97
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير
ذكر وفاة السلطان مسعود وملك ملكشاه محمد بن محمود
في هذه السنة أول رجب توفي السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه بهمذان وكان مرضه حمى حادة نحو أسبوع وكان مولده سنة اثنتين وخمسمائة في ذي القعدة ومات معه سعادة البيت الجوقي لم يقم له بعده راية يعتد بها ولا يلتفت إليها: وكان رحمه الله حسن الأخلاق كثير المزاح والانبساط مع الناس فمن ذلك أن أتابك زنكي صاحب الموصل أرسل إليه القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري في رسالة فوصل إليه وأقام معه في العسكر فوقف يومًا على خيمة الوزير حتى قارب أذان المغرب فعاد إلى خيمته فأذن المغرب وهو في الطريق فرأى أنسانًا فقيهًا في خيمة فنزل إليه فصلى معه المغرب ثم سأله كمال الدين من أين هو فقال: أنا قاضي مدينة كذا.
فقال له كمال الدين: القضاة ثلاثة قاضيان في النار وهو أنا وأنت وقاض في الجنة وهو من لم يعرف أبواب هؤلاء الظلمة ولا يراهم فلما كان الغد أرسل السلطان وأحضر كمال الدين إليه فلما دخل عليه ورآه ضحك وقال: القضاة ثلاثة.
فقال كمال الدين: نعم يا مولانا.
فقال: والله صدقت ما أسعد من لا يرانا ولا نراه! ثم أمر أن تقضى حاجته وأعاده من يومه.
وكان كريمًا عفيفًا عن الأموال التي للرعايا حسن السيرة فيهم من أصلح السلاطين سيرة وألينهم عريكة سهل الأخلاق لطيفًا فمن ذلك أنه أجتاز يومًا في بعض أطراف بغداد فسمع امرأة تقول لأخرى: تعالي انظري إلى السلطان فوقف وقال: حتى تجيء هذه الست تنظر إلينا.
وله فضائل كثيرة ومناقب جمة وكان عهد إلى ملكشاه ابن أخيه السلطان محمود فلما توفي خطب لم الأمير خاص بك بن بلنكري بالسلطنة ورتب الأمور وقررها بين يديه وأذعن له ولما وصل الخبر إلى بغداد بموت السلطان مسعود هرب الشحنة بها وهو مسعود بلال إلى تكريت واستظهر الخليفة المقتفي لأمر الله على داره ودور أصحاب السلطان ببغداد وأخذ كل ما لهم فيها وكل من كان عنده وديعة لأحد منهم أحضرها بالديوان وجمع الخليفة الرجال والعساكر وأكثر التجنيد وتقدم بإراقة الخمور من مساكن أصحاب السلطان ووجد في دار مسعود بلال شحنة بغداد كثير من الخمر فأريق ولم يكن الناس يظنون أنه شرب الخمر بعد الحج وقبض على المؤيد الألوسي الشاعر وعلى الحيص بيص الشاعر ثم أطلق الحيص بيص وأعيد عليه ما أخذ منه.
ثم إن السلطان ملكشاه سير سلار كرد في عسكر إلى الحلة فدخلها فسار إليه مسعود بلال شحنة بغداد وأظهر له الأتفاق معه فلما اجتمعا قبض عليه مسعود بلال وغرقه واستبد بالحلة فلما علم الخليفة ذلك سير العساكر إليه مع الوزير عون الدين بن هبيرة فسار إليه فلما قاربوا الحلة عبر مسعود بلال الفرات إليهم وقاتلهم فانهزم من عسكر الخليفة ونادى أهل الحلة بشعار الخليفة فلم يدخلها وتمت الهزيمة عليه وعلى أصحابه فعاد إلى تكريت وملك عسكر الخليفة الحلة وسير الوزير عسكرًا إلى الكوفة وعسكرًا إلى واسط فملكوها.
ثم إن عساكر السلطان وصلت إلى واسط ففارقها عسكر الخليفة فلما سمع الخليفة ذلك تجهز بنفسه وسار عن بغداد إلى واسط ففارقها العسكر السلطاني وملكها الخليفة وسار منها إلى الحلة ثم عاد إلى بغداد فوصلها تاسع عشر ذي القعدة وكانت غيبته خمسة وعشرين يومًا.
ثم إن خاص بك بن بلنكري قبض على الملك ملك شاه الذي خطب له بالسلطنة بعد مسعود وأرسل إلى أخيه الملك محمد سنة ثمان وأربعين وهو بخوزستان يستدعيه وكان قصده أن يحضر عنده فيقبضه ويخطب لنفسه بالسلطنة فسار الملك محمد إليه فلما وصل أجلسه على تخت السلطنة أوائل صفر وخطب له بالسلطنة وخدمه وبالغ في خدمته وحمل له هدايا عظيمة جليلة المقدار.
ثم إنه دخل الملك محمد ثاني يوم وصوله فقتله محمد وقتل معه زنكي الجاندار وألقى برأسيهما فتفرق أصحابهما ولم ينتطح فيها عنزان وكان إيدغدي التركماني المعروف بشملة مع خاص بك فنهاه عن الدخول إلى الملك محمد فلم ينته فقتل ونجا شملة فنهب جشير الملك محمد ومضى طالبًا خوزستان وأخذ محمد من أموال خاص بك شيئًا كثيرًا واستقر محمد في السلطنة وتمكن وبقي خاص بك ملقى حتى أكلته الكلاب وكان صبيًا تركمانيًا اتصل بالسلطان مسعود فتقدم على سائر الأمراء وكان هذا خاتمة أمره.
في هذه السنة تجمعت الفرنج وحشدت الفارس والراشد وساروا نحو نور الدين وهو ببلاد جوسلين ليمنعوه عن ملكها فوصلوا إليه وهو بدلوك فلما قربوا منه رجع إليهم ولقيهم وجرى المصاف بينهم عند دلوك واقتتلوا أشد قتال رآه الناس وصبر الفريقان ثم انهزم الفرنج وقتل منهم وأسر كثير وعاد نور الدين إلى دلوك فملكها واستولى عليها ومما قيل في ذلك: أعدت بعصرك هذا الأنيق فتوح النبي وأعصارها فواطأت يا حبذا حديها وأسررت من بدر أبدارها وكان مهاجرها تابعي ك وأنصار رأيك أنصارها فجددت إسلام سلمانها وعمر جدك عمارها وما يوم إنب إلا كذا - ك بل طال بالبوع أشبارها صدمت عزيمتها صدمة أذابت مع الماء أحجارها وفي تل باشر باشرتهم بزحف تسور أسوارها وإن دالكتهم دلوك فقد شددت فصدقت أخبارها
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق