إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 6 نوفمبر 2014

569 حسْن المُحاضرة في تاريخ مصْر والقاهرَة ذكر أمراء مصر من بني عبيد



569


حسْن المُحاضرة في تاريخ مصْر والقاهرَة

ذكر أمراء مصر من بني عبيد


الشام، لينزعوا مصر منه، وضعف جيش المعز عن مقاومتهم. فراسل حسان، ووعده بمائة ألف دينار، إن هو خذَّل بين الناس، فأرسل إليه: أن ابعث إليّ بما التزمت، وتعال بمن معك، فإذا التقينا انهزمت بمن معي. فأرسل إليه المعز مائة ألف دينار في أكياس أكثرها زغل ضرب النحاس، ولبسه الذهب، وجعله في أسفل الأكياس ووضع في رءوس الأكياس الدنانير الخالصة، وركب في أثرها بجيشه، فالتقى الناس، فلما نشبت الحرب بينهم، انهزم حسان بالعرب، فضعف جانب القرمطي، وقوي عليه المعز فكسره، واستمر المعز بالقاهرة إلى أن مات في ربيع الآخر سنة خمس وستين. وكان منجمه قال له في السنة التي قبلها: إن عليك قطعًا في هذه السنة فتوار عن وجه الأرض حتى تنقضي هذه المدة، فعمل له سردابًا، ودعا الأمراء وأوصاهم بولده نزار، ولقبه العزيز، وفوض إليه الأمر حتى يعود، فبايعوه على ذلك، ودخل ذلك السرداب، فتوارى فيه سنة، فكانت المغاربة إذا رأى الفارس منهم سحابًا ساريًا ترجل عن فرسه، وأومى إليه بالسلام، ظانين أن المعز في ذلك الغمام. ثم برز إلى الناس بعد مضي سنة، وجلس للحكم على عادته، فعاجله الله في هذه السنة. وولي بعده ابنه العزيز أبو منصور نزار، فأقام إلى أن مات سنة ست وثمانين.
ومن غرائبه أنه استوزر رجلًا نصرانيًّا يقال له عيسى بن نسطورس، وآخر يهوديًّا اسمه ميشا، فعز بسببهما اليهود والنصارى على المسلمين في ذلك الزمان، حتى كتبت إليه امرأة في قصة في حاجة لها تقول: بالذي أعز النصارى بعيسى بن نسطورس، واليهود بميشا، وأذل المسلمين بك؛ لما كشفت عن ظلامتي! فعند ذلك أمر بالقبض على هذين، وأخذ من النصراني ثلاثمائة ألف دينار، وولي بعده ابنه الحاكم، فكان شر الخليقة، لم يل مصر بعد فرعون شر منه؛ رام أن يدعي الإلهية كما ادعاها فرعون، فأمر الرعية إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوموا على أقدامهم صفوفًا إعظامًا لذكره، واحترامًا

لاسمه؛ فكان يفعل ذلك في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين. وكان أهل مصر على الخصوص إذا قاموا خروا سجدًا؛ حتى إنه يسجد بسجودهم في الأسواق الرعاع وغيرهم. وكان جبارًا عنيدًا، وشيطانًا مريدًا، كثير التلون في أقواله وأفعاله، هدم كنائس مصر ثم أعادها، وخرب قمامة ثم أعادها، ولم يعهد في ملة الإسلام بناء كنيسة في بلد الإسلام قبله ولا بعده إلا ما سنذكره.
وقد نقل السبكي الإجماع على أن الكنيسة إذا هدمت ولو بغير وجه لا تجوز إعادتها.
ومن قبائح الحاكم أنه ابتنى المدارس، وجعل فيها الفقهاء والمشايخ، ثم قتلهم وخربها، وألزم الناس بإغلاق الأسواق نهارًا وفتحها ليلًا؛ فامتثلوا ذلك دهرًا طويلًا حتى اجتاز مرة بشيخ يعمل النجارة في أثناء النهار، فوقف عليه، وقال: ألم ننهكم عن هذا! فقال: يا سيدي، أما كان الناس يسهرون لما كانوا يتعيشون بالنهار! فهذا من جملة السهر. فتبسم وتركه، وأعاد الناس إلى أمرهم الأول. وكان يعمل الحسبة بنفسه يدور في الأسواق على حمار له، وكان لا يركب إلا حمارًا، فمن وجده قد غش في معيشته أمر عبدًا أسود معه يقال له مسعود أن يفعل به الفاحشة العظمى، وكان منع النساء من الخروج من منازلهن، وأن يطلعن من الطاقات أو الأسطحة، ومنع الخفافين من عمل الأخفاف لهن، ومنعهن من دخول الحمامات، وقتل خلقًا من النساء على مخالفته في ذلك، وهدم بعض الحمامات عليهن، ومنع من طبخ الملوخيا. وله رعونات كثيرة لا تنضبط، فأبغضه الخلق، وكتبوا له الأوراق بالشتم له ولأسلافه في صورة قصص، حتى عملوا صورة امرأة من ورق بخفها وإزارها، وفي يدها قصة فيها من الشتم شيء كثير، فلما رآها ظنها امرأة، فذهب من ناحيتها وأخذ القصة من يدها، فلما رأى ما فيها غضب، وأمر بقتلها؛ فلما تحققها من ورق، ازداد غضبًا إلى غضبه، وأمر العبيد من السود أن

يحرقوا مصر وينهبوا ما فيها من الأموال والحريم، ففعلوا، وقاتلهم أهل مصر قتالًا عظيمًا ثلاثة أيام، والنار تعمل في الدور والحريم. واجتمع الناس في الجوامع، ورفعوا المصاحف، وجأروا إلى الله واستغاثوا به، وما انجلى الحال حتى احترق من مصر نحو ثلثها، ونهب نحو نصفها، وسبي حريم كثير وفعل بهن الفواحش. واشترى الرجال من سبي لهم من النساء والحريم من أيدي العبيد.
قال ابن الجوزي: ثم زاد ظلم الحاكم، وعنّ له أن يدعي الربوبية، فصار قوم من الجهال إذا رأوه يقولون: يا واحد، يا أحد، يا محيي يا مميت! قلت: كان في عصرنا أمير يقال له أزدمر الطويل، اعتقاده قريب من اعتقاد الحاكم هذا، وكان يروم أن يتولى المملكة، فلو قدر الله له بذلك فعل نحو ما فعله الحاكم وقد أطلعني على ما في ضميره، وطلب مني أن أكون معه على هذا الاعتقاد في الباطن إلى أن يؤول إلى السلطنة، فيقوم في الخلق بالسيف حتى يوافقوه على اعتقاده. فضقت بذلك ذرعًا، وما زلت أتضرع إلى الله تعالى في هلاكه، وألا يوليه على المسلمين، واستغاث بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأسأل فيه أرباب الأحوال حتى قتله الله فلله الحمد على ذلك! ثم كان من أمر الحاكم أن تعدى شره إلى أخته يتهمها بالفاحشة، ويسمعها أغلظ الكلام، فعملت على قتله، فركب ليلة إلى جبل المقطم ينظر في النجوم، فأتاه عبدان فقتلاه، وحملاه إلى أخته ليلًا فدفنته في دارها، وذلك سنة إحدى عشرة وأربعمائة.
وولي بعده ابنه أبو الحسن علي، ولقب الظاهر لإعزاز دين الله فأقام إلى أن توفي في سبع وعشرين وأربعمائة، وكانت سيرته جيدة. وولي بعده ابنه أبو تميم معدّ، ولُقب المستنصر، وعمره سبع سنين، فطالت مدته جدا

فإنه أقام ستين سنة، ولم يقم هذه المدة خليفة ولا ملك في الإسلام قبله ولا بعده، وكانت وفاته سنة سبع وثمانين وأربعمائة.
وولي بعده ابنه أبو القاسم أحمد، ولقب المستعلي، فأقام إلى أن توفي في ذي الحجة سنة خمس وتسعين وأربعمائة.
وولي بعده ابنه أبو علي منصور، ولقب الآمر بأحكام الله. قال ابن ميسر في تاريخه: ولما توفي المستعلي أحضر الأفضل أبا علي، وبايعه بالخلافة، ونصبه مكان أبيه، ولقبه بالآمر بأحكام الله، وكان له من العمر خمس سنين وشهر وأيام، فكتب ابن الصيرفي (1) الكاتب السجل بانتقال المستعلي وولاية الأمر، وقرئ على رءوس كافة الأجناد والأمراء، وأوله:
من عبد الله ووليه أبي علي الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين بن الإمام المستعلي بالله، إلى كافة أولياء الدولة وأمرائها وقوادها وأجنادها ورعاياها، شريفهم ومشروفهم، وآمرهم ومأمورهم، مغربيهم ومشرقيهم، أحمرهم وأسودهم، كبيرهم وصغيرهم؛ بارك الله فيهم. سلام عليكم فإن أمير المؤمنين يحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، يسأله أن يصلي على جده محمد خاتم النبيين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين الأئمة المهديين، وسلم تسليمًا، أما بعد، فالحمد لله المنفرد بالثبات والدوام الباقي على تصرم الليالي والأيام، القاضي على أعمار خلقه بالتقصي والانصرام، الجاعل نقض الأمور معقودًا بكمال الإتمام، جاعل الموت حكمًا يستوي فيه جميع الأنام، ومنهلًا لا يعتصم من ورده كرامة نبي ولا إمام، والقائل معزيًا لنبيه ولكافة أمته: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} ، الذي استرعى الأئمة هذه الأمة، ولم تخل الأرض من أنوارهم لطفًا بعباده ونعمة، وجعلهم مصابيح الشبه إذا غدت داجية مدلهمة، لتضيء للمؤمنين
_________
(1) هو علي بن منجب بن سليمان، المعروف بابن الصيرفي المنشئ المؤرخ، وولي ديوان الإنشاء في أيام الآمر؛ توفي سنة 542. ابن خلكان 1: 367.

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق