233
زاد المعاد في هدي خير العباد ( ابن قيم الجوزية ) الجزء الثاني
فصل
ومنها وَهْمُ مَن زعم أنه لم يُسرِعْ فى وادى مُحَسِّرٍ حين أفاض من جَمْع إلى مِنَى، وأن ذلك إنما هو فعل الأعراب، ومستند هذا الوهم قولُ ابن عباس: إنما كان بدْءُ الإيضَاع من قِبَلِ أهل البادية، كانوا يقِفون حافتى الناس حتى علَّقوا القِعَابَ والعِصِىَّ والجِعَابَ، فإذا أفاضوا، تقعقعت تلك فنفروا بالناس، ولقد رؤى رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وإن ذِفْرَى ناقته لَيَمَسُّ حَارِكَها وهو يقول: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ ؛ عَلَيْكُم السَّكِينَة)). وفى رواية: ((إنَّ البِرَّ لَيْسَ بِايجَافِ الخَيْلِ وَالإبِلِ، فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ))، فَمَا رَأَيْتُها رَافِعَةً يَدَيْهَا حَتَّى أَتَى مِنَى، رواه أبو داود
ولذلك أنكره طاووس والشعبىُّ، قال الشعبى: حدَّثنى أُسامة بن زيد، أنه أفاض مع رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم مِن عرفة، فلم ترفع راحلتُه رِجلها عاديةً حتى بلغ جَمْعاً. قال: وحدثنى الفضلُ بنُ عباس، أنه كان رديفَ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم فى جَمْع، فلم ترفع راحلتُه رجلها عادية حتَّى رمى الجمرة. وقال عطاء: إنما أحدث هؤلاء الإسراع، يُريدون أن يفوتوا الغُبار. ومنشأ هذا الوهم اشتباهُ الإيضاع وقتَ الدفع من عرفة الذى يفعله الأعرابُ وجفاةُ الناس بالإيضاع فى وادى مُحَسِّرٍ، فإن الإيضَاعَ هناك بدعة لم يفعلْه رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، بل نهى عنه، والإيضاعُ فى وادى محسِّر سُـنَّة نقلها عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: جابر، وعلى بن أبى طالب، والعباسُ بن عبد المطلب رضى اللَّه عنهم، وفعله عمرُ بن الخطاب رضى اللَّه عنه، وكان ابن الزبير يُوضِع أشدَّ الإيضاعِ، وفعلته عائشةُ وغيرُهم مِن الصحابة، والقولُ فى هذا قولُ مَن أثبت، لا قولُ مَن نفى. واللَّه أعلم.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق