106
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير
ذكر ظفر الهند على المسلمين
لما اشتدت نكاية شهاب الدين في بلاد الهند وإثخانه في أهلها واستيلائه عليها اجتمع ملوكهو وتآمروا بينهم ووبخ بعضهم بعضًا فاتفق رأيهم على الاجتماع والتعاضد على حربه فجمعوا عساكرهم وحشدوا وأقبل إليهم الهنود من كل فج عميق على الصعب والذلول وجاؤوا بحدهم وحديدهم وكان الحاكم على جميع الملوك المجتمعين امرأة هي من أكبر ملوكهم.
فلما سمع باجتماعهم ومسيرهم إليه تقدم هو إليهم في عسكر عظيم من الغورية والخلج والخراسانية وغيرهم فالتقوا واقتتلوا فلم يكن بينهم كثير قتال حتى انهزم المسلمون وركبهم الهنود يقتلون ويأسرون وأثخنوا فيهم وأصاب شهاب الدين ضربة بطلت منها يده اليسرى وضربة أخرى على رأسه سقط منها على الأرض وحجز الليل بين الفريقين فأحس شهاب الدين جماعة من غلمانه الأتراك في ظلمة الليل وهم يطلبونه في القتلى ويبكون وقد رجع الهنود إلى ورائهم وكلمهم وهو على ما به من الجند فجاؤوا إليه مسرعين وحملوه على رؤوسهم وشاع خبر سلامته في الناس فجاؤوا إليه يهنئونه من أقطار البلاد فأول ما عمل أنه أخذ أمراؤهم وسألوه أن يكف عنهم ويتركهم في مراعيهم ويعطونه من كل بيت مائتي درهم فضة فلم يجبهم إلى ذلك وشدد عليهم في الأنتزاح عن بلده فعادوا عنه واجتمعوا وقاتلوه فانهزم قماج ونهبوا ماله ومال عسكره وأكثروا القتل في العسكر والرعايا واسترقوا النساء والأطفال وعملوا كل عظيمة وقتلوا الفقهاء وخربوا المدارس.
وانتهت الهزيمة بقماج إلى مرو وبها السلطان سنجر فأعلمه الحال فراسلهم سنجر يتهددهم فأمرهم بمفارقة بلاده فاعتذروا وبذلوا بذلًا كثيرًا ليكف عنهم ويتركهم في مراعيهم فلم يجبهم إلى ذلك وجمع عسلكره من أطراف البلاد واجتمع معه ما يزيد على مائة ألف فارس وقصدهم ووقع بينهم حرب شديدة فانهزمت عساكر سنجر وانهزم هو أيضًا وتبعهم الغز قتلًا وأسرًا فصار قتلى العسكر كالتلال وقتل علاء الدين قماج وأسر السلطان سنجر وأسر معه جماعة من الأمراء فأما الأمراء فضربوا أعناقهم وأما السلطان سنجر فإن أمراء الغز اجتمعوا وقبلوا الأرض بين يديه وقالوا: نحن عبيدك لا نخرج عن طاعتك فقد علمنا أنك لا ترد قتالنا وإنما حملت عليه فأنت السلطان ونحن العبيد فمضى على ذلك شهران أو ثلاثة ودخلوا معه إلى مرو وهي كرسي ملك خراسان وطلبها منه بختيار إقطاعًا فقال السلطان: هذه دار الملك ولا يجوز أن تكون إقطاعًا لأحد.
فضحكوا منه وحبق له بختيار بفمه فلما رأى ذلك نزل عن سرير الملك ودخل خانكاه مرو وتاب عن الملك.
واستولى الغز على البلاد وظهر منهم من الجور ما لم يسمع بمثله وولوا على نيسابور واليًا فقسط على الناس كثيرًا وعصفهم وضربهم وعلق في الأسواق ثلاث غرائر وقال: أريد ملء هذه ذهبًا فثار عليه العامة وقتلوه ومن معه فركب الغز ودخلوا نيسابور ونهبوها نهبًا مجحفًا وجعلوها قاعًا صفصفًا وقتلوا الكبار والصغار وأحرقوها وقتلوا القضاة والعلماء في البلاد كلها فممن قتل الحسين بن محمد الأرسابندي والقاضي علي بن مسعود والشيخ محمد بن يحيى وأكثر الشعراء في مراثي محمد بن يحيى فممن قال فيه علي بن إبراهيم الكاتب: مضى الذي كان يجنى الدر من فيه يسيل بالفضل والإفضال واديه مضى ابن يحيىالذي قد كان صوب حيًا لأبرشهر ومصباحًا لداجيه خلا خراسان من علم ومن ورع لما نعاه إلى الآفاق ناعيه لما أماتوه مات الدين واأسفًا من ذا الذي بعد محي الدين يحييه ويتعذر وصف ما جرى منهم على تلك البلاد جميعها ولم يسلم من خراسان شيء لم تنهبه الغز غير هراة ودهستان لأنها كانت حصينة فامتنعت.
وقد ذكر بعض مؤرخي خراسان من أخبارهم ما فيه زيادة وضوح فقال: إن هؤلاء الغز قوم انتقلوا من ضواحي الثغر من أقاصي الترك إلى ما وراء النهر في أيام المهدي وأسلموا واستنصر بهم المقنع صاحب المخاريق والشعبذة حتى تم أمره فلما سارت العساكر إليه خذله الغز وأسلموه وهذه عادتهم في كل دولة كانوا فيها وفعلوا مثل ذلك مع الملوك الخاقانية إلا أن الأتراك القارغلية قمعوهم وطردوهم عن أوطانهم فجعاهم الأمير زنكي بن خليفة الشيباني المستولي على حدود طخارستان إليه وأنزلهم بلاده وكانت بينه وبين الأمير قماج عداوة أحكمتها الأيام للمجاورة التي بينهما وكل منهما يريد أن يعلو على الآخر ويحكم عليه فتقوى بهم زنكي وساروا معه إلى بلخ لمحاربة قماج فكاتبهم قماج فمالوا إليه وخذلوا زنكي عند الحرب فأخذ زنكي وابنه أسيرين فقتل قماج ابن زنكي وجعل يطعم أباه لحمه ثم قتل الأب أيضًا وأقطع قماج الغز مواضع وأباحهم مراعي بلاده.
فلما قام الحسين بن الحسين الغوري بغزنة وقصد بلخ خرج إليه قماج وعساكره ومعه الغز ففارقه الغز وانضموا إلى الغوري حتى ملك مدينة بلخ فسار السلطان سنجر إلى بلخ ففارقها الغوري بعد قتال وانهزم منه ثم دخل على السلطان سنجر لعجزه عن مقاومته فرده إلى غزنة.
وبقي الغز بنواحي طخارستان وفي نفس قماج منهم الغيظ العظيم لما فعلوه معهن فأراد صرفهم عن بلاده فتجمعوا وانضم إليهم طوائف من الترك وقدموا عليهم أرسلان بوقا التركي فجمع قماج عسكره ولقيهم فاقتتلوا يومًا كاملًا إلى الليل فانهزم قماج وعسكره وأسر هو وابنه بكر فقتلوهما واستولوا على نواحي بلخ وعاثوا فيها وافسدوا بالنهب والقتل والسلب.
وبلغ السلطان سنجر الخبر فجمع عساكره وسار إليهم فراسلوه يعتذرون ويتنصلون فلم يقبل عذرهم ووصل إليهم مقدمة السلطان وفيها محمد بن أبي بكر بن قماج المقتول والمؤيد أي أبه في المحرم من سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ووصل بعدهم السلطان سنجر فالتقاه الغز بعد أن أرسلوا يعتذرون ويبذلون الأموال والطاعة والانقياد إلى كل ما يؤمرون به فلم يقبل سنجر ذلك منهم وسار إليهم فلقوه وقاتلوه وصبروا له ودام قتالهم فانهزم عسكر سنجر وهو معهم فتوجهوا إلى بلخ على أقبح صورة وتبعهم الغز واقتتلوا ثانية فانهزم السلطان سنجر أيضًا ومضى منهزمًا إلى مرو في صفر من السنة فقصد الغز إليها فلما سمع أمراء الغورية الذين انهزموا عنه وأسلموه فملأ مخالي خيلهم شعيرًا وحاف لئن لم يأكلوه ليضربن أعناقهم فأكلوه ضرورة.
وبلغ الخبر إلى أخيه غياث الدين فكتب إليه يلومه على عجلته وإقدامه وانفذ إليه جيشًا عظيمًا.
لما سلم شهاب الدين وعاد إلى آجرة وأتاه المدد من أخيه غياث الدين عاد الهنود فجددوا سلاحهم ووفروا جمعهم وأقاموا عوض من قتل منهم وسارت ملكتهم وهم معها في عدد يضيق عنه الفضاء فراسلها شهاب الدين يخدعها بأنه يتزوجها فلم تجبه إلى ذلك وقالت: إما الحرب وإما أن تسلم بلاد الهند وتعود إلى غزنة فأجابها إلى العود إلى غزنة وأنه يستأذن أخاه غياث الدين فعل ذلك مكرًا وخديعة.
وكان بين العسكرين نهر وقد حفظ الهنود المخاضات فلا يقدر أحد من المسلمين أن يجوزه وأقاموا ينتظرون ما يكون من جواب غياث الدين بزعمهم فبينما هم كذلك إذ وصل إنسان هندي إلى شهاب الدين وأعلمه بأنه يعرف مخاضًا قريبًا من عسكر الهنود وطلب أن يحضر جيشًا يعبرهم المخاض ويكسبون الهنود وهم غارون غافلون فخاف شهاب الدين أن تكون خديعة ومكرًا فأقام له ضمناء من أهل آجرة والمولتان فأرسل معه جيشًا كثيفًا وجعل عليهم الأمير الحسين بن خرميل الغوري وهو الذي صار بعد صاحب هراة وكان من الشجاعة والرأي بالمنزلة المشهورة.
فسار الجيش مع الهندي فعبروا النهر فلم يشعر الهنود إلا وقد خالطهم المسلمون ووضعوا السيف فيهم فاشتغل الموكلون بحفظ المخاضات فعبر شهاب الدين وباقي العساكر وأحاطوا بالهنود وأكثروا القتل فيهم ونادوا بشعار الإسلام فلم ينج من الهنود إلا من عجز المسلمون عن قتله وأسره وقتلت ملكتهم وتمكن شهاب الدين بعد هذه الوقعة من بلاد الهند وأمن معرة فسادهم والتزموا له بالأموال وسلموا الرهائن وصالحوه وأقطع مملوكه قطب الدين أيبك مدينة دهلي وهي كرسي الممالك التي فتحها من الهند فأرسل عسكرًا من الخلج مع محمد بن بختيار فملكوا من بلاد الهند مواضع ما وصل إليها مسلم قبله حتى قاربوا حدود الصين من جهة المشرق.
وقد حدثني صديق لي من التجار بوقعتين تشبهان هاتين الوقعتين المذكورتين وبينهما بعض الخلاف وقد ذكرناهما سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق