607
حسْن المُحاضرة في تاريخ مصْر والقاهرَة
ذكر من قام بمصر من الخلفاء العباسيين
زمنها. وقد كان صال عليها صولة مغضب، فأعاده لها سلما بعد أن كان عليها حربًا، وصرف إليها اهتمامه فرجع كل متضايق من أمورها واسعا رحبًا.
ومنح أمير المؤمنين عند القدوم عليه حنوًّا وعطفا، وأظهر من الولاء رغبة في ثواب الله ما لا يخفى، وأبدى من الاهتمام بأمر الشريعة والبيعة أمرا لو رامه غيره لامتنع عليه، ولو تمسك بحبله متمسك لانقطع به قبل وصوله إليه، ولكن الله ادخر هذه الحسنة ليثقل بها ميزان ثوابه، ويخفف بها يوم القيامة حسابه والسعيد من خفف من حسابه. فهذه منقبة أبى الله إلا أن يخلدها في صحيفة صنعه،
ومكرمة تضمنت لهذا البيت الشريف بجمعه، بعد أن حصل الإياس من جمعه. وأمير المؤمنين يشكر لك هذه الصنائع؛ ويعترف أنه لولا اهتمامك لاتسع الخرق على الراقع، وقد قلدك الديار المصرية والبلاد الشامية، والديار البكرية والحجازية، واليمنية والفراتية، وما يتجدد من الفتوحات غورًا ونجدًا، وفوض أمر جندها ورعاياها إليك حين أصبحت بالمكارم فردا، ولا جعل منها بلدًا من البلاد، ولا حصنا من الحصون يستثنى، ولا جهة من الجهات تعد في الأعلى ولا في الأدنى.
فلاحظ أمور الأمة فقد أصبحت لها حاملا، وخلص نفسك من التبعات اليوم ففي غد تكون مسئولا لا سائلا، ودع الاغترار بأمر الدنيا فما نال أحد منها طائلا، وما رآها أحد بعين الحق إلا رآها حائلًا زائلًا؛ فالسعيد من قطع منها آماله الموصولة، وقدم لنفسه زاد التقوى؛ فتقدمة غير التقوى مردودة لا مقبولة. وابسط يدك بالإحسان، والعدل فقد أمر الله بالعدل وحث على الإحسان، وكرر ذكره في مواضع القرآن، وكفر به عن المرء ذنوبا كتبت عليها وآثاما، وجعل يومًا واحدا منها كعبادة العابد ستين عاما، وما سلك أحد سبيل العدل إلا واجتنيت ثماره من أفنان، ورجع الأمر به بعد تداعي أركانه، وهو مشيد الأركان، وتحصن به من حوادث زمانه؛ والسعيد من تحصن من حوادث الزمان.
وكانت أيامه في الأيام أبهى من الأعياد، وأحسن في العيون من الغرر في أوجه الجياد، وأحلى من العقود إذا حلى بها عاطل الأجياد.
وهذه الأقاليم المنوطة بك تحتاج إلى نواب وحكام، وأصحاب رأي من أصحاب السيوف والأقلام؛ فإذا استعنت بأحد منهم في أمورك، فنقب عليه تنقيبا، واجعل عليه في تصرفاته رقيبًا، واسأل عن أحواله ففي يوم القيامة تكون عنه مسؤولا، وبما اجترم (1) مطلوبا. ولا تول منهم إلا من تكون مساعيه حسنات لك لا ذنوبا.
وأمرهم بالأناة في الأمور والرفق، ومخالفة الهوى إذا ظهرت أدلة الحق، وأن يقابلوا الضعفاء في حوائجهم بالثغر الباسم والوجه الطلق؛ وألا يعاملوا أحدًا على الإحسان والإساءة إلا بما يستحق، وأن يكونوا لمن تحت أيديهم من الرعايا
إخوانا، وأن يوسعوهم برا وإحسانا، وألا يستحلوا حرماتهم إذا أستحل الزمان لهم حرمانا، فالمسلم أخو المسلم ولو كان أميرا عليه وسلطانا. والسعيد من نسج ولاته في الخير على منواله، واستنوا (2) بسنته في تصرفاته وأحواله، وتحملوا عنه ما تعجز قدرته عن حمل أثقاله؛ ومما يؤمرون به أن يمحى ما أحدث من سيئ السنن، وجدد من المظالم التي هي من أعظم المحن، وأن يشترى بإبطالها المحامد، فإن المحامد رخيصة بأغلى ثمن. ومهما جبي منها من الأموال فإنما هي باقية في الدم حاصلة، وأجياد الخزائن وإن أضحت بها حالية؛ فإنما هي على الحقيقة منها عاطلة؛ وهل أشقى ممن احتقب (3) إثما، وأكتسب بالمساعي الذميمة ذما، وجعل السواد الأعظم له يوم القيامة خصما، وتحمل ظلم الناس فيما صدر عنه من أعماله، وقد خاب من حمل ظلما! وحقيق بالمقام الشريف المولوي السلطان الملكي الظاهري الركني أن تكون
_________
(1) السلوك: "أجرم".
(2) ط: "استنوا".
(3) احتقب: حمل.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق