201
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير
ذكر وفاة جمال الدين الوزير وشيء من سيرته
في هذه السنة توفي جمال الدين أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني وزير قطب الدين صاحب الموصل في شعبان مقبوضًا وكان قد قبض عليه سنة ثمان وخمسين فبقي في الحبس نحو سنة حكى لي أنسان صوفي يقال له أبو القاسم كان مختصًا بخدمته في الحبس قال: لم يزل محبوسًا في محبسه بأمر آخرته وكان يقول: كنت أخشى أن أنقل من الدست إلى القبر فلما مرض قال لي في بعض الأيام: يا أبا القاسم! إذا جاء طائر أبيض إلى الدار فعرفني.
قال: فقلت في نفسي قد اختلط عقله فلما كان الغد أكثر السؤال عنه وإذا طائر أبيض لم أرى مثله قد سقط فقلت: جاء الطائر فاستبشر ثم قال: جاء الحق وأقبل على الشهادة وذكر الله تعالى إلى أن توفي فلما توفي طار ذلك الطائر فعلمت أنه رأى شيئًا في معناه.
ودفن بالموصل عند فتح الكرامي رحمة الله عليهما نحو سنة ثم نقل إلى المدينة فدفن بالقرب من حرم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رباط بناه لنفسه هناك وقال لأبي القاسم: بيني وبين أسد الدين شيركوه عهد من مات منا قبل صاحبه حمله إلى المدينة النبوية فدفنه بها في التربة التي عملها فإذا أنا مت فامض إليه وذكره فلما توفي سار أبا القاسم إلى شيركوه في المعنى فقال له: شيركوه: كم تريد فقال: أريد أجرة جمل يحمله وجمل يحملني وزادي فانتهره وقال: مثل جمال الدين يحمل هكذا إلى مكة! وأعطاه مالًا صالحًا ليحمل معه جماعة يحجون عن جمال الدين وجماعة يقرأون عليه بين يدي تابوته إذا حمل وإذا نزل عن الجمل وإذا وصل مدينة يدخل أولئك القراء ينادون للصلاة عليه فيصلى عليه من كل بلدة يجتاز بها وأعطاه أيضًا مالًا للصدقة عنه فصلي عليه في تكريت وبغداد والحلة وفيد مكة والمدينة وكان يجتمع له في كل بلد من الخلق ما لا يحصى ولما أرادوا الصلاة عليه بالجلة صعد شاب على موضع مرتفع وأنشد سرى نعشه فوق الرقاب وطالما سرى جوده فوق الركاب ونائله يمر على الوادي فتثني رماله عليه وبالنادي فتثني أرامله فلم نر باكيًا أكثر من ذلك اليوم ثم وصلوا به إلى مكة فطافوا به حول الكعبة وصلوا عليه بالحرم الشريف وبين قبره وقبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نحو خمسة عشر ذراعًا.
وأما سيرته فكان رحمه الله أسخى الناس وأكثرهم بذلًا للمال رحيمًا بالخلق متعطفًا عليهم عادلًا فيهم فمن أعماله الحسنة أنه جدد بناء مسجد الخيف بمنى وغرم عليه أموالًا جسيمة وبنى الحجر بجانب الكعبة وزخرف الكعبة وذهبها وعملها بالرخام ولما أراد ذلك أرسل إلى المقتفي لأمر الله هدية جليلة وطلب منه ذلك وأرسل إلى الأمير عيسى أمير مكة هدية كثيرة وخلعًا سنية منها عمامة مشتراها ثلاثمائة دينار حتى مكنه من ذلك.
وعمر أيضًا المسجد الذي على جبل عرفات والدرج التي يصعد فيها إليه وكان الناس يلقون شدة في صعودهم وعمل بعرفات أيضًا مصانع للماء وأجرى الماء إليها من نعمان في طرق معمولة تحت الأرض فخرج عليها مال كثير.
وكان يجري الماء في المانع كل سنة أيام عرفات وبنى سورًا على مدينة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى فيد وبنى لها أيضًا فصيلًا.
وكان يخرج من باب داره كل يوم للصعاليك والفقراء مائة دينار أميري هذا سوى الإدارات ومن أبنيته العجيبة التي لم ير الناس مثلها الجسر الذي بناه على دجلة عند جزيرة ابن عمر بالحجر المنحوت والحديد والرصاص والكلس فقبض قبل أن يفرغ وبنى عندها أيضًا جسرًا كذلك على النهر المعروف بالارباد وبنى الربط وقصده الناس من أقطار الأرض ويكفيه أن ابن الخجندي رئيس أصحاب الشافعي بأصفهان قصده وابن الكافي قاضي قضاة همذان فاخرج عليهما مالًا عظيمًا وكانت صدقاته وصلاته من أقاصي خراسان إلى حدود اليمن.
وكان يشتري الأسرى كل سنة بعشرة آلاف دينار هذا من الشام حسب سوى ما يشتري من الكرج.
حكى لي وادي عنه قال: كثيرًا ما كنت أرى جمال الدين إذا قدم إليه الطعام يأخذ منه ومن الحلوى ويتركه في خبز بين يديه فكنت أنا ومن يراه يظن أنه يحمله إلى أم ولده علي فاتفق أنه في بعض السنين جاء إلى الجزيرة مع قطب الدين وكنت أتولى ديوانها وحمل جاريته أم ولده إلى داري لتدخل الحمام فبقيت في الدار أيامًا فبينما أنا عنده في الخيام وقد أكل الطعام فعل كما كان يفعل ثم تفرق الناس فقمت فقال: اقعد.
فقعدت فلما خلا المكان قال لي: قد آثرتك اليوم على نفسي فإنني في الخيام ما يمكنني أن أفعل ما كنت أفعله خذ هذا الخبز واحمله أنت في كمك في هذا المنديل واترك الحماقة من رأسك وعد إلى بيتك فإذا رأيت في طريقك فقيرًا
يقع في نفسك أنه مستحق فاقعد أنت بنفسك وأطعمه هذا الطعام.
قال: ففعلت ذلك.
وكان معي جمع كثير ففرقتهم في الطريق لئلا يروني أفعل ذلك وبقيت في غلماني فرأيت في موضع إنسانًا أعمى وعنده أولاده وزوجته وهم من الفقر في حال شديد فنزلت عن دابتي إليهم وأخرجت الطعام وأطعمتهم إياه وقلت للرجل: تجيء غدًا بكرة إلى دار فلان أعني داري ولم أعرفه نفسي فإنني أخذ لك من صدقة جمال الدين شيئًا ثم ركبت إليه العصر فلما رآني قال: ما الذي فعلت في الذي قلت لك فأخذت أذكر له شيئًا يتعلق بدولتهم فقال: ليس عن هذا أسألك إنما أسألك عن الطعام الذي سلمته إليك فذكرت له الحال ففرح ثم قال: بقي أنك لو قلت للرجل يجيء إليك هو وأهله فتكسوهم وتعطيهم دنانير وتجري لهم كل شهر دينارًا.
قال: فقلت له: قد قلت للرجل حتى بجيء إلي فازداد فرحًا وفعلت بالرجل ما قال ولم يزل يصل إليه رسمه حتى قبض.
وله من هذا كثير فمن ذلك أنه تصدق بثيابه من على بدنه في بعض السنين التي تعذرت الأقوات فيها.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق