597
حسْن المُحاضرة في تاريخ مصْر والقاهرَة
ذكر أمراء مصر من حين ملكها بنو أيوب إلى أن اتخذها الخلفاء العباسيون دار الخلافة
ثم إن عز الدين خلع الملك الاشرف واستقل بالسلطنة في سنة اثنتين وخمسين، ولقب الملك المعز؛ وهو أول من ملك مصر من الأتراك، وممن جرى
عليه الرق، فلم يرض الناس بذلك حتى أرضى الجند بالعطايا الجزيلة. وأما أهل مصر فلم يرضوا بذلك، ولم يزالوا يسمعونه ما يكره إذا ركب ويقولون: لا نريد إلا سلطانًا رئيسًا ولد على الفطرة، وكان المعز تزوج شجر الدر.
ثم إنه خطب ابنة صاحب الموصل، فغارت شجر الدر فقتلته في أواخر ربيع الأول سنة خمس وخمسين، وأقيم بعده ولده علي ولقب المنصور، وعمره نحو خمس عشرة سنة، فأقام سنتين وثمانية أشهر، وفي أيامه أخذ التتار بغداد، وقتل الخليفة.
ثم إن الأمير سيف الدين قُطُز مملوك المعز قبض على المنصور، واعتقله في أواخر ذي القعدة سنة سبع وخمسين؛ وتملك مكانه، ولقب بالملك المظفر بعد أن جمع الأمراء، والعلماء والأعيان، وأفتوا بأن المنصور صبي لا يصلح للملك، لا سيما في هذا الزمان الصعب الذي يحتاج إلى ملك شهم مطاع لأجل إقامة الجهاد، والتتار قد وصلوا البلاد الشامية، وجاء أهلها إلى مصر يطلبون النجدة؛ وأراد قطز أن يأخذ من الناس شيئًا ليستعين به على قتالهم؛ فجمع العلماء، فحضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام، فقال: لا يجوز ان يؤخذ من الرعية شيء حتى لا يبقى في بيت المال شيء، وتبيعوا مالكم من الحوائص والآلات، ويقتصر كل منهم على فرسه وسلاحه، وتتساووا في ذلك أنتم والعامة. وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا. ولم يكن قطز هذا مرقوق الأصل، ولا من أولاد الكفر.
قال الجزري في تاريخه: كان قطز في رق ابن الزعيم، فضربه أستاذه فبكى، فقيل له: تبكي من لطمة! فقال: إنما أبكي من لعنة أبي وجدي، وهما خير منه، فقيل:
من أبوك! واحد كافر. قال: ما أنا إلا مسلم، أنا محمود بن مودود بن أخت خوارزم شاه من أولاد الملوك.
وخرج المظفر بالجيوش في شعبان سنة ثمان وخمسين متوجهًا إلى الشام لقتال التتار وشاويشه (1) ركن الدين بيبرس البندقدارى، فالتقوا هم والتتار عند عين
جالوت، ووقع المصاف يوم الجمعة خامس عشري رمضان، فهزم التتار شر هزيمة، وانتصر المسلمون ولله الحمد، وجاء كتاب المظفر إلى دمشق بالنصر، فطار الناس فرحًا، ثم دخل المظفر إلى دمشق مؤيدًا منصورا، فأحبه الخلق غاية المحبة، وقال بعض الشعراء في ذلك:
هلك الكفر في الشام جميعا ... واستجد الإسلام بعد دحوضه (2)
بالمليك المظفر الملك الأر ... وع سيف الإسلام عند نهوضه (3)
وقال الإمام أبو شامة رحمه الله في ذلك شعرًا:
غلب التتار على البلاد فجاءهم ... من مصر تركي يجود بنفسه
بالشام أهلكهم وبدد شملهم ... ولكل شيء آفة من جنسه
وساق بيبرس وراء التتار إلى حلب، وطردهم عن البلاد، ووعده السلطان بحلب، ثم رجع عن ذلك، فتأثر بيبرس ووقعت الوحشة بينهما، فأضمر كل لصاحبه الشر، فاتفق بيبرس مع جماعة من الأمراء على قتل المظفر، فقتلوه في الطريق في سادس عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين بين العرابي والصالحية، وتسلطن بيبرس، ولقب بالملك القاهر، ودخل مصر وأزال عن أهلها ما كان المظفر أحدثه عليهم من المظالم، وأشار عليه الوزير زين الدين أن يغير هذا اللقب، وقال: ما تلقب به أحد فأفلح؛ فأبطل السلطان هذا اللقب، وتلقب بالملك الظاهر.
_________
(1) الشاويش، أو الجاويش: لفظ تركي، وكان من وظيفة الجاوشية أيام المماليك السير أمام السلطان في مراكبه.
(2) النجوم الزاهرة 7: 82.
(3) في الأصول: "دحوضه"، تحريف.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق