109
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير
ذكر انهزام سنجر من الغز ونهبهم خراسان وما كان منهم
في هذه السنة في المحرم انهزم السلطان سنجر من الأتراك الغز وهم طائفة من الترك مسلمون كانوا بما وراء النهر فلما ملك الخطا أخرجوهم منه كما ذكرنا فقصدوا خراسان وكانوا خلقًا كثيرًا فأقاموا بنواحي بلخ يرعون في مراعيها وكان لهم أمراء اسم أحدهم دينار والآخر بختيار والآخر طوطى والآخر جغر والآخر محمود فأراد الأمير قماج وهو مقطع بلخ إبعادهم فصانعوه بشيء بذلوه له فعاد عنهم فأقاموا على حالة حسنة لا يؤذون أحدًا ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة.
ثم إن قماج عاودهم وأمرهم بالانتقال عن بلده فامتنعوا وانضم بعضهم إلى بعض واجتمع معهم غيرهم من طوائف الترك فسار قماج إليهم في عشرة آلاف فارس فجاء إليه العسكر الخراساني بقربهم منهم أجفلوا من بين يديه هاربين لما دخل قلوبهم من خوفهم والرعب منهم فلما فارقها السلطان والعسكر دخلها الغز ونهبوها أفحش نهب وأقبحه وذلك في جمادى الأولى من السنة وقتل بها كثير من أهلها وأعيانها منهم قاضي القضاة الحسن بن محمد الأرسابندي والقاضي علي بن مسعود وغيرهما من الأئمة والعلماء.
ولما خرج سنجر من مرو قصد اندرابة وأخذه الغز أسيرًا وأجلسوه على تخت السلطنة على عادته وقاموا بين يديه وبذلوا له الطاعة ثم عاودوا الغارة على مرو في رجب من السنة فمنعهم أهلها وقاتلوهم قتالًا بذلوا فيه جهدهم وطاقتهم ثم إنهم عجزوا فاستسلموا إليهم فنهبوها أقبح من النهب الأول ولم يتركوا بها شيئًا.
وكان قد فارق سنجر جميع أمراء خراسان ووزيره طاهر بن فخر الملك ابن نظام الملك ولم يبق عنده غير نفر يسير من خواصه وخدمه فلما وصلوا إلى نيسابور أحضروا الملك سليمان شاه ابن السلطان محمد فوصل إلى نيسابور تاسع عشر من جمادى الآخرة من السنة فاجتمعوا عليه وخطبوا له بالسلطنة وسار في هذا الشهر جماعة من العسكر السلطاني إلى طائفة كثيرة من الغز فأوقعوا بهم وقتلوا منهم كثيرًا وانهزم الباقون إلى أمرائهم الغزية فاجتمعوا معهم.
ولما اجتمعت العساكر على الملك سليمان شاه ساروا إلى مرو يطلبون الغز فبرز الغز إليهم فساعة رآهم العسكر الخراساني انهزموا وولوا على أدبارهم وقصدوا نيسابور وتبعهم الغز فمروا بطوس وهي معدن العلماء والزهاد فنهبوها وسبوا نسائها وقتلوا رجالها وخربوا مساجدها ومساكن أهلها ولم يسلم من جميع ولاية طوس إلا البلد الذي فيه مشهد علي بن موسى الرضي ومواضع أخر لها اسوار.
وممن قتل من أعيان أهلها محمد المارشكي ونقيب العلويين بها علي الموسوي وخطيبها إسماعيل بن المحسن وشيخ شيوخها محمد بن محمد وأفنوا من بها من الشيوخ الصالحين وساروا منها إلى نيسابور فوصلوا إليها في شوال سنة تسع وأربعين ولم يجدوا دونها مانعًا ولا مدافعًا فنهبوها نهبًا ذريعًا وقتلوا أهلها فأكثروا حتى ظنوا انهم لم يبقوا بها أحدًا حتى إنه أحصي في محلتين خمسة عشر ألف قتيل من الرجال دون النساء والصبيان وسبوا نسائها وأطفالها وأخذوا أموالهم وبقي القتلى في الدروب كالتلال بعضهم فوق بعض واجتمع أكثر أهلها بالجامع المنيعي وتحصنوا به فحصرهم الغز فعجز أهل نيسابور عن منعهم فدخل الغز إليهم فقتلوهم عن آخرهم وكانوا يطلبون من الرجل المال فإذا أعطاهم الرجل ماله قتلوه وقتلوا كثيرًا من أئمة العلماء والصالحين منهم محمد بن يحيى الفقيه الشافعي الذي لم يكن في زمانه مثله كان رحلة الناس من أقصى الغرب والشرق إليه ورثاه جماعة من العلماء منهم أبو الحسن علي بن أبي القاسم البيهقي فقال: ياسافكًا دم عالم متبحر قد طار أقصى في الممالك صيته بالله قل يا ظلوم ولا تخف من كان يحيي الدين كيف تميته ومنهم الزاهد عبد الرحمن بن عبد الصمد الأكاف وأحمد بن الحسين الكاتب سبط القشيري وأبو البركات الفراوي والإمام علي الصباغ المتكلم وأحمد بن محمد بن حامد وعبد الهاب الملقاباذي والقاضي صاعد بن عبد الملك بن صاعد والحسن بن عبد الحميد الرازي وخلق كثير من الأئمة والزهاد والصالحين واحرقوا ما بها من خزائن الكتب ولم يسلم إلا بعضها.
وحصروا شارستان وهي منيعة فأحاطوا بها وقاتلهم أهلها من فوق سورها وقصدوا جوين فنهبوها وقاتلهم أهل بحراباذ من أعمال جوين وبذلوا نفوسهم لله تعالى وحموا بيضتهم والباقي أتى النهب والقتل عليه ثم قصدوا أسفرايين فنهبوها وخربوها وقتلوا في أهلها فأكثروا.
وممن قتل عبد الرشيد الأشعثي وكان من أعيان دولة السلطان فتركها وأتى على الاشتغال بالعلم وطلب الآخرة وأبو الحسن الفندروجي وكان من ذوي الفضائل لا سيما في علم الأدب.
ولما فرغ الغز من جوين وأسفرايين عاودوا نيسابور فنهبوا ما بقي فيها بعد النهب الأول وكان قد لحق بشهرستان كثير من أهلها فحصرهم الغز واستولوا عليها ونهبوا ما كان فيها لأهلها ولأهل نيسابور ونهبوا الحرم والأطفال وفعلوا ما لم يفعله الكفار مع المسلمين وكان العيارون أيضًا ينهبون نيسابور أشد من نهب الغز ويفعلون أقبح من فعلهم.
ثم إن أمر الملك سليمان شاه ضعف وكان قبيح السيرة سيء التدبير وإن وزيره طاهر بن فخر الملك بن نظام الملك توفي في شوال سنة ثمان وأربعين فضعف أمره واستوزر سليمان شاه بعده ابنه نظم الملك أبا علي الحسن بن طاهر وانحل أمر دولته بالكلية ففارق خراسان في صفر سنة تسع وأربعين وعاد إلى جرجان فاجتمع الأمراء وراسلوا الخان محمود بن محمد بن بغراخان وهو ابن أخت السلطان سنجر وخطبوا له على منابر خراسان واستدعوه إليهم فملكوه أمورهم وانقادوا له في شوال سنة تسع وأربعين وخمسمائة وساروا معه إلى الغز وهم يحاصرون هراة وجرت بينهم حروب كان الظفر في أكثرها للغز ورحلوا في جمادى الأولى من سنة خمسين وخمسمائة من على هراة إلى مرو وعاودوا المصادرة لأهلها.
وسار خاقان محمود بن محمد إلى نيسابور وقد غلب عليها المؤيد على ما نذكره وراسل الغز في الصلح فاصطلحوا في رجب من سنة خمسين وخمسمائة هدنة على دخن وسيرد باقي أخبارهم سنة اثنتين وخمسين.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق