595
حسْن المُحاضرة في تاريخ مصْر والقاهرَة
ذكر أمراء مصر من حين ملكها بنو أيوب إلى أن اتخذها الخلفاء العباسيون دار الخلافة
بدمياط، وكان معظمًا للسنة وأهلها، قال الذهبي: وكانت له إجازة من السلفي، وخرج له أبو القاسم بن الصفراوي أربعين حديثًا سمعها من جماعة.
وقال ابن خلِّكان: اتسعت المملكة للملك الكامل، حتى قال خطيب مكة مرة عند الدعاء له: سلطان مكة وعبيدها، واليمن وزبيدها، ومصر وصعيدها، والشام وصناديدها، والجزيرة ووليدها، سلطان القبلتين، ورب العلامتين، وخادم الحرمين الشريفين، الملك الكامل أبو المعالي ناصر الدين محمد خليل أمير المؤمنين.
وكانت وفاته بدمشق يوم الأربعاء حادي عشري رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة.
وأقيم بعده ولده الملك العادل أبو بكر، وكان نائب أبيه بمصر مدة غيبته، فبلغ ذلك أخاه الأكبر الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل صاحب حصن كيفا،
فقدم، وبرز العادل إلى بلبيس قاصدًا للقتال، فاختلفت عليه الأمراء، فقيدوه، واعتقلوه، وأرسلوا إلى الصالح أيوب فوصل إليهم، فملكوه، وذلك في صفر سنة سبع وثلاثين. فأقام في الملك عشر سنين إلا أربعة أشهر. وكان مهيبًا جدًّا، دبر المملكة على أحسن وجه، وبنى المدارس الأربعة بين القصرين، وعمر قلعة بالروضة، واشترى ألف مملوك وأسكنهم بها، وسماهم البحرية، وهو الذي أكثر من شراء الترك وعتقهم وتأميرهم، ولم يكن ذلك قبله، فقام الشيخ عز الدين بن عبد السلام القومة الكبرى في بيع أولئك الأمراء، وصرف ثمنهم في مصالح المسلمين، وقال بعض الشعراء:
الصالح المرتضى أيوب أكثر من ... ترك بدولته، يا شر مجاوب!
قد آخذ الله أيوبًا بفعلته ... فالناس كلهم في ضر أيوب
ولما تولى الخليفة المستعصم أنفذ الصالح إليه رسوله، يطلب تقليدًا بمصر والشام، فجاءه التشريف والطوق الذهب والمركوب، فلبس التشريف الأسود والعمامة والجبة، وركب الفرس، وكان يوما مشهودا.
فلما كان سنة سبع وأربعين، هجمت الفرنج على دمياط، فهرب من كان فيها، واستحوذوا عليها، والملك الصالح مقيم بالمنصورة لقتالهم، فأدركه أجله ومرض ومات بها ليلة النصف من شعبان. فأخفت جاريته شجر الدر موته، وبقيت تعلم بعلامته سواه، وأعلمت أعيان الأمراء، فأرسلوا إلى ابنه الملك المعظم تورانشاه وهو بحصن كيفا، فقدم في ذي القعدة، وملكوه، فركب في عصائب الملك، وقاتل الفرنج وكسرهم، وقتل منهم ثلاثين ألفا ولله الحمد.
وكان في عسكر المسلمين الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وكانت النصرة أولا للفرنج، وقويت الريح على المسلمين، فقال الشيخ عز الدين بأعلى صوته مشيرًا بيده إلى الريح: يا ريح خذيهم، عدة مرار، فعادت الريح على مراكب الفرنج فكسرتها، وكان الفتح، وغرق أكثر الفرنج، وصرخ من المسلمين صارخ: الحمد لله الذي أرانا في أمة محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رجلًا سخر له الريح، وكان ذلك في يوم الأربعاء ثالث المحرم. وأسر الفرنسيس ملك الفرنج، وحبس مقيدًا بدار
ابن لقمان، ووكل بحفظه طواشي يقال له: صبيح. ثم نفرت قلوب العسكر من المعظم لكونه قرب مماليكه، وأبعد مماليك أبيه، فقتلوه في يوم الاثنين سابع عشر المحرم وداسوه بأرجلهم، وكانت مملكته شهرين.
قال ابن كثير وقد رئي أبوه الصالح في النوم بعد قتل ابنه، وهو يقول:
قتلوه شر قِتْلَهْ ... صار للعالم مثله
لم يراعوا فيه إلا ... لا ولا من كان قبله
ستراهم عن قريب ... لأقل الناس أكله
فكان كذلك، وقع بعد ذلك قتال بين المصريين والشاميين، وعدم من المصريين طائفة كثيرة (1) .
واتفقوا بعد قتل المعظم على تولية شجر (2) الدر أم خليل جارية الملك الصالح، فملكوها، وخطب لها على المنابر، فكان الخطباء يقولون بعد الدعاء للخليفة: واحفظ اللهم الجهة الصالحة ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين، أم خليل المستعصمية، صاحبة السلطان الملك الصالح. ونقش اسمها على الدينار والدرهم، وكانت تعلم على المناشير وتكتب: والدة خليل. ولم يل مصر في الإسلام امرأة قبلها.
ولما توليت تكلم الشيخ عز الدين بن عبد السلام في بعض تصانيفه على ما إذا ابتلي المسلمون بولاية امرأة، وأرسل الخليفة المستعصم يعاتبُ أهل مصر في ذلك ويقول: إن كان ما بقي عندكم رجل تولونه، فقولوا لنا نرسل إليكم رجلًا.
ثم اتفقت شجر الدر والأمراء على إطلاق الفرنسيس، بشرط أن يردوا دمياط إلى المسلمين، ويعطوا ثمانمائة ألف دينار عوضًا عما كان بدمياط من الحواصل، ويطلقوا أسراء المسلمين. فأطلق على هذا الشرط، فلما سار إلى بلاده أخذ في
الاستعداد والعود إلى دمياط، فندمت الأمراء على إطلاقه؛ وقال الصاحب جمال بن مطروح وكتب بها إليه:
_________
(1) البداية والنهاية 13: 180، قال في آخر الخبر: "فمنهم الشمس لؤلؤ مدير ممالك الحلبيين، وكان من خيار عباد الله الصالحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر".
(2) كذا ورد اسمها في الأصل، وهو الصواب، وفي ح، ط: "شجرة الدر".
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق