133
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير
ذكر حصر السلطان محمد بغداد
في هذه السنة في ذي الحجة حصر السلطان محمد بغداد وسبب ذلك أن السلطان محمد بن محمود كان قد أرسل إلى الخليفة يطلب أن يخطب له ببغداد والعراق فامتنع الخليفة من إجابته إلى ذلك فسار من همذان في عساكر كثيرة نحو العراق ووعده أتابك قطب الدين صاحب
الموصل ونائبه زين الدين علي بإرسال العساكر إليه نجدة له على حصر بغداد فقدم العراق في ذي الحجة سنة إحدى وخمسين واضطرب الناس ببغداد وأرسل الخليفة يجمع العساكر فأقبل خطلبرس من واسط وعصى أرغش صاحب البصرة وأخذ واسط ورحل مهلهل إلى الحلة فأخذها واهتم الخليفة وعمن الدين بن هبيرة بأمر الحصار وجمع جميع السفن وقطع الجسر وجعل الجميع تحت التاج ونودي منتصف المحرم سنة اثنتين وخمسين أن لا يقيم أحد بالجانب الغربي فأجفل الناس وأهل السواد ونقلت الأموال إلى حريم دار الخلافة وخرب الخليفة قصر عيسى والمربعة والقرية والمستجدة والنجمي ونهب أصحابه ما وجدوا وخرب أصحاب محمد شاه نهر القلابين والتوثة وشارع ابن رزق الله وباب الميدان وقطفتا.
وأما أهل الكرخ وأهل باب البصرة فإنهم خرجوا إلى عسكر محمد وكسبوا معهم أموالًا كثيرة.
وعبر السلطان محمد فوق حربي إلى الجانب الغربي ونهبت أوانا واتصل به زين الدين هناك وساروا فنزل محمد شاه عند الرملة وفرق الخليفة السلاح على الجند والعامة ونصب المجانيق والعرادات.
فلما كان في العشرين من المحرم ركب عسكر محمد شاه وزين الدين علي ووقفوا عند الرقة ورموا بالنشاب إلى ناحية التاج فعبر إليهم عامة بغداد فقاتلوهم ورموهم بالنفط وغيره ثم وفي ثالث صفر عاودوا القتال واشتدت الحرب وعبر كثير من أهل بغداد سباحة وفي السفن فقتلوا وكان يومًا مشهودًا.
ولم تزل الحرب بينهم كل وقت وعمل الجسر على دجلة وعبر عليه أكثر العسكر إلى الجانب الشرقي وصار القتال في الجانبين وبقي زين الدين في الجانب الغربي وأمر الخليفة فنودي: كل من جرح فله خمسة دنانير فكان كلما جرح إنسان يحضر عند الوزير فيعطيه خمسة دنانير فاتفق أن بعض العامة جرح جرحًا ليس بكبير فحضر يطلب الدنانير فقال له الوزير ليس هذا الجرح بشيء فعاود القتال فضرب فانشق جوفه وخرج شيء من شحمه فحمل إلى الوزير فقال: يامولانا الوزير أيرضيك هذا فضحك منه وأضعف له ورتب له من يعالج جراحته إلى أن بريء.
وتعذرت الأقوات في العسكر إلا أن اللحم والفواكه والخضر كثيرة وكانت الغلات في بغداد كثيرة لأن الوزير كان يفرقها في الجند عوض الدنانير فيبيعونها فلم تزل الأسعار عندهم رخيصة إلا أن اللحم والخضر والفاكهة قليلة عندهم.
واشتد الحصار على أهل بغداد لانقطاع المواد عنهم وعدم المعيشة لأهلها وكان زين الدين وعسكر الموصل غير مجدين في القتال لأجل الخليفة والمسلمين وقيل لأن نور الدين محمود بن على قتال الخليفة ففتر وأقصر.
فلم تزل الحروب في أكثر الأيام وعمل السلطان محمد أربعمائة سلم ليصعد الرجال فيها إلى السور وزحفوا وقاتلوا ففتح أهل بغداد أبواب البلد وقالوا: أي حاجة بكم إلى السلاليم هذه الأبواب مفتحة فأدخلوا منها فلم يقدروا على أن يقربوها.
فبينما الأمر على ذلك إذ وصل الخبر إلى السلطان محمد أن أخاه ملكشاه وإيلدكز صاحب بلاد آران ومعه الملك أرسلان ابن الملك طغرل بن محمد وهو ابن امرأة إيلدكز قد دخلوا همذان واستولوا عليها وأخذوا أهل الأمراء الذين مع محمد شاه وأموالهم فلما سمع محمد شاه ذلك جد في القتال لعله يبلغ غرضًا فلم يقدر على شيء ورحل عنها نحو همذان في الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
وعاد زين الدين إلى الموصل وتفرق ذلك الجمع على عزم العود إذا فرغ محمد شاه من إصلاح بلاده فلم يعودوا يجتمعون وفي كثرة حروبهم لم يقتل منهم إلا نفر يسير وإنما الجراح كانت كثيرة ولما ساروا نهبوا بعقوبا وغيرها من طريق خراسان.
ولما رحل العسكر من بغداد أصاب أهلها أمراض شديدة حادة وموت كثير للشدة التي مرت بهم وأما ملكشاه وإيلدكز ومن معهما فإنهم ساروا من همذان إلى الري فخرج إليهم إينانج شحنتها وقاتلهم فهزموه فأنفذ السلطان محمد الأمير سقمس بن قيماز الحرامي في عسكر نجدة لإينانج فسار سقمس وكان إيلدكز وملكشاه ومن معهما قد عادوا من الري يريدون محاصرة الخليفة فلقيهم سقمس وقاتلهم فهزموه ونهبوا عسكره وأثقالهم فاحتاج السلطان محمد إلى الإسراع فسار فلما بلغ حلوان بلغه أن إيلدكز بالدينور وأتاه رسول من نائبه إينانج أنه دخل همذان وأعاد الخطبة له فيها فقويت نفسه وهرب شملة صاحب خوزستان إلى بلاده وتفرق أكثر جمع إيلدكز وملكشاه وبقيا في خمسة آلاف فارس فعاد إلى بلادهما شبه الهارب.
ولما رحل محمد شاه إلى همذان أراد التجهز لقصد بلاد إيلدكز فابتدأ به مرض السل وبقي به إلى أن مات.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق