578
حسْن المُحاضرة في تاريخ مصْر والقاهرَة
ذكر أمراء مصر من حين ملكها بنو أيوب إلى أن اتخذها الخلفاء العباسيون دار الخلافة
فإنه يأخذ في إنشاء هذا التقليد الذي جعله حليفاً لقرطاسه، واستدام سجوده على صفحته حتى لم يكد يرفع من رأسه؛ وليس ذلك إلا قاضية في وصف المناقب التي كثرت فحسن لها مقام الإكثار، واشتبه التطويل فيها بالاختصار، وهي التي لا يفتقر واضعها إلى القول المعاد، ولم يستوعر سلوك أطوادها؛ ومن العجب وجود السهل في سلوك الأطواد.
وتلك هي مناقبك أيها الملك الناصر السيد الأجل الكبير، العالم العادل المجاهد المرابط صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب.
والديوان العزيز يتلوها عليك تحدثاً بشكرك، ويباهي أولياءه تنويهًا بذكرك، ويقول: أنت الذي نستكفي فتكون للدولة سهمها الصائب، وشهابها الثاقب، وكنزها الذي تذهب الكنوز وليس بذاهب. وما ضرها وقد حضرت في نصرتها إذا كان غيرك هو الغالب؛ فاشكر إذًا مساعيك التي أهلتك، وفضلتك على الأولياء بما فضلتك. ولئن شوركت في الولاء بعقيدة الإضمار، فلم تشارك في عزمك الذي انتصر للدولة فكان له بسطة الانتصار. وفرق بين من أمد بقلبه وبين من أمد بيده في درجات الإمداد، وما جعل الله القاعد كالذي قال: لو أمرتنا لضربنا أكبادها إلى برك الغماد.
وقد كفاك من المساعي أنك كفيت الخلافة أمر منازعيها، وطمست على الدعوة الكاذبة التي كانت تدعيها. ولقد مضى عليها زمن، ومحراب حقها محفوف من الباطل بمحرابين، ورأت ما رآه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من السوارين اللذين أولهما كذابين؛ فبمصر منهما واحد تجري أنهارها من تحته؛ ودعا الناس إلى عبادة طاغوته وجبته، ولعب بالدين حتى لم يدر يوم جمعته من يوم أحده ولا سبته.
وأعانه على ذلك قوم رمى الله بصائرهم بالعمى والصمم، واتخذوه صنمًا ولم تكن الضلالة هناك إلا بعجل أو صنم؛ فقمت أنت في وجه باطله حتى قعد،
وجعلت في جيده
حبلاً من مسد؛ وقلت ليده: تبت، فأصبح ولا يسعى بقدم ولا يبطش بيد. وكذلك فعلت بالآخر الذي نجمت باليمن ناجمته، وسامت فيه سائمته؛ فوضع بيته موضع (1) الكعبة اليمانية، وقال: هذا هو الخلصة الثانية. فأي مقامك يعترف الإسلام بسبقه، أم أيهما يقوم بأداء حقه.
وها هنا فليصبح القلم للسيف من الحساد، وليقصر مكانته عن مكانته وقد كان له من الأنداد، ولم يحط بهذه المزية إلا أنه أصبح لك صاحبا، وفخر بك حتى طال فخرا كما عز جانبًا، وقضى بولايتك فكان بها قاضيا، لما كان حده ماضيًا.
وقد قلدك أمير المؤمنين البلاد المصرية واليمنية غورًا ونجدًا، وما اشتملت عليه رعية وجندا، وما انتهت إليه أطرافها برًّا وبحرا، وما يستنقذ من مجاوريها مسالمة وقهرا. وأضاف إليها بلاد الشام وما تحتوي عليه من المدن الممدنة، والمراكز المحصنة مستثنيا منها ما هو بيد نور الدين إسماعيل بن نور الدين محمود -رحمه الله وهو حلب وأعمالها؛ فقد مضى أبوه عن آثار في الإسلام ترفع ذكره في الذاكرين، وتخلفه في عقبه في الغابرين، وولده هذا قد هذبته الفطرة في القول والعمل، وليست هذه الربوة إلا من ذلك الجبل؛ فليكن له منك جار يدنو منه ودادًا كما دنا أرضا، وتصبح وهو له كالبنيان يشد بعضه بعضا؛ والذي قدمناه من الثناء عليك ربما تجاوزتك درجة الاقتصاد، وألقتك عن فضيلة الازدياد. فإياك أن تنظر إلى سعيك نظر الإعجاب، فتقول: هذه بلادنا افتتحتها بعد أن أضرب عنها كثير من الأضراب. ولكن أعلم أن الأرض لله ولرسوله، ثم لخليفته من بعده، ولا منة للعبد بإسلامه، بل المنة لله بهداية عبده. وكم سلف قبلك ممن لو رام ما رمته لدنا شاسعه وأجاب مانعه؛ لكن ذخره الله لك لتحظى في الآخرة بمفازه، وفي الدنيا برقم طرازه. فألق بيدك عند هذا القول إلقاء
_________
(1) ح: "بموضع".
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق