إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 8 أغسطس 2014

83 موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري المجلد الأول: الإطـار النظــرى الجزء الثاني: النماذج كأداة تحليلية الباب الثالث: النموذج الاختزالي والنموذج المركـب


83

موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية

للدكتور عبد الوهاب المسيري

المجلد الأول: الإطـار النظــرى

الجزء الثاني: النماذج كأداة تحليلية
  
الباب الثالث: النموذج الاختزالي والنموذج المركـب

والنماذج الاختزالية ذات جاذبية خاصة للأسباب التالية:

1 ـ عملية نحت النماذج المركبة (بما تتضمنه من عملية التجريد والتفكيك والتركيب) عملية صعبة للغاية تتطلب جهداً إبداعياً واجتهاداً خاصاً، ولذا فإن ما يحدث في كثير من الأحيان أن يقوم الناس أثناء عملية التفسير بعملية تجريد تفكيكية اختزالية أبعد ما تكون عن التركيب وتتسم بالتبسيط والوضوح والتحرك في إطار السببية البسيطة (الروحية أو المادية) واليقينية المطلقة أو شبه المطلقة. فيستبعدون بعض العناصر ذات القيمة الأساسية في عملية الفهم والتفسير والتغيُّر التي لم يُدرك صاحب النموذج الاختزالي أهميتها، بحيث يصبح التعامل مع الواقع مسألة سهلة وتصبح النتائج التي يتوصل لها الباحث يقينية (تقترب من اليقينية التي يتوصل لها الباحث في الظواهر الطبيعية) الأمر الذي يُولِّد لدى الإنسان وهم التحكم الكامل في واقعه والتفاؤل الشديد البسيط. والعقل الإنساني، منذ أن وُجد الإنسان، دائم البحث عن صيغة بسيطة يمكنه عن طريقها تفسير كل شيء والتحكم في كل شيء وحل كل مشاكله: خاتم سليمان أو مصباح علاء الدين أو جملة سحرية أو معادلة رياضية أو قانون علمي واحد يفك به كل الشفرات ويحل به كل الألغاز ويفتح به كل الكنوز، فثمة رغبة طفولية جنينية كامنة في النفس البشرية تدفع الإنسان إلى محاولة الوصول إلى عالم فردوسـي لا صراع فيه ولا تَدافُع ولا اختيارات أخلاقية، عالم كل الأمور فيه واضحة لا لبس فيها ولا إبـهام، ومن ثم يمكن التحكم فيه تماماً.

2 ـ أدَّى شيوع وهم الموضوعية الكاملة المتلقية والواقع الخام إلى شيوع النماذج الاختزالية، فنحن كثيراً ما نتصور أن الحقائق هي الحقيقة وأن الواقع الخام هو مُستَقَرها، ولذا فنحن نحاول أن نكون موضوعيين تماماً في رصد الحقائق فلا نُعْمل عقولنا. ومعظم الحقائق التي يأتي بها الاختزاليون حقائق موضوعية ووقائع ثابتة حدثت تحت سمع الناس وبصرهم، فهم لا يختلقون الحقائق (في أغلب الأحيان) وإنما يجتزئونها، ولكن كثيراً ما تكون الحقائق التي يذكرونها تافهة هامشية جزئية لا علاقة لها بالحقيقة الكلية (ولذا فهي تُسمَّى بالإنجليزية: ترو لايز true lies أكاذيب حقيقية، أي كلمة حق جزئي يُراد بها باطل كلي).

3 ـ النموذج الاختزالي هو النموذج السائد في الصحافة والإعلام على وجه العموم، بسبب أن المشتغل بالإعلام عادةً ليس عنده فسحة من الوقت للنظر العميق في الوقائع التي يكتب عنها (فرئيـس التحرير يود أن يجد الخبر فوراً على مكتبه) ولذا ارتبط الإعلام تماماً بالآن وهنا وبما يسمونه الأحداث الساخنة، التي يضطر الإعلامي لعزلها عن أي سياق أو خلفية تاريخية أو اجتماعية وأية دوافع إنسانية مُركَّبة وأية إشكاليات سابقة. وإن حدث وأدرك الإعلامي بعض الأبعاد المركبة للحادثة التي يكتب عنها فهناك مشكلة أن السيد رئيس التحرير الافتراضي يريدها في حيز صغير جداً (200 كلمة ـ 3 دقائق). وقد أدَّى كل هذا إلى سيادة النماذج الاختزالية على الإعلام والإعلاميين، وبسبب سيطرة الإعلام على عقول الناس بدأت النماذج الاختزالية تهيمن على السواد الأعظم من البشر.

4 ـ وقد عمَّق هذا الاتجاه ظهور الصورة كمصدر أساسي للمعرفة، فالصورة منغلقة على نفسها توصِّل رسالتها بشكل مباشر إلى وجدان الإنسان العادي، الأمر الذي لا يتيح له أية فرصة للتأمل أو التفكر.

5 ـ لا شك في أن إيقاع الحياة الحديثة ذاته الآخذ في التسارع لا يسمح بأي تأمل أو تفكُّر، ولذا فمن الأفضل للإنسان أن يدور في إطار الصيغ اللفظية الجاهزة (الكلشيهات) والصور النمطية.

والأسباب السابقة تجعل البشر وبخاصة في العـصر الحديث، يميلون إلى تبنِّي النماذج الإدراكية والتحليليـة الاختزالية. غير أن هناك عناصر تكمُن في واقع أعضاء الجماعات اليهودية ساعدت على انتشار النماذج الإدراكية الاختزالية التبسيطية بين دارسي الظواهر اليهودية.

1 ـ لعل من أهم هذه الأسباب أن ظاهرة الجماعات اليهودية ظاهرة شديدة التركيب وعدم التجانس. فهم ينتمون لعدة مجتمعات في مراحل تاريخية مختلفة وغالبيتهم تعيش في الوقت الحاضر في الولايات المتحدة. ولكن هناك كتلة بشرية يهودية في الشرق الأوسط تدَّعي أنها أقامت دولة يهودية. وهم يوجدون في كل الطبقات القائمة، فمنهم كبار الرأسماليين في الولايات المتحدة ومنهم الحرفيون البدائيون في إثيوبيـا. لكن العقل البشري (ربما تأثُّراً بالرؤية التوراتية والإنجيلية لليهود) نظر إليهم باعتبارهم شعباً واحداً (مقدَّساً أو شاهداً أو شهيداً أو مختاراً أو وضيعاً أو منبوذاً) ثم هيمنت مقولة وحدة اليهود هذه وتم رصد أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم ظاهرة واحدة ينتظمها إطار واحد، وتمت عملية التراكم المعرفي في هذا الإطار الذي يفترض وجود مثل هذه الوحدة الوهمية. وقد استنام معظم الباحثين لهذه الأطروحة السهلة، ولم يَعُد أحد يختبرها مع أنها قابلة للاختبار بالعودة إلى الواقع المتنوع الثري وغير المتجانس للجماعات اليهودية في التاريخ. ولو فعلنا ذلك لاكتشفنا أن اليهود ليسوا يهوداً والسلام، بل هم جماعات يهودية لا ينتظمها تاريخ يهودي واحد وإنما تواريخ إنسانية متعددة، ولاكتشفنا أيضاً أن عناصر عدم التجانس بين هذه الجماعات أكثر أهمية من الناحية التفسيرية من العناصر المشتركة بينها، وأن الجماعات اليهودية «جماعات» أكثر أهمية من كونها «يهودية». ولكن التوصل إلى هذا المستوى من التعميم يتطلب جهداً بحثياً وإبداعياً شاقاً، عادةً ما يستغرق وقتاً طويلاً، إذ يجب أن يقوم الباحث بمقارنة يهود الصين مثلاً بيهود إثيوبيا بيهود الولايات المتحدة ويهود العالم الإسلامي، في الماضي والحاضر، وعلى المستويات الدينية والأخلاقية والاجتماعية والفكرية والسكانية... إلخ، وذلك حتى يكون بوسعه أن يحدِّد العناصر المشتركة بينهم، والثوابت والمتغيرات، وعلاقة الواحد بالآخر، وهكذا.

2 ـ يمكن القول بأن الشعائر اليهودية المركبة التي لا يستطيع الكثيرون من غير اليهود فهمها تُعَدُّ من أهم العناصر التي ساهمت في إشاعة النماذج الاختزالية في دراسة الظواهر اليهودية. فحينما لا يفهم الإنسان شيئاً فإنه كثيراً ما يلجأ إلى تفسيرات اختزالية (تآمرية أو صهيونية) تريحه من عناء التفكير.

3 ـ ساهمت النزعة الانعزالية في الدين اليهودي، والتصورات الدينية اليهودية الخاصة بالشعب المختار والمركزية الكونية والتاريخية التي يضفيها اليهود على أنفسهم في تعميق شكوك غير اليهود فيهم. ومع هذا، يجب التنبه إلى أن ثمة نزعة توحيدية قوية في العقيدة اليهودية رغم هيمنة النزعة الحلولية الواحدية (ابتداءً من القرن السادس عشر على وجه الخصوص).

4 ـ يُلاحَظ أن اليهود يلعبون دوراً مركزياً في الدراما التاريخية المسيحية (نزول المسيح ـ صلبه على يد اليهود ـ هداية اليهود تمهيداً للعصر المشيحاني... إلخ). وقد ارتبطت فكرة الخروج في الوجدان الغربي باليهود، فهم دائماً في حالة خروج (ودخول) من فلسطين (أرض كنعان) إلى مصر، ثم من مصر إلي فلسطين، ثم من فلسطين إلى بابل، ومن بابل إلى فلسطين، ومن فلسطين إلى أرض الشتات، وهكذا. وساهم كل هذا في تحويل اليهود إلى مقولة غير زمانية وفي اختزالهم إلى بُعد واحد.

ومع أن اليهود لم يلعبوا دوراً متميِّزاً مماثلاً في الإسلام، فقد كانوا أهل كتاب وذوته، إلا أنه من خلال تفسير حرفي يطابق بشكل هندسي بين ما جاء في القرآن ووقائع التاريخ المتناثرة، تم الربط بين ما جاء في القرآن والسنة عن اليهود وبين يهود العالم في العصر الحديث. ومن ثم، تَحوَّل اليهود إلى مقولة ثابتة غير زمانية، وتم اختزالهم مرة أخرى إلى بُعـد واحد رغم المفاهيم الإسلامية الحاكمة الخاصة بالفطرة والتدافع وقبول الآخر.


5 ـ مما لا شك فيه أن وجود اليهود داخل عديد من المجتمعات الغربية، كجماعات وظيفية متفرقة تنتظمها شبكة من العلاقات التجارية الوثيقة، والتي تَحقَّق من خلالها قدر كبير من النجاح التجاري والمالي، عمَّق الرؤية الاختزالية التآمرية في النظر لليهود. وقد بلغت هذه الشبكة قمة تماسُكها وقوتها في القرن السابع عشر حين كانت تصل بين يهود الأرندا في شرق أوربا (في بولندا وأوكرانيا)، ويهود البلاط في وسطها وغربها، ويهود السفارد في البحر الأبيض والدولة العثمانية وشبه جزيرة أيبريا والعالم الجديد. وخلق هذا الوجود إحساساً عميقاً لدى كثير من الدارسين بأن ثمة تنسيقاً تآمرياً بين اليهود في كل أنحاء العالم (وقد انحلت هذه الشبكة تماماً بقيام النظام المصرفي الحديث وظهور الدول القومية العلمانية الحديثة).

6 ـ أدَّى تعثُّر التحديث في الإمبراطورية الروسية في أواخر القرن التاسع عشر وتَزايُد عدد اليهود نتيجة انفجار سكاني صغير (ولمُركَّب آخر من الأسباب) إلى خلق مشكلة عدم تأقلُم لدى الكثيرين من أعضاء الجماعات اليهودية إزاء النظام الاقتصادي الجديد، الأمر الذي اضطر أعداداً كبيرة منهم للهجرة، وقد وُصف هذا بأنه دليل على رغبة اليهود الأزلية في الخروج من أوطانهم ودليل على تطلُّعهم الدائم لصهيون.

7 ـ ومع ضعف المجتمعات الغربية وبنائها القيمي، بسبب انتشار قيم النفعية واللذة، ومع تَركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من الحركات الفوضوية وفي قطاع اللذة (الكباريهات ـ السينما ـ السياحة)، تَعمَّق الإحساس بأن ثمة مؤامرة يهودية لا تهدف إلى السيطرة على العالم وحسب، بل تهدف أيضاً إلى إفساده (مع العلم بأن الجماعات اليهودية في أوربا كانت من أكثر القطاعات البشرية محافظة من الناحيتين الأخلاقية والسياسية حتى منتصف القرن التاسع عشر، ولم تكن ظاهرة الأطفال غير الشرعيين معروفة بينهم).



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق