154
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير
ذكر ملك عبد المؤمن مدينة المهدية من الفرنج وملكه جميع إفريقية
قد ذكرنا سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ملك الفرنج مدينة المهدية من صاحبها الحسن بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي وقد ذكرنا أيضًا سنة إحدى وخمسين ما فعله الفرنج بالمسلمين في زويلة المدينة المجاورة للمهدية من القتل والنهب فلما قتلهم الفرنج ونهبوا أموالهم هرب منهم جماعة وقصدوا عبد المؤمن صاحب المغرب وهو بمراكش يستجيرونه فلما وصلوا إليه ودخلوا عليه أكرمهم وأبروه بما جرى على المسلمين وأنه ليس من ملوك الإسلام من يقصد سواه ولا يكشف هذا الكرب غيره فدمعت عيناه وأطرق ثم رفع رأسه وقال: أبشروا لأنصرنكم ولو بعد حين.
وأمر بإنزالهم وأطلق لهم ألفي دينار ثم أمر بعمل الروايا والقرب والحياض وما يحتاج إليه العسكر في السفر وكتب إلى جميع نوابه في المغرب وكان قد ملك إلى قريب تونس يأمرهم بحفظ ما يتحصل من الغلات وأن يترك في سنبله ويخزن في مواضعه وأن يحفروا الأبار في الطرق ففعلوا جميع ما أمرهم به وجمعوا الغلات ثلاث سنين ونقلوها إلى المنازل وطينوا عليها فصارت كأنها تلال.
فلما كان في صفر من هذه السنة سار عن مراكش وكان أكثر أسفاره في صفر فسار يطلب إفريقية واجتمع من العساكر مائة ألف مقاتل ومن الأتباع والسوقة أمثالهم وبلغ من حفظه لعساكره أنهم كانوا يمشون بين الزروع فلا تتأذى منهم سنبلة وإذا نزلوا صلوا جميعهم مع إمام واحدد بتكبيرة واحدة لا يتخلف منهم أحد كائن من كان.
وقدم بين يديه الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي الذي كان صاحب المهدية وإفريقية وقد ذكرنا سبب مصيره عند عبد المؤمن فلم يزل يسير إلى أن وصل إلى مدينة تونس في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة من السنة وبها صاحبها أحمد بن خراسان وأقبل أسطوله في البحر في سبعين شينيًا وطريدة وشلندى فلما نازلها أرسل إلى أهلها يدعوهم إلى طاعته فامتنعوا فقاتلهم من الغد أشد قتال فلم يبق إلا أخذها ودخول الأسطول إليها فجاءت ريح عاصف منعت الموحدين من دخول البلد فرجعوا ليباكروا القتال ويملكوه.
فلما جن الليل نزل سبعة عشر رجلًا من أعيان أهلها إلى عبد المؤمن يسألونه الأمان لأهل بلدهم فأجابهم إلى الأمان لهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم لمبادرتهم إلى الطاعة وأما ما عداهم من أهل البلد فيؤمنهم في أنفسهم وأهاليهم ويقاسمهم على أموالهم وأملاكهم نصفين وأن يخرج صاحب البلد هو وأهله فاستقر ذلك وتسلم البلد وأرسل إليه من يمنع العسكر من الدخول وأرسل أمناءه ليقاسموا الناس على أموالهم وأقام عليها ثلاثة أيام وعرض الإسلام على من بها من اليهود والنصارى فمن أسلم سلم ومن امتنع قتل وأقام أهل تونس بها بأجرة تؤخذ عن نصف مساكنهم.
وسار عبد المؤمن منها إلى المهدية والأسطول يحاذيه في البحر فوصل إليها ثامن عشر رجب وكان حينئذ بالمهدية أولاد ملوك الفرنج وأبطال الفرسان وقد أخلوا زويلة وبينها وبين المهدية غلوة سهم فدخل عبد المؤمن زويلة وامتلأت بالعساكر والسوقة فصارت مدينة معمورة في ساعة ومن لم يكن له موضع من العسكر نزل بظاهرها وانضاف إليه من صنهاجة والعرب وأهل البلاد ما يخرج عن الإحصاء وأقبلوا يقاتلون المهدية مع الأيام فلا يؤثر فيها لحصانتها وقوة سورها وضيق موقع القتال عليها لأن البحر دائر بأكثرها فكأنها كف في البحر وزندها متصل بالبر.
وكانت الفرنج تخرج شجعانهم إلى أطراف العسكر فتنال منه وتعود سريعًا فأمر عبد المؤمن أن يبنى سور من غرب المدينة يمنعهم من الخروج وأحاط الأسطول بها في البحر وركب عبد المؤمن في شيني ومعه الحسن ابن علي الذي كان صاحبها وطاف بها في البحر فهاله ما رأى من حصانتها وعلم أنها لا تفتح بقتال برًا ولا بحرًا وليس لها إلا المطاولة وقال للحسن: كيف نزلت عن مثل هذا الحصن فقال: لقلة ما يوثق به وعدم القوت وحكم القدر.
فقال: صدقت! وعاد من البحر وأمر بجمع الغلات والأقوات وترك القتال فلم يمض غير قليل حتى صار في العسكر كالجبلين من الحنطة والشعير فكان من يصل إلى العسكر من بعيد يقولون: متى حدثت هذه الجبال هاهنا فيقال لهم: هي حنطة وشعير فيعجبون من ذلك.
وتمادى الحصار وفي مدته أطاع سفاقس عبد المؤمن وكذلك مدينة طرابلس وجبال نفوسة وقصور إفريقية وما والاها وفتح مدينة قابس بالسيف وسير ابنه أبا محمد عبد الله في جيش ففتح بلادًا ثم أن أهل مدينة قفصة لما رأوا تمكن عبد المؤمن أجمعوا على المبادرة إلى طاعته وتسليم المدينة إليه فتوجه صاحبها يحيى بن تميم بن المعز ومعه جماعة من أعيانها وقصدوا عبد المؤمن فلما أعلمه حاجبه بهم قال له عبد المؤمن: قد اشتبه عليك ليس هؤلاء أهل قفصة فقال له: لم يشتبه علي قال له عبد المؤمن: كيف يكون ذلك والمهدي يقول إن أصحابنا يقطعون أشجارها ويهدمون أسوارها ومع هذا فنقبل منهم ونكف عنهم ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
فأرسل إليهم طائفة من أصحابه ومدحه شاعر بقصيدة أولها: ما هز عطفيه بين البيض والأسل مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي فوصله بألف دينار ولما كان في الثاني والعشرين من شعبان من السنة جاء اسطول صاحب صقلية في مائة وخمسين شينيًا غير الطرائد وكان قدومه من جزيرة يابسة من بلاد الأندلس وقد سبى أهلها وأسرهم وحملهم معه فأرسل إليهم ملك الفرنج يأمرهم بالمجيء إلى المهدية فقدموا في التاريخ فلما قاربوا المهدية حطوا شراعهم ليدخلوا الميناء فخرج إليهم أسطول عبد المؤمن وركب العسكر جميعه ووقفوا على جانب البحر فاستعظم الفرنج ما رأوه من كثرة العساكر ودخل الرعب قلوبهم وبقي عبد المؤمن يمرغ وجهه على الأرض ويبكي ويدعوا للمسلمين بالنصر واقتتلوا في البحر فانهزمت شواني الفرنج وأعادوا القلوع وتبعهم المسلمون فأخذوا منهم سبع شوان ولو كان معهم قلوع لأخذوا أكثرها وكان أمرًا عجيبًا وفتحًا قريبًا.
وعاد أسطول المسلمين مظفرًا منصورًا وفرق فيهم عبد المؤمن الأموال ويئس أهل المهدية حينئذ من النجدة وصبروا على الحصار ستة أشهر إلى آخر شهر ذي الحجة من السنة فنزل حينئذ من فرسان الفرنج إلى عبد المؤمن عشرة وسألوا الأمان لمن فيها من الفرنج على أنفسهم وأموالهم ليخرجوا منها ويعودوا إلى بلادهم وكان قوتهم قد فني حتى أكلوا الخيل فعرض عليهم الإسلام ودعاهم إليه فلم يجيبوا ولم يزالوا يترددون إليه أيامًا واستعطفوه بالكلام اللين فأجابهم إلى ذلك وأمنهم وأعطاهم سفنًا فركبوا فيها وساروا وكان الزمان شتاء فغرق أكثرهم ولم يصل منهم إلى صقلية غلا النفر اليسير.
وكان صاحب صقلية قد قال: إن قتل عبد المؤمن أصحابنا في المهدية قتلنا المسلمين الذين هم بجزيرة صقلية وأخذنا حرمهم وأموالهم فأهلك الله الفرنج غرقًا وكانت مدة ملكهم المهدية اثنتي عشرة سنة.
ودخل عبد المؤمن المهدية بكرة عاشوراء من المحرم سنة خمس وخمسين وخمسمائة وسماها عبد المؤمن سنة الأخماس وأقام بالمهدية عشرين يومًا فرتب أحوالها وأصلح ما انثلم من سورها ونقل إليها الذخائر من القوات والرجال والعدد واستعمل عليها بعض أصحابه وجعل معه الحسن بن علي الذي كان صاحبها وأمره أن يقتدي برأيه في أفعاله وأقطع الحسن بها أقطاعًا وأعطاه دورًا نفيسة يسكنها وكذلك فعل بأولاده ورحل من المهدية أول صفر من السنة إلى بلاد الغرب.
لما فرغ عبد المؤمن من أمر المهدية وأراد العود إلى الغرب جمع أمراء العرب من بني رياح الذين كانوا بإفريقية وقال لهم: قد وجبت علينا نصرة الإسلام فإن المشركين قد استفحل أمرهم بالأندلس واستولوا على كثير من البلاد التي كانت بأيدي المسلمين وما يقاتلهم أحد مثلكم فبكم فتحت البلاد أول الإسلام وبكم يدفع عنها العدو الآن ونريد منكم عشرة ألاف فارس من أهل النجدة والشجاعة يجاهدون في سبيل الله.
فأجابوا بالسمع والطاعة فحلفهم على ذلك بالله تعالى وبالمصحف فحلفوا ومشوا معه إلى مضيق جبل زغوان.
وكان منهم إنسان يقال له يوسف بن مالكن وهو من أمرائهم ورؤوس القبائل فيها فجاء إلى عبد المؤمن بالليل وقال له سرًا: إن العرب قد كرهت المسير إلى الأندلس وقالوا ما غرضه إلا إخراجنا من بلادنا وإنهم لا يفون بما حلفوا عليه فقال: يأخذ الله عز وجل الغادر.
فلما كانت الليلة الثانية هربوا إلى عشائرهم ودخلوا البر ولم يبق منهم إلا يوسف بن مالك فسماه عبد المؤمن يوسف الصادق.
ولم يحدث عبد المؤمن في أمرهم شيء وسار مغريًا يحث السير حتى قرب القسنطينة فنزل في موضع خصب يقال له.
وادي النساء والفصل ربيع والكلأ مستحسن فأقام به وضبط الطرق فلا يسير من العسكر أحد البتة ودام ذلك عشرين يومًا فبقي الناس في جميع البلاد لا يعرفون لهذا العسكر خبرًا مع كثرته وعظمه ويقولون: ما أزعجه إلا خبر وصله من الأندلس فحث لأجله السير فعادت العرب الذين جفلوا منه من البرية إلى البلاد لما أمنوا جانبه وسكنوا البلاد التي ألفوها واستقروا في البلاد.
فلما علم عبد المؤمن برجوعهم جهز إليهم ولديه أبا محمد وأبا عبد الله في ثلاثين ألف مقاتل من أعيان الموحدين وشجعانهم فجدوا السير وقطعوا المفاوز فما شعر العرب إلا والجيش قد أقبل بغتة من ورائهم من جهة الصحراء ليمنعوهم الدخول إليها إن راموا ذلك.
وكانوا قد نزلوا جنوبًا من القيروان عند جبل يقال له جبل القرن وهم زهاء ثمانين ألف بيت والمشاهير من مقدميهم: أبو محفوظ محرز بن زياد ومسعود بن زمام وجبارة بن كامل وغيرهم فلما أطلت عليهم عساكر عبد المؤمن أضطربوا واختلفت كلمتهم ففر مسعود وجبارة بن كامل ومن معهما من عشائرهما وثبت محرز بن زياد وأمرهم بالثبات والقتال فلم يلتفتوا إليه فثبت هو ومن معه من جمهور العرب فناجزهم الموحدون القتال في العشر الأوسط من ربيع الآخر من السنة وثبت الجمعان واشتد العراك بينهما وكثر القتل فاتفق أن محرز بن زياد قتل ورفع رأسه على رمح فانهزمت جموع العرب عند ذلك وأسلموا البيوت والحريم والأولاد والأموال وحمل جميع ذلك إلى عبد المؤمن وهو بذلك المنزل فأمر بحفظ النساء العربيات الصرائح وحملهن معه تحت الحفظ والبر والصيانة إلى بلاد الغرب وفعل معهم مثل ما فعل في حريم الأبثج.
ثم أقبلت إليه وفود رياح مهاجرين في طلب حريمهم كما فعل الأبثج فأجمل الصنيع لهم ورد الحريم إليهم فلم يبق منهم أحد إلا وصار عنده وتحت حكمه وهو يخفض لهم الجناح ويبذل فيهم الإحسان ثم إنه جهزهم إلى ثغور الأندلس على الشرط الأول وجمعت عظام العرب المقتولين في هذه المعركة عند جبل القرن فبقيت دهرًا طويلًا كالتل العظيم يلوح للناظرين من مكان بعيد وبقيت إفريقية مع نواب عبد المؤمن آمنة ساكنة لم يبق فيها من أمراء العرب خارجًا عن طاعته إلا مسعود بن زمام وطائفته في أطراف البلاد.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق