إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 8 أغسطس 2014

95 موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري المجلد الأول: الإطـار النظــرى الجزء الثالث: الحلول الكمونية الوحدانية الباب الأول: الحلولية ووحدة الوجـود والكمونية الكمــون



95


موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية

للدكتور عبد الوهاب المسيري

المجلد الأول: الإطـار النظــرى
 
الجزء الثالث: الحلول الكمونية الوحدانية

الباب الأول: الحلولية ووحدة الوجـود والكمونية

الكمــون

«الكمون» تقابلها في الإنجليزية كلمة «إمنانس immanence» والصفة «إمنانت immanent» بمعنى «حالٍّ في»، من الفعل اللاتيني «إيمانيري immanere» بمعنى «يبقى في». وفي اللغة العربية، «كمن» بمعنى «توارى» و«كمن له» أي «استخفى في مكمن لا يفطن له»، و«اكتمن» بمعنى «اختفى». و«الكمون» هو «صفة ما هو كامن»، و«الكامن» هو ما ينطوي عليه الشيء بصفة دائمة وإن كانت غير واضحة، وهو وصف ينطبق على جوهر الأشياء (ولذا، يذكر معجم أكسفورد [إنجليزي ـ عربي] لدونياش كلمة «جوهر» كإحدى ترجمات الكلمة).

وحينما يُقال إن " الله كامن في الكون " فهذا يعني أن الإله والكون كيان (جوهر) واحد، وحينما يُقال إن "قوانين الكون كامنة فيه" فهذا يعني أن من يريد أن يفهم هذا الكون عليه أن يدرس القوانين الكامنة فيه لا يتجاوزها. ومبدأ الكمون هو القول بأن " الكل داخل الكل " والقول بأن عناصر الوجود تتضمن بعضها بعضاً ولا تؤلف إلا حقيقة واحدة، وهو عكس التجاوز والتعالي (انظر: «التجاوز والتعالي»). ولذا، يُعَدُّ تطبيق مبدأ الكمون على هذه الصورة مقدمة من مقدمات مذهب وحدة الوجود أو نتيجة من نتائجه. ففي مذهب وحدة الوجود، تكون ماهية الإله كامنة/باطنة في العالم، أي أن الإله والعالم واحد. وقد قال إسبينوزا في تعريفه للإله باللاتينية «ديوس إست أومنيوم ريروم كاوزا إمانينز، نان فيرو ترانسينس deus est omnium rerum causa immanens, non vero transiens»، «الإله هو السبب الكامن لكل الأشياء، لا العلة المؤثرة عليها من الخارج». وارتباط اسم إسبينوزا بهذا المصطلح له دلالته، فإسبينوزا هو الذي نادى بتعادل وترادف الإله والطبيعة، أي كمون الإله في الطبيعة، أي أن الإله والطبيعة (وكل الأشياء) جوهر واحد.

والكمون الكامل بهذا المعنى هو الإنكار الكامل للحيز الإنساني والسقوط التام في قبضة الصيرورة وإنكار أي وجود للكل المتجاوز. وقد وصف جان بياجيه المثل الأعلى البنيوي بأنه " السعي إلى تحقيق معقولية كامنة عن طريق تكوين بناءات مكتفية بنفسها، لا تحتاج من أجل بلوغها إلى الرجوع إلى أية عناصر خارجية ". وما تقوله هذه العـبارة هـو ما يقوله إسـبينوزا مع تغيير في المصطلـح، فاللغة واحدة، أما الكلام فمتغير (كما يقول البنيويون). وقد ترجم عبد المنعم الحفني في موسوعته الفلسفية كلمة «إمنانتزم immanentism» بكلمة «مذهب الحلول». وتَحدَّث في هذا المدخل عن حلولية طاليس (العالم حافل بالآلهة ـ الإله منبث في العالم)، وأنكسماندر (اللامتناهي)، وهرقليطس (المبدأ الواحد وأصل كل المخلوقات)، وأكسانوفان (العالم هو الإله)، والرواقيين (المبدأ الأول ـ الإله ينفذ في كل العالم)، وإسبينوزا (الإله والوجود واحد)، والحلاج (الناسوت صورة اللاهوت)، وبعض نظريات التصوف الإسلامي الحلولي (نظرية النور المحمدي التي تزعم أن الرسول اجتمعت فيه روحان: روح إلهية قديمة لا تجرى عليها أحكام الفناء والتغير [اللاهوت]، وروح بشرية حادثة تجرى عليها أحكام الكون والفساد [الناسوت]). كما يستخدم كانط «إيمنينت immanent» في مقابل «متجاوز»، وهي تعني في واقع الأمر «الشيء في ذاته». ويستخدم بعض الفلاسفة الماديين كلمة «كامن» بمعنى «مثالي»، أي «منفصل عن عالم المادة»، ففلسفة كانط في مصطلحهم فلسفة كمونية «إيمنينت immanent» أي «مثالية». فعبارة «إيمنينت هستوري immanent history» (التي يمكن ترجمتها بعبارة «تاريخ كموني» أو حتى «تاريخ باطني») تُستخدَم للإشارة إلى رؤية تاريخ العالم باعتباره عملية تتم من تلقاء نفسها، مدفوعة بقوانين كامنة في التاريخ نفسه، دون الخضوع لأية مؤثرات خارجية مادية مثل الصراع الطبقي أو الوعي الاجتماعي. وتشير عبارة «فلسفة الكمون» («إيمانينس فيلوسوفي immanence philosophy») إلى مدرسة فلسفية ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وُصفت بأنها فلسفة ذاتية مثالية وجَّهت النقد لمفهوم كانط «الشيء في ذاته» واعتقدت في عدم وجود أي شيء سوى موضوع الفكر، فالوجود كامن في الوعي، والذات مرتبطة تماماً بالموضوع. ودعاة هذا المذهب الفلسفي يرفضون القول بأن الفكر انعكاس للعالم في الوعي، فالإدراك هو دخـول الأشـياء في الوعي. وقد حاولوا التملص من التمركز الكامل حول الذات بافتراض وجـود " وعي بشكل عام " أو " وعي نوعي " (بالإنجليزية: جنيريك generic) يُوجَد مستقلاً عن الدماغ الفردي. وقد ورثت المدرسة الفينومنولوجية كثيراً من هذه الأطروحات وطورتها، وقد ُوصفت هي الأخرى بأنها مدرسة «إيمنينت immanent» بمعنى «مثالية».

والخطاب التحليلي (الفلسفي وغير الفلسفي) الشائع في معظم أنحاء العالم خطاب هيجلي، أي حلولي كموني، وقد شاعت كلمة «إمنانس immanence» في الفلسفة الغربية الحديثة بمعنى «كامن» أو «باطن في الشيء». فيقول هايدجر "لقد استبعدنا كل ما هو ليس بكامن في الوعي الإنساني"، وعُرِّفت الشكلانية (بالإنجليزية: فورماليزم formalism) بأنها "قراءة كمونية كاملة غير متأثرة بأي شيء خارجها"، وعرَّف أحد مؤرخي الفلسفة الرؤية العلمانية بأنها فلسفة الكمون الكامل، أي فلسفة الجوهر الواحد والواحدية الصارمة والحلولية الكمونية الواحدية.

ومن منظور هذه الموسوعة، من المهم الإشارة إلى أن التجلي الأنثوي للإله في المنظومة القبَّالية هي الشخيناه وهي من فعل «شخن» بمعنى «سكن» و«حل» و«استقر» (وهو قريب من معنى «كمن» ومترادف مع فعل «إيمانيري immanere» اللاتيني). والشخيناه، ليست التجلي الأنثوي للإله وحسب وإنما هي أيضاً شعب إسرائيل، فكأن ثمة وحدة كاملة بين الإله والشعب اليهودي (فهو حلول وكمون كامل).

وفي المنظومات الغنوصية، وهي منظومات حلولية كمونية كاملة، يُعد أصحاب الغنوص جزءاً من الإله. ولذا، فحينما يُرسل الإله بالمخلص لتخليصهم، فهو في واقع الأمر يُخلِّص نفسه، فهو المخلِّص المخلَّص (باللاتينية: سلفادور سلفانديس salvador salvandis)، ومن ثم فصاحب الغنوص هو العبد والمعبود والمعبد الكامن فيه كل شيء.

ونحن نذهب إلى أن العلمنة هي عملية «تكمين» أي جعل المركز كامناً في العالم فيصبح الكون مكتفياً بذاته (مرجعية ذاته)، وهذه هي المرجعية الكامنة. وقد عُرّفت الوضعية بأنها تعني أن يكون معيار الحكم على الشيء هو ذات الشيء، لا من مصدر خارجه أو مستقل عنه، أي أن معياره كامن (حال) فيه. والمرجعية الكامنة لابد أن تكون واحدية وتنكر التجاوز. ولنضرب مثلاً: تؤمن اليهودية الحاخامية بأن الماشيَّح سيأتي في آخر الأيام عندما يشاء الإله ليعود بشعبه إلى صهيون، فالعودة منوطة بإرادة الإلـه ولذا كان اليهود لا يزورون فلسـطين إلا للحج أو للتعبير عن «حب صهيون»، أما الاسـتيطان فيها فكان محرماً، أي أن العودة كانت تدور في نطاق مرجعية متجاوزة (لإرادة اليهود). فجاءت الحركة الصهيونية وقامت بعملية تكمين، إذ قررت أن مسألة العودة مسألة تتوقف على مشيئة البشر (الطليعة الصهيونية محل الكمون) الذين يمكنهم أن يقرروا متى يمكن تحقيق هذا المشروع في داخل الزمان (فلا تجاوز لإرادة البشر والزمان). وستتم عملية العودة (بعد دراسة الملابسات المحلية وتوازن القوى الدولية) بهدف الاستيطان في فلسطين، وهي منطقة جغرافية تقع بين آسيا وأفريقيا مجاورة لمصر وتطل على قناة السويس، وهي منطقة مهمة لا لأن الإله باركها أو اختارها وإنما لأن بإمكان المستوطنين الصهاينة القيام على خدمة المصالح الغربية فيها. والفلسفة المثالية الألمانية (رغم مثاليتها وحديثها عن التجاوز والتعالي) هي في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير فلسفة حلولية كمونية، فالتجاوز والتعالي فيها يظل يدور في إطار المرجعية الكامنة.

وثمة اتجاه عام في الغرب لاستخدام كلمة «بانثيزم pantheism» للإشارة إلى وحدة الوجود الروحية (التقليدية والوثنية)، واستخدام كلمة «إمنانس immanence» (وترد أحياناً في شكل «إمننتزم immanentism») للإشارة إلى وحدة الوجود المادية، أي الرؤية العلمانية المادية الحديثة التي ترى أن العالم يحوي داخله ما يكفي لتفسيره، ومن ثم يمكن تأسيس النظم المعرفية والأخلاقية على أساس المعرفة العقلية والحسية وحسب دون الاهتمام بأي شيء خارج النظام الطبيعي.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق