82
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد الأول: الإطـار النظــرى
الجزء الثاني: النماذج كأداة تحليلية
الباب الثالث: النموذج الاختزالي والنموذج المركـب
النموذج الاختزالى
تشكل أطروحات نموذج الرصد الموضوعي المادي (المتلقي) التربة الخصبة (وليس السبب الوحيد) لظهور النماذج الاختزالية التي تتسم بما يلي: التماسك الشديد ـ البساطـة ـ التجانس ـ الواحدية ـ السببية الصلبة ـ الطموح نحو شمـولية التفسـير ـ الطـموح نحـو درجة عالية من اليقينية ـ الطموح نحو الدقة المتناهية في المصطلحات.
والنموذج الاختزالي (الذي يمكن أن يُشار إليه أيضاً بـ «النموذج البسيط» و«النموذج المُغلَق» و«النموذج الواحدي» و«النموذج المُصمَت» و«النموذج الموضوعي المادي (المتلقي)») يتجه نحو اختزال العالم إلى عدة عناصر (عادةً مادية) بسيطة. فالظواهر، حسب هذا النموذج، ليست نتيجة تفاعُل بين مركَّب من الظروف والمصالح والتطلعات والعناصر المعروفة، والمجهولة من جهة، وإرادة إنسانية حرة وعقل مبدع من جهة أخرى، وإنما هي نتاج سبب واحد بسيط عام أو سببين أو ثلاثة (قد يكون قانوناً طبيعياً واحداً، أو دافعاً مادياً واحداً، أو قوة مدبرة خارقة)، تنطبع على عقل متلق لهذا القانون أو الدافع أو القوة. والعنصر المشـترك هنا هو استبعاد الفاعل الإنساني ورده إلى ما هو دونه (الطبيعة/المادة أو هذا العنصر الواحد أو ذاك) فالنموذج الاختزالي لا يُفرِّق بين الطبيعة/المادة والإنسان. ومهما تنوَّعت الأسباب وتعدَّدت فإن التنوع والتعدد، من منظور النموذج الاختزالي، مسألة ظاهرية، إذ أن كل الأسباب عادةً ما تنحل كلها وتمتزج، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، لتصبح مبدأً واحداً ثابتاً لا يتغيَّر، تخضع له كل الظواهر بشكل مباشر يُلغي كل الخصوصيات والثنائيات وأشكال التنوع.
ولهذا السبب فإن النماذج الاختزالـية نماذج مطلقة مغلقة ترى التاريخ كياناً يتحرك بطريقة واحدة ونحو نقطة واحدة. وأحداث التاريخ والواقع الإنساني ككل هي نتاج بطولة بطل أو بطلين، أو نتاج عقل واحد متآمر وضع مخطَّطاً جباراً وصاغ الواقع حسب هواه، أو نتاج نظرية ثورية فورية أو فكرة انقلابية جذرية أو عودة مشيحانية أو حتمية تاريخية أو بيئية أو وراثية أو العنصر الاقتصادي أو الدافع الجنسي.
هذا المبدأ الواحد يمكن أن يكون روحياً (الإله ـ البطل ـ العقل الثوري ـ المؤامرة الكبرى) أو مادياً (قانون الحركة ـ العنصر الاقتصادي ـ العنصر الجنسي) أو روحياً اسماً، مادياً فعلاً (نَفَس العالم ـ روح الشعب). وفي الحالة الأولى، يُفسَّر كل شيء تفسيراً روحياً أو مثالياً أو تآمرياً (فلا موجود إلا هو). وهذا هو التفكير الديني المتطرف الذي يؤدي إلى الإرهاب والذي يعلن نهاية التاريخ المشيحانية والعودة إلى العصر الذهبي أو صهيون. أما في الحالة الثانية، فإن كل شيء يُفسَّر تفسيراً مادياً (ولا موجود إلا هي: الطبيعة/المادة، أو قانون الحركة). وهذا هو التفكير العلماني الشامل المادي المتطرف الذي يؤدي إلى النسبية والعدمية وإلى أشكال مختلفة من الإرهاب الفكري والفعلي مثل الستالينية وإعلان الحل النهائي النازي أو نهاية التاريخ الليبرالية أو اليوتوبيا التكنولوجية (التي أوشكت على التحقق في الحضارة الغربية كما هو الزعم هذه الأيام).
ويمكن أن نصف هذا التصور الواحدي للتاريخ بطريقة مغايرة فنقول إن المبدأ الواحد في النماذج المغلقة لا يتجاوز العالم ولا يظل منزَّهاً عنه، وإنما يتجسَّد فيه. وحينما يتجسَّد فيه، ينغلق النسق وتُلغَى الثنائيات الفضفاضة والخصوصيات. ويدور هذا النموذج في إطار السببية الصلبة المطلقة المغلقة حيث تُوجَد وحدات بسيطة تتفاعل بشكل بسيط لتؤدي إلى نتائج بسيطة يمكن رصدها ببساطة وبحيث تؤدي (أ) حتماً إلى (ب) دائماً في كل زمان ومكان. وكل شيء لابد أن يدخل شبكة السببية الصلبة حتى نستطيع أن نصل إلى التفسير الكامل الشامل. وكل هذا يعني سيادة الواحدية السببية وسيادة الحتمية. وحينما يتعامل هذا النموذج مع العام والخاص والكل والجزء فإنه يذيب الجزء والخاص في الكل والعام تماماً بحيث لا يتعامل إلا مع الكل والعام.
ومهما كان أساس التفسير أو طبيعة التوجه السياسي أو الفلسفي للنموذج الاختزالي، فإن الرؤية المعرفية الكامنة واحدة؛ وهي رؤية تذهب عادةً إلى أن عقل الإنسان كيان سلبي متلق يُسجِّل كل ما ينطبع عليه من معطيات مادية بشكل آلي، أو أن الواقع بسيط مكوَّن من عنصر واحد أو اثنين، ومن ثم فالعلاقة بين العقل والواقع بسيطة يمكن رصدها ببساطة، فالعقل إما أن يتحكم في الواقع تماماً أو يذعن له تماماً. هذا يعني في واقع الأمر أن السمة الأساسية للنماذج الاختزالية هي استبعادها التركيبية تماماً واستبعادها الفاعل (المدرك) الإنساني.
هذا هو وصف النموذج الاختزالي في عصر العقلانية المادية الشمولية. وقد حدثت ثورة عارمة ضد هذه الرؤية الاستنارية وضد هذا النسق المغلق الواحدي الصلب وظهر الفكر المعادي للاستنارة الذي يصل إلى قمته عند نيتشه. ولكن الثورة تمت في نفس الإطار المعرفي (الكلي والنهائي) المادي. ولذا رُفض الإطار التفسيري الاختزالي الشامل وحل محله إطار يرفض فكرة التفسير نفسها ولكنه لا يقل عنه اختزالية، فبدلاً من فكرة الكل المادي ظهرت فكرة الغياب المادي للكل، وبدلاً من المطلقات الشاملة ظهرت النسبيات المطلقة، وبدلاً من التحدُّد الكامل ظهر اللاتحدُّد الكامل، وبدلاً من السببية الصلبة ظهرت اللاسببية والصدفة، وبدلاً من التماسك المُصمَت ظهرت الذرية والتشتت، وبدلاً من اليقين الكامل ظهر الشك الكامل، وبدلاً من التركيز على العام وإنكار الخاص تم التركيز على الخاص وإنكار العام، وبدلاً من التجانس المتطرف ظهر اللاتجانس المفرط، وبدلاً من البسـاطة السطـحية ظهر التأيقن المنغلق عـلى ذاته، وبدلاً من الرغـبة في التحـكم الإمبريالي ظهرت السيولة الكاملة، أي بدلاً من العقلانية المادية (والاستنارة المنيرة) ظهرت اللاعقلانية المادية (والاستنارة المظلمة). وظهور التفكيكـية (التقويضية) هو تعبير عـن هذا الوضع، فكل شـيء نسبي لا يمكن الوصول إليه، فهو غير محدَّد ومُرجأ. فكأن اللوجوس، بدل أن يتجسَّد في كل شيء (على طريقة الحلولية الكمونية الواحدية)، انسحب منه تماماً وغاب واختفى (مات الإله، على حد قول نيتشه). ولكن ما يجمع الاثنين هو الصورة المجازية الأساسية للتجسد: فإما حلولية عضوية كاملة نتيجة التجسد الكامل أو تشظ آلي كامل نتيجة لغياب التجسد. ولذا، فإذا كانت العقلانية المادية أنتجت نماذج واحدية مادية، فإن اللاعقلانية المادية تعادي فكرة النماذج، أو تكتفي بإنتاج نماذج لاعقلانية مادية، نماذج مايكرو صغيرة لا تتعدى فعاليتها نطاق ظاهرة أو اثنين. وهكذا يتم التأرجح بين الواحدية التفسيرية والواحدية اللاتفسيرية.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق