبريالي (الذي يُقال له «التراكم الرأسمالي»).

ورغم قوة الدولة القومية وشراستها وهيمنة البورجوازية، ظلت هناك جيوب تقليدية (أرستقراطية ـ إثنية ـ دينية) حتى الحرب العالمية الثانية، وكان كثير من أعضاء النخب الحاكمة من أصول أرستقراطية، وكان معظم أوربا يحكمها أسر ملكية. بل تكيفت البورجوازية مع النظام القديم وتلونت الأرستقراطية الصناعية بألوان الأرستقراطية الزراعية.

ويرى أحد المؤرخين أن التحول الحقيقي للغرب تم بعد ما يسميه «حرب الثلاثين عاماً الجديدة» (1914 ـ 1944) إذ تم تحديث وعلمنة كل النظم والمؤسسات والبنَى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتهميش الأرستقراطيات وكل الجيوب التقليدية المتبقية.

ومع نهاية المرحلة، يبدأ تآكل الدولة القومية من خلال ظهور النزعات الإثنية والكوزموبوليتانية في الوقت نفسـه (ومن خـلال تزايد النزعات الفردية والتوجه الحاد نحو اللذة المتمركزة حول الإشباع الجنسي بالدرجة الأولى). كما بدأت حركيات السوق (التي لا تعرف القيم أو الخصوصيات) تهدد الحدود القومية. ومع هذا يُلاحَظ تصاعد هيمنة البيروقراطية والتكنوقراطية وتزايد تَدخُّل الدولة في كل مناحي الحياة الخاصة. وتنتهي المرحلة بالإبادة النازية والإرهاب الستاليني والمكارثية وهيروشيما وناجازاكي وفيتنام وكمبوديا وتأسيس الدولة الصهيونية في فلسطين، ثم تظهر أسلحة الدمار الكوني والأسلحة الميكروبية (لأول مرة في تاريخ البشرية، ما يخصصه الإنسان من طاقة واعتمادات في تطوير أسلحة الدمار والفتك يفوق ما يخصصه لإنتاج الطعام، على سبيل المثال). ويُلاحَظ تَصاعُد حركات التحرر الوطني في العالم الثالث التي تحـاول القوى الاسـتعمارية قمعها بضراوة. وتقوم الدولة الصهيونية بضرب الشـعب الفلسطيني بيد من حديد، بعز أن طُرد معظم أفراد الشعب الفلسطيني من ديارهم.

ب) مع تصاعد معدلات التدويل في عصر ما بعد الحداثة ضمرت الدولة القومية ومؤسساتها إذ أخذت تزاحمها مؤسسات ومراكز قوى أخرى (نقابات ـ جماعات ضغط ـ شركات ضخمة ـ منظمات غير حكومية)، فالسلطة لم تَعُد مجموعة مؤسسات مركزية يمكن الاستيلاء عليها والتحكم فيها، فهي موزعة بين عدة مؤسسات متغلغلة في المجتمع. ومن أهم التطورات تضخُّم (بل تغوُّل) قطاع صناعات اللذة، وهيمنته على الحياة الخاصة التي تم استيعابها في رقعة الحياة العامة، وتزايد تأثير وسائل الإعلام ومنظومات المعلومات التي تحاصر الإنسان بالصور الأيقونية الجذابة المتغيرة، الخالية من المضمون والمعنى تقريباً، والتي تكاد تشير إلى ذاتها. ولذا فالمجتمع لا تحكمه الدولة وإنما تحكمه منظومات المعلومات والشفرات الجماعية الموحَّدة (كود Code). ومن أهم التطورات الأخرى تزايد الوزن النسبي لكثير من الفئات الهامشية، وضمور الهويات القومية، واختفاء بقايا الأرستقراطية والثقافة الأرستقراطية (1945). وظهور الطبقة المتوسطة الجديدة من المهنيين (كانوا يُشكِّلون 5 ـ 10% من سكان الدول الغربية الصناعية حتى بداية القرن العشرين، ولكن عددهم في الوقت الحاضر يبلغ نحو 20 ـ 25%). وهم أقلية عددية كبيرة يتمتع أعضاؤها بنفوذ قوي يتجاوز نسبتهم العددية، فهم الذين يضعون السياسات والإستراتيجيات، كما أن لهم نفوذاً ثقافياً قوياً، لأنهم يتميَّزون بمقدرتهم على الإنفاق، وهم لهذا أكثر مواكبة لعصر الاستهلاك. ونتيجةً لهذا كله يحل هؤلاء المهنيون محل الأرسـتقراطية القــديمة أو حتـى البـورجــوازية فـي تحديــد قيــم المجتمــع وأسلــوبه في الحــياة. وموقـف هــؤلاء المهنــيين من الطبقـة العاملة مبهم للغاية. ولكـن الطبقــة العاملــة نفســها استُوعبت تماماً في أسلوب الحياة في المجتمعات الغربية ولم تعد أحلامها تختلف عن أحلام أعضاء المجتمع ككل، ففَقَدت أي دور ثـوري لهـا، ومن هنـا الإحـساس بأن الصراع الطبقي تم إلغاؤه.

أما على مستوى الواقع فيُلاحَظ تزايد الاستقطاب الطبقي والجيلي في الولايات المتحدة وغيرها من الدول المتقدمة (وخصوصاً ابتداءً من نهاية السبعينيات). كما ظهرت حركات الطلاب والحركات الاجتماعية الجديدة التي تربط دائماً بين الانعتاق والحرية الجنسية، أي أن أحلام الثوريين لا تختلف كثيراً عن الأحلام التي يفبركها بكفاءة عالية قطاع اللذة في المجتمع. وقد أدركت قوى اليسار أن الثورة مستحيلة، وأن الاستيلاء على الحكم مستحيل، في عصر ما بعد الأيديولوجيا وسيادة الفكر التكنوقراطي في عالم السياسة وقوانين الإدارة العلمية، وأنه لو تم الاستيلاء على السلطة فإن هذا لن يحل المشكلة بسبب هيمنة النظم التكنوقراطية ونظم المعلومات والصور الأيقونية المخلّقة على الإنسان من الداخل والخارج. ومع هذا يُلاحَظ اندلاع الحركات الثورية ذات التوجه البيئي، التي تشكل أول انسلاخ حقيقي ذي طابع جماهيري عن منظومة التحديث الغربية، المادية العقلانية. ورغم ضرب حركات التحرر الوطني في العالم الثالث وظهور نخب حاكمة ذات اتجاه تغريبي واضح، وتَآكُل مؤسسات الدولة القومية وتَزايُد الحروب الإثنية والدينية، يُلاحَظ ظهور حركات شعبية ترفض عملية التدويل والتغريب، فعلى سبيل المثال، اندلعت الانتفاضة وهي حركة شاملة للتغيير، خارج المنظومة الغربية. ويبدأ في إسرائيل والولايات المتحدة الحديث عن التسوية السلمية مع العرب، وتبدأ بعض النخب، بما في ذلك النخبة الفلسطينية، في تَقبُّل هذا الخطاب الجديد.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق