580
حسْن المُحاضرة في تاريخ مصْر والقاهرَة
ذكر أمراء مصر من حين ملكها بنو أيوب إلى أن اتخذها الخلفاء العباسيون دار الخلافة
لا أرب الجسوم، واتخذ منها، وهي السم دواء وقد تتخذ الأدوية من السموم.
وما الاغتباط بما يختلف على تلاشيه المساء والصباح، وهو كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض، فأصبح هشيما تذروه الرياح.
والله يعصم أمير المؤمنين وولاة أمره من تبعاتها التي لابستهم ولابسوها، وأحصاها الله ونسوها، ولك أنت من الله هذا الدعاء حظ على قدر محلك من العناية التي حدثت بصنعك، ومحلك من الولاية التي بسطت من ذرعك.
فخذ هذا الأمر الذي تقلدته أخذ من لم يتعقبه بالنسيان، وكن في رعايته ممن إذا نامت عيناه كان قلبه يقظان؛ وملاكُ ذلك كله في إسباغ العدل الذي جعله الله ثالث الحديث والكتاب، وأغنى بثوابه وحده عن أعمال الثواب؛ وقدر يوما منه بعبادة ستين عاما في الحساب، ولم يأمر به آمر إلا زيد قوة في أمره، وتحصن به من عدوه ومن دهره. ثم يجاء به يوم القيامة وفي يداه كتاب أمان، ويجلس على منبر من نور عن يمين الرحمن؛ ومع هذا فإن مركبه صعب لا يستوي على ظهره إلا من أمسك عنان نفسه قبل إمساك عنانه، وغلبت لمة ملكه على لمة شيطانه. ومن آكد فروضه أن تمحى السير السيئة التي طالت مدد أيامها، ويئس الرعايا من رفع ظلاماتها فلم يجعلوا أمدًا لانحسار ظلامها؛ تلك السير هي المكوس التي أنشأتها الهمم الحقيرة، ولا غنى للأيدي الغنية إذا كانت ذا نفوس فقيرة؛ وكلما زيدت الأموال الحاصلة منها قدراً، زادها الله محقا؛ وقد استمرت عليها العوائد حتى ألحقها الظالمون بالحقوق الموجبة فسموها حقًّا، ولو أن صاحبها أعظم الناس جرما لما أغلظ في عقابه، ومثلت توبة المرأة الغامدية بمتابه؛ وهي أشقى ممن يكون السواد الأعظم له خصما، ويصبح وهو مطالب بما يعلم وبما لم يحط به علما؛ وأنت مأمور بأن تأبى هذه الظلامات فتنهي عن إجرائها، وتلحق أسماءها في المحو بإهمالها؛ حتى لا يبقى لها في العيان صورة منظورة، ولا في الألسنة أحاديث مذكورة.
وإذا فعلت ذلك كنت أزلت عن الماضي سنة سوء سنتها يداه، وعن الآتي متابعة ظلم وجده طريقا مسلوكا فجرى على ما بداه، فبادر إلى ما أمرت به مبادرة من يضيق به ذرعًا، ونظر إلى الحياة الدنيا بعينها، فرآها في الآخرة متاعًا. واحمد الله على أن قيض لك إمام هدى يقف بك على هداك، ويأخذ بحجزتك عن خطوات الشيطان الذي هو أعدى عداك؛ وهذه البلاد المنوطة بنظرك تشتمل على أطراف متباعدة، وتفتقر في سياستها إلى أيد متساعدة؛ ولهذا يكثر بها قضاة الأحكام، وأولو تدابيرات السيوف والأقلام؛ وكل من هؤلاء ينبغي أن يفتن على نار الاختبار، ويسلط عليه شاهد عدل من أمانة الدرهم والدينار، فما أضل الناس شيء كحب المال الذي فورقت من أجله الأديان، وهجرت بسببه الأولاد والإخوان؛ وكثيرا ما يرى الرجل الصائم القائم، وهو عابد له عبادة الأوثان؛ فإذا
استعنت بأحد منهم على شيء من أمرك، فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدأ حاله فإن الأحوال تنقل بنقل الأجساد. وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب بالربيع بن زياد.
وكذلك نأمر هؤلاء على اختلاف طبقاتهم بأن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر محاسبين؛ ويعلموا أن ذلك من دأب حزب الله الذين جعلهم الغالبين، وليبدءوا أولًا بأنفسهم فيعدلوا عن هواها، ويأمروها بما يأمرون به سواها، ولا يكونوا ممن هدي إلى طريق البر وهو عنها حائد، وانتصب لطب المرضى وهو محتاج إلى طبيب وعائد؛ فما تنزل بركات السماء إلا على من خاف مقام ربه، وألزم التقوى أعمال يده ولسانه وقلبه؛ فإذا صلحت الولاة صلحت الرعية بصلاحهم؛ وهو لهم بمنزلة المصابيح ولا يستضيء كل قوم إلا بمصباحهم. ومما يؤمرون به أن يكونوا لمن تحت أيديهم إخوانا في الأصحاب، وجيرانا في الاقتراب، وأعوانا في توزع الحمل الذي يثقل على الرقاب؛ فالمسلم أخو المسلم وإن كان عليه أميرًا، وأولى الناس باستعمال الرفق من كان فضل الله
عليه كثيرًا؛ وليست الولاية لمن يستجد بها كثرة اللفيف، ويتولاها بالوطء العنيف؛ ولكنها لمن يمال عن جوانبه، ويؤكل من أطايبه، ولمن إذا غضب لم ير للغضب عنده أثر، وإذا ألحف في سؤاله تخلق بخلق الضجر، وإذا حضر الخصوم بين يديه عدل بينهم في قسمة القول والنظر؛ فذلك الذي يكون لصاحبه في أصحاب اليمين، والذي يدعى بالحفيظ العليم والقوي الأمين.
ومن سعادة المرء أن تكون ولاته متأدبين بآدابه، وجارين على نهج صوابه؛ وإذا تطايرت الكتب يوم القيامة كانوا حسنات مثبتة في كتابه.
وبعد هذه الوصية، فإن ههنا حسنة هي للحسنات كالأم الولود؛ ولطالما أغنت عن صاحبها إغناء الجود، وتيقظت لنصره والعيون رقود؛ وهي التي تسبغ لها الآلاء، ولا يتخطاها البلاء، ولأمير المؤمنين عناية تبعثها الرحمة الموضوعة في قلبه، والرغبة في المغفرة والرحمة لما تقدم وتأخر من ذنبه. وتلك هي الصدقة التي فضل الله بعض عباده بمزية إفضالها، وجعلها سببا إلى التعويض عنها بعشر أمثالها؛ وهو يأمرك أن تفقد أحوال الفقراء الذين قدرت عليهم مادة الأرزاق،
وألبسهم التعفف ثوب الغنى وهم في ضيق من الإملاق؛ فأولئك أولياء الله الذين مستهم الضراء فصبروا، وكثرت الدنيا في يد غيرهم فما نظروا إليها إذا نظروا. وينبغي لك أن تهيئ لهم من أمرهم مرفقًا، وتضرب بينهم وبين الفقر موبقا.
وما أطلنا لك القول في هذه الوصية إلا إعلاما بأنها من المهم الذي يستقبل ولا يستدبر، ويستكثر منه ولا يستكبر؛ وهذا يعد من جهاد النفس في بذل المال، ويتلوه جهاد الكافر في مواقف القتال؛ وأمير المؤمنين يعرفك من ثوابه ما يجعل السيف في ملازمته أخا، وتسخو له بنفسك إن كان أحد بنفسه سخا. ومن صفاته أن العمل المحبوب بفضل الكرامة، الذي ينمو أجره بعد صاحبه إلى يوم القيامة، وبه يمتحن طاعة
الخالق على المخلوق، وكل الأعمال عاطلة لا خلوق لها وهي المختص دونها بزينة الخلوق، ولولا فضله لما كان محسوباً بشطر الإيمان؛ ولما جعل الله الجنة له ثمنا وليست لغيره من الأثمان، وقد علمت أن العدو هو جارك الأدنى؛ والذي يبلغك وتبلغه عينًا وأذنا، ولا تكون للإسلام نعم الجار؛ حتى تكون له بئس الجار. ولا عذر لك في ترك جهاده بنفسك، ومالك إذا قامت لغيرك الأعذار. وأمير المؤمنين لا يرضى منك بأن تلقاء مصافحًا، أو تطرق أرضه مماسيًا أو مصابحا، بل يريد أن تقصد البلاد التي في يد قصد المستغير لا قصد المغير، وأن تحكم فيها بحكم الله الذي قضاه على لسان سعد في بني قريظة والنضير، وعلى الخصوص البيت المقدس، فإنه بلاد الإسلام القديم، وأخو البيت الحرام في رف التعظيم، والذي توجهت إليه الوجوه من قبل بالسجود والتسليم. وقد أصبح وهو يشكو طول المدة في أسر ربته، وأصبحت كلمة التوحيد وهي تشكو طول الوحشة في غربتها عنه وغربته. فانهض إليه نهضة متوغل في فرحه، وتبدل صعب قياده بسمحه؛ وإن كان له عام حديبية فاتبعه بعام فتحه. وهذه الاستزادة بعد سداد ما في اليد من ثغر كان مهملًا فحميت موارده، أو مستهدمًا فرفعت قواعده، ومن أهمها ما كان حاضر البحر كأنه أعمه عورته مكشوفة، وخطة مخوفة، والعدو قريب منه على بعده. وكثيرا ما يأتيه فجاءة حتى يشق برقه برعده؛ فينبغي أن ترتب بهذه الثغور رابطة يكثر شجعانها، ويقل أقرانها، ويكون قتالا لأن تكون كلمة الله هي العليا لا لأن يرى مكانها، وحينئذ يصبح كل منها وله من الرجال أسوار، ويعلم أهله أن بناء السيف أمنع من بناء الأحجار؛ ومع
هذا فلا بد له من أسطول يكثر عدده، ويقوي مدده، فإنه العمدة التي يستعين بها كشف العماء، والاستكثار من سبايا العبيد والإماء، وجيشه أخو الجيش السليماني، فذاك يسري على متن الريح وهذا يجري على متن الماء.
ومن صفات خيله أنها جمعت بين العوم والمطار، وتساوت أقدار خلقها على اختلاف
مدة الأعمار، فإذا أشرعت قيل: جبال متلفعة بقطع من الغيوم، وإذا نظر إلى أشكالها قيل: أهلة غير أنها تهتدي في مسيرها بالنجوم، ومثل هذه الخيل ينبغي أن يغالي من جيادها، ويستكثر من قيادها، وليؤمر عليها أمير يلقى البحر بمثله من سعة صدره، ويسلك طرقه سلوك من لم تقتله بجهلها، ولكن قتلها بخبره؛ وكذلك فليكن ممن أفنت الأيام تجاربه، وزحمتها مناكبه، وممن بذل الصعب إذا هو ساسه وإن سيس؛ لأن جانبه، وهذا هو الرجل الذي يرأس على القوم فلا يجد هذه بالرياسة، فأن كان في الساقة ففي الساقة أو كان في الحراسة ففي الحراسة. ولقد أفلحت عصابة اعتصمت من ورائه، وأيقنت بالنصر من رايته كما أيقنت بالنجح من رأيه.
واعلم أنه قد أخل من الجهاد بركن يقدح في علمه، وهو تمامه الذي يأتي في آخره كما أن صدق النية تأتي في أوله؛ وذلك هو قسم الغنائم فإن الأيدي قد تناوله بالإجحاف، وخلطت جهادها فيه بفلولها فلم ترجع بالكفاف. والله قد جعل الظلم في تعدي حدوده المحدودة، وجعل الاستئثار بالمغنم من أشراط الساعة الموعودة؛ ونحن نعوذ به أن يكون زماننا هذا شر زمان وناسه شر ناس، ولم يستخلفنا على حفظ أركان دينه، ثم نهمله إهمال مضيع ولا إهمال ناس.
والذي نأمرك به أن تجري هذا الأمر على المنصوص من حكمه، وتبرئ ذمتك مما يكون غيرك الفائز بفوائده وأنت المطالب بإثمه، وفي أرزاق المجاهدين بالديار المصرية، والشامية ما يغنيهم عن هذه الأكلة التي تكون غدًا نكالا وجحيما، وطعامًا ذا غصة وعذابا أليمًا.
فتصفح ما سطرناه لك من هذه الأساطير التي هي عزائم مبرمات، بل آيات محكمات، وتحبب إلى الله وإلى أمير المؤمنين باقتفاء كتابها، وابن لك بها مجدًا يبقى في
عقبك إذا أصيبت البيوت في أعقابها؛ وهذا الذي ينطق عليك بأنه لم يأل في الوصايا التي أوصاها، فإنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
ثم إنه قد ختم بدعوات دعا بها أمير المؤمنين عند ختامه، وسأل فيها خيرة الله التي تتنزل من كل أمر منزلة نظامه. ثم قال: إني أشهدك على من قلدته شهادة تكون عليه رقيبة وله حسيبة، فإني لم آمره إلا بأوامر الحق التي فيها موعظة وذكرى، ولمن تبعها هدى ورحمة وبشرى، وإذا أخذ بها فلج بحجته يومًا يسأل فيه عن الحجج، ولم يختلج دون رسوله على الحوض في جملة من يختلج، وقيل له: لا حرج عليك ولا إثم إذ نجوت من ورطات الإثم والحرج. والسلام.
قال الفقيه عمارة اليمني يرثي العاضد -وكان من خواصهم:
يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة ... لك الملامة إن قصرت في عذلي
بالله زر ساحة القصرين وابك معي ... عليهما لا على صفين والجمل
وقال بعض الشعراء يمدح بني أيوب على ما فعلوه:
ألستم مزيلي دولة الكفر من بني ... عبيد بمصر، إن هذا هو الفضل (1)
زنادقة شيعية باطنية ... مجوس وما في الصالحين لهم أصل
يسرون كفرا، يظهرون تشيعًا ... ليستروا شيئًا، وعمهم الجهل
قال حسان عرقلة (2) :
أصبح الملك بعد آل عبيد (3) ... مشرفًا بالملوك من آل شاذي
وغدا الشرق يحسد الغرب للقو ... م ومصر تزهو على بغداذ
ما حووها إلا بعزم وحزم ... وصليل الفؤاد في الفولاذ
لا كفرعون والعزيز ومن كا ... ن بها كالخطيب والأستاذ
_________
(1) كتاب الروضتين 1: 202.
(2) كتاب الروضتين 1: 200.
(3) في الروضتين: "آل علي"، وقال: "يعني بذلك بني عبيد المستخلفين".
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق