إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 22 نوفمبر 2014

173 زاد المعاد في هدي خير العباد ( ابن قيم الجوزية ) الجزء الثاني فصل


173

زاد المعاد في هدي خير العباد ( ابن قيم الجوزية ) الجزء الثاني

     فصل


         ثم مضى رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا كان بالأبواءِ ، أهدى له الصَّعبُ بن جَثَّامَةَ عَجُزَ حِمَارٍ وحشىٍّ ، فردَّه عليه ، فقال : (( إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلاَّ أَنَّا حُرُمٌ)). وفى (( الصحيحين )) : (( أنه أهدى له حِماراً وحشياً )) ، وفى لفظ لمسلم: (( لحم حمار وحْشٍ )) .
          وقال الحُميدى : كان سفيانُ يقولُ فى الحديث : أُهْدِىَ لرسولِ الله صلى اللَّه عليه وسلم لحمُ حِمار وحْشٍ ، وربما قال سفيان : يقطُرُ دماً ، وربما لم يقُلْ ذلك، وكان سفيان فيما خلا ربما قال : حِمارَ وحش ، ثم صار إلى لحم حتَّى مات . وفى رواية : شقَّ حِمارِ وحشٍ ، وفى رواية : رِجل حمار وحشٍ .
         وروى يحيى بن سعيد ، عن جعفر ، عن عمرو بن أُميَّة الضَّمْرِى عن أبيه ، عن الصَّعبِ ، أُهدى للنبى صلى الله عليه وسلم عَجُزَ حِمارِ وحْشٍ وهو بالجُحفة ، فأكل منه وأكل القوم . قال البيهقى : وهذا إسناد صحيح . فإن كان محفوظاً ، فكأنه ردَّ الحى ، وقبل اللَّحم .
         وقال الشافعى رحمه اللَّه : فإن كان الصَّعبُ بن جَثَّامة أهدى للنبى صلى الله عليه وسلم الحمارَ حيًّّاً ، فليس للمُحْرِم ذبحُ حمار وحش ، وإن كان أهدى له لحم الحمار ، فقد يحتمِلُ أن يكون علم أنه صِيد له ، فردَّه عليه ، وإيضاحه فى حديث جابر . قال : وحديثُ مالك : أنه أُهدى له حماراً أثبتُ من حديث مَن حدَّث أنه أُهدى له من لحم حمار .
         قلت : أما حديث يحيى بن سعيد ، عن جعفر ، فغلط بلا شك ، فإن الواقعةَ واحدة ، وقد اتفق الرواةُ أنه لم يأكل منه ، إلا هذه الرواية الشاذَّة المنكرة .
                  وأما الاختلافُ فى كون الذى أهداه حيَّا ، أو لحماً ، فرواية مَن روى لحماً أولى لثلاثة أوجه .
         أحدها : أن راويها قد حفظها ، وضبطَ الواقعةَ حتى ضبطها : أنه يقطر دماً ، وهذا يدل على حفظه للقصة حتى لهذا الأمر الذى لا يُؤبه له .
         الثانى : أن هذا صريح فى كونه بعضَ الحِمار ، وأنه لحم منه ، فلا يُناقض قوله : أُهدى له حماراً ، بل يُمكن حمله على رواية مَن روَى لحماً ، تسمية للحم باسم الحيوان ، وهذا مما لا تأباه اللغة .
         الثالث : : أن سائر الروايات متفقة على أنه بعض من أبعاضه ، وإنَّما اختلفوا فى ذلك البعض ، هل هو عجزُه ، أو شِقُّه ، أو رِجله ، أو لحم منه ؟ ولا تناقضَ بين هذه الروايات ، إذ يمكن أن يكون الشِّق هو الذى فيه العَجُز ، وفيه الرِّجل ، فصح التعبيرُ عنه بهذا وهذا ، وقد رجع ابنُ عيينة عن قوله : (( حماراً )) وثبت على قوله : (( لحم حمار )) حتى مات . وهذا يدل على أنه تبيَّن له أنه إنما أُهدى له لحماً لا حيواناً ، ولا تعارض بين هذا وبين أكله لما صاده أبو قتادة ، فإنَّ قصة أبى قتادة كانت عام الحُديبية سنة ست ، وقصة الصَّعب قد ذكر غيرُ واحد أنها كانت فى حَجَّة الوداع ، منهم : المحبُّ الطبرى فى كتاب (( حجة الوداع )) له .  أو فى بعض عُمَره وهذا مما يُنظر فيه . وفى قصة الظبى وحمار يزيد بن كعب السلمى البَهزى ، هل كانت فى حَجَّة الوداع ، أو فى بعض عُمَره واللَّه أعلم ؟ فإن حُمِل حديثُ أبى قتادة على أنه لم يصده لأجله ، وحديث الصَّعب على أنه صيد لأجله ، زال الإشكالُ ، وشهد لذلك حديث جابر المرفوع : (( صَيْدُ البَرِّ لَكُم حَلالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ )) . وإن كان الحديثُ قد أُعِلَّ بأن المطلب ابن حنطب راويه عن جابر لا يُعرف له سماع منه ، قاله النسائى .
         قال الطبرى فى (( حَجة الوداع )) له : فلما كان فى بعض الطريق ، اصطاد أبو قتادة حماراً وحشياً ، ولم يكن مُحرماً ، فأحلَّه النبى صلى الله عليه وسلم لأصحابه بعد أن سألهم : هل أمره أحد منكم بشئ ، أو أشار إليه ؟ وهذا وهم منه رحمه اللَّه ، فإن قِصة أبى قتادة إنما كانت عام الحُديبية ، هكذا روى فى (( الصحيحين )) من حديث عبد اللَّه ابنه عنه قال : انطلقنا مع النبىِّ صلى الله عليه وسلم عامَ الحُديبية ، فأحرم أصحابُه ولم أحرِم ، فذكر قِصة الحمار الوحشى .
        

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق