343
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السادس
ذكر وفاة القائم بأمر الله
وذكر بعض سيرته في هذه السنة ليلة الخميس ثالث شعبان توفي القائم بأمر الله أمير المؤمنين رضي الله عنه واسمه عبد الله أبو جعفر بن القادر بالله أبي العباس أحمد ابن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد.
وكان سبب موته أنه كان قد أصابه شرى فافتصد ونام منفردًا فانفجر فصاده وخرج منه دم كثير ولم يشعر فاستيقظ وقد ضعف وسقطت قوته فأيقن بالموت فأحضر ولي العهد ووصاه بوصايا وأحضر النقيبين وقاضي القضاة وغيرهم مع الوزير ان جهير وأشهدهم على نفسه أنه جعل ابن ابنه أبا القاسم عبد الله بن محمد بن القائم بأمر الله ولي عهده.
ولما توفي غسله الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي وصلى عليه المقتدي بأمر الله.
وكان عمره ستًا وسبعين سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام وخلافته أربعًا وأربعين سنة وثمانية أشهر وأيامًا وقيل كان مولده ثامن عشر ذي الحجة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وعلى هذا وأمه أم ولد تسمى قطر الندى أرمينية وقيل رومية أدركت خلافته وقيل اسمها علم وماتت في رجب سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة.
وكان القائم جميلًا مليح الوجه أبيض مشربًا حمرة حسن الجسم ورعًا دينًا زاهدًا عالمًا قوي اليقين بالله تعالى كثير الصبر وكان للقائم عناية بالأدب ومعرفة حسنة بالكتابة ولم يكن يرتضي أكثر ما يكتب من الديوان فكان يصلح فيه أشياء وكان مؤثرًا للعدل والإنصاف يريد قضاء حوائج الناس لا يرى المنع من شيء يطلب منه.
قال محمد بن علي بن عامر الوكيل: دخلت يومًا إلى المخزن فلن يبق أحد إلا أعطاني قصة فامتلأت أكمامي منها فقلت في نفسي: لو كان الخليفة أخي لأعرض عن هذه كلها فألقيتها في بركة والقائم ينظر ولا أشعر فلما دخلت إليه أمر الخدم بإخراج الرقاع من البركة فأخرجت ووقف عليها ووقع فيها بأغراض أصحابها ثم قال لي: يا عامي! ما حملك على هذا فقلت: خوف الضجر منها فقال: لا تعد إلى مثلها! فإنا ما أعطيناهم من أموالنا شيئًا إنما نحن وكلاء.
ووزر للقائم أبو طالب محمد بن أيوب وأبو الفتح بن دارست ورئيس الرؤساء وأبو نصر بن جهير وكان قاضيه ابن ماكولا وأبو عبد الله الدامغاني.
لما توفي القائم بأمر الله بويع المقتدي بأمر الله عبد الله بن محمد بن القائم بالخلافة وحضر مؤيد الملك بن نظام الملك والوزير فخر الدولة بن جهير وابنه عميد الدولة والشيخ أبو إسحاق وأبو نصر بن الصباغ ونقيب النقباء طراد والنقيب الطاهر المعمر بن محمد وقاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني وغيرهم من الأعيان والأماثل فبايعوه.
وقيل: كان أول من بايعه الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي فإنه لما فرغ من غسل القائم بايعه وأنشده: إذا سيد منا مضى قام سيد ثم ارتج عليه فقال المقتدي: قؤول بما قال الكرام فعول فلما فرغوا من البيعة صلى بهم العصر.
ولم يكن للقائم من أعقابه ذكر سواه فإن الذخيرة أبا العباس محمد بن القائم توفي أيام أبيه ولم يكن له غيره فأيقن الناس بانقراض نسله وانتقال الخلافة من البيت القادري إلى غيره ولم يشكوا في اختلال الأحوال بعد القائم لأن من عدا البيت القادري كانوا يخالطون العامة في البلد ويجرون مجرى السوقة فلو اضطر الناس إلى خلافة أحدهم لم يكن له ذلك القبول ولا تلك
الهيبة فقدر الله تعالى أن الذخيرة أبا العباس كان له جارية اسمها أرجوان وكان يلم بها فلما توفي ورأت ما نال القائم من المصيبة واستعظمه من انقراض عقبه ذكرت أنها حامل فتعلقت النفوس بذلك فولدت بعد موت سيدها بستة أشهر المقتدي فاشتد فرح القائم وعظم سروره وبالغ في الإشفاق عليه والمحبة له.
فلما كانت حادثة البساسيري كان للمقتدي قريب أربع سنين فأخفاه أهله وحمله أبو الغنائم بن المحلبان إلى حران كما ذكرنا ولما عاد القائم إلى بغداد أعيد المقتدي إليه.
فلما بلغ الحلم جعله ولي عهد ولما ولي الخلافة أقر فخر الدولة بن جهير على وزارته بوصية من القائم بذلك وسير عميد الدولة بن فخر الدولة بن جهير إلى السلطان ملكشاه لأخذ البيعة وكان مسيره في شهر رمضان وأرسل معه من أنواع الهدايا ما يجل عن الوصف.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق