إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 8 أغسطس 2014

96 موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري المجلد الأول: الإطـار النظــرى الجزء الثالث: الحلول الكمونية الوحدانية الباب الأول: الحلولية ووحدة الوجـود والكمونية الفيضيـــة


96

موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية

للدكتور عبد الوهاب المسيري

المجلد الأول: الإطـار النظــرى
 
الجزء الثالث: الحلول الكمونية الوحدانية

الباب الأول: الحلولية ووحدة الوجـود والكمونية

الفيضيـــة

«الفيضـية» تقابلها في الإنجليزية كلمـة «إمانتيزم emanatism»، وهي من الكلمة الإنجليزية «إمانيشن emanation»، ولذا تأتي الكلمة على النحـو التالي: «إمانيشانزم emanationism»، وهي شـكل من أشـكال القول بوحدة الوجود. ويُعتبر هرقليطس الفيلسوف المادي اليوناني أول من عبَّر عن نظرية الفيض بقوله: "كل الأشياء تفيض". وقد قال الأفلاطونيون المحدثون إن علاقة المُثُل (الأفلاطونية) بعالم الموجودات الحسية ليست علاقة خلق وإنما علاقة فيض، إذ يفيض الإلـه عن ذاته فيظهر العالم أو ينبثق عنه العالم، فالفيض يحدث كما تسـيل المياه أو كما يصدر النور عن الشمـس. ومهما كانت الصورة المُستخدَمة، فإن الفيضان أو الانبثاق لا يَنتُج عنهما تَغيُّر في المصدر، وعملية الفيضان والانبثاق تفترض وجود طرف أعلى وطرف أسفل وقمة وحضيض (ثنائية صلبة) ولكنهما ليسا منفصلين، فالإله هو النفس الكلية التي فاضت عنها نفوس الكواكب ونفوس البشر وسائر الموجودات الحسية، وبذلك تتحقق الصلة العضوية الحلولية الكمونية بين العالم الأعلى والعالم الأسفل. ولكن الصلة رغم عضويتها تتم من خلال حلقات، فالشعاع يتضاءل (وسخاء الفيض يتناقص) كلما ابتعد عن الأصل، ولذا نجد أن كل مرتبة أدنى من التي سبقتها وأعلى من التي تليها في الحقيقة والكمال والخيرية، حتى يخبو الشعاع أو يكاد وحتى ينضب الفيض أو يكاد. وبهذا يتحول الوجود إلى عدم ويصدر العدم عن الوجود، ويتلاشى النور في الظلام ويصدر الظلام عن النور، ويتبدد الخير في الشر ويصدر الشر عن الخير، وتتأكد الصلة الواحدية وتُسد الثغرات وتُملأ الفجوات. وبهذا، يمكن القول بأن نظرية الفيض محاولة لتأكيد الوحدة والواحدية الصارمة دون التخلي عن محاولة تفسير التنوع. وقد ذهب بعض الفلاسفة العرب إلى القول بالفيض، فقد وجدوا فيه رؤية تُضمر رفضاً للعقيدة الإسلامية التي تفصل بين الإله والعالم وتحصر الصلة بينهما في خلق الله لمخلوقاته وفي الوحي المُنزَل على الرسل والأنبياء وأخيراً على الرسول عليه الصلاة والسلام (خاتم المرسلين)، أي أن الرؤية الفيضية بتأكيدها الصلة العضوية والمباشرة بين الخالق والمخلوق تُنكر فكرة الخلق من العدم وتفتح الباب على مصراعيه لتقاليد النبوة المنفتحة التي لا تنتهي، وتناسخ الأرواح. وما يهمنا هو أن نظرية الفيض تفترض وجود جوهر واحد في الكون، كما تفترض أنه يتسم بالواحدية.

وكثير من الأيديولوجيات العلمانية هي أيديولوجيات فيضية، وإذا كانت النظريات الفيضية التقليدية (الروحية) ترى أن الحركة من أعلى إلى أسفل، فإن النظرية الداروينية وكل النظريات المادية الحديثة ترى الحركة من أسفل إلى أعلى. ونظرية هيجل نظرية فيضية، فكل شيء ليس سوى حالة وسط من الوجود والعدم، فالفيض هو وحدة الوجود والعدم والعملية التاريخية هي عملية الفيض التدريجية، فالفكرة المطلقة تتحقق تدريجياً من خلال المادة والتاريخ، والنفس الكلية قد انبثق عنها النور الذي يتخلل ثنايا الوجود إلى أن يصل إلى نهاية التاريخ فيصبح العالم كله نوراً وتصبح الذات موضوعاً.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق