198
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد الأول: الإطـار النظــرى
الجزء الخامس: الجماعات الوظيفية
الباب الأول: السـمات الأسـاسية للجماعات الوظيفية
هذه بعض الجوانب العامة لنموذج الجماعة الوظيفية التي تجعلنا نراه أكثر تفسيرية. أما فيما يتصل بالمقدرة التفسيرية لنموذج الجماعات الوظيفية حينما يُطبَّق على الجماعات اليهودية فيمكننا أن نذكر الجوانب التالية:
1 ـ يضع مفهوم الجماعة الوظيفية أعضاء الجماعات الوظيفية في سياقاتهم التاريخية والإنسانية المختلفة، ولكنه في الوقت نفسه يتيح لنا مقارنتهم بأعضاء الأقليات الدينية والإثنية المختلفة.
2 ـ يمكِّننا هذا النموذج من اكتشاف استمرارية تاريخية متعيِّنة (وليس استمرارية ميتافيزيقية وهمية) في تواريخ الجماعات اليهودية، هي اضطلاعهم بدور الجماعة الوظيفية. فالجماعات اليهودية من أهم الجماعات التي اضطلعت بدور الجماعة الوظيفية، وخصوصاً الجماعات الوظيفية المالية (التي يُقال لها «الجماعات الوسيطة»).
3 ـ ظهرت دولة إسرائيل باعتبارها دولة استيطانية قتالية تعمل للدفاع عن المصالح الاقتصادية والإستراتيجية للعالم الغربي، ويقوم هو بالدفاع عنها بالمقابل ـ أي أنها دولة وظيفية تعاقدية مع الغرب. وكل هذا يجعلنا نُعيد النظر في دور أعضاء الجماعات الوظيفية كمرتزقة أو مادة استيطانية أو جامعي ضرائب أو كتجار أو مرابين أو ملتزمي أراض (الأرندا)، فالنمط الذي كان في الماضي كامناً مضمراً أصبح واضحاً ظاهراً في حالة الدولة الصهيونية.
ويمكننا أن نقول إن مفهوم الجماعة الوظيفية يتسم بمقدرته على عدم الذوبان في فكرة القانون العام (الذي يسقط فيه مفهوم الطبقة) وكذلك عدم السقوط في خصوصية الظاهرة وتأيقنها (أي أن تصبح الظاهرة كالأيقونة لا تشير إلا إلى ذاتها). ومن هنا، فهو مفهوم تحليلي يظل مرتبطاً بتموجات الواقع والمنحنى الخاص للظاهرة ولكنه مع هذا يربط بين الظواهر المختلفة، أي أنه لا يسقط في التمركز حول الموضوع العام الذي لا سمات له، ولا يسقط في التمركز حول الذات الخاصة التي لا يمكن الربط بينـها وبين الذوات الأخـرى، فهو يتحـرك في الرقعة التي تلتقي الذات فيـها بالموضوع، والخاص بالعام، دون أن يستبعد الواحد الآخر ويلغيه. فهو يرى أن ثمة خصوصية ما تتسم بها الجماعات اليهودية، ولكنها ليست خصوصية مطلقة وإنما هي، في واقع الأمر، خصوصيات مستمدة من المجتمعات التي يعيش أعضاء هذه الجماعات بينها، ومن ثم فهي لا تختلف عن الخصوصيات التي يتسم بها أعضاء الأقليات، كل حسب سياقه، وأنه لا توجد خصوصية يهودية (واحدة) أو جوهر يهودي أو عبقرية يهودية أو جريمة يهودية وإنما خصوصيات يهودية تختلف باختلاف الزمان والمكان، أي أن الخاص لا يجبُّ العام والعام لا يجبُّ الخاص.
و«الجماعات الوظيفية» مصطلح قمنا بوضعه، استناداً إلى مصطلحات قريبة في علم الاجتماع، لوصف مجموعات بشرية تستجلبها المجتمعات الإنسانية من خارجها، في معظم الأحيان، أو تجندها من بين أعضاء المجتمع أنفسهم من بين الأقليات الإثنية أو الدينية، أو حتى من بعض القرى أو العائلات. ثم يوكل لأعضاء هذه المجموعات البشرية أو الجماعات الوظيفية وظائف شتى لا يمكن لغالبية أعضاء المجتمع الاضطلاع بها لأسباب مختلفة من بينها رغبة المجتمع في الحفاظ على تراحمه وقداسته، ولذا يوكل لأعضاء الجماعات الوظيفية بعض الوظائف المشينة (الربا ـ البغاء) أو المتميِّزة (القضاء ـ الترجمة ـ الطب) التي تتطلب الحياد والتعاقدية (ولذا يمكن تسمية أعضاء الجماعات الوظيفية «المتعاقدين الغرباء»). وقد يلجأ المجتمع إلى استخدام العنصر البشري الوظيفي لملء فجوة أو ثغرة تنشأ بين رغبات المجتمع وحاجاته من ناحية، ومقدرته على إشباع هذه الرغبات والوفاء بها من ناحية أخرى (الحاجة لمستوطنين جدد لتوطينهم في المناطق النائية). كما أنه قد يوكل لأعضاء الجماعات الوظيفية الوظائف ذات الحساسية الخاصة وذات الطابع الأمني (حرس الملك ـ طبيبه ـ السفراء ـ الجواسيس). ويمكن أن تكون الوظيفة مشينة ومتميِّزة حساسة في آن واحد (مثل الخصيان والوظائف الأمنية على وجه العموم). كما أن المهاجرين عادةً ما يتحولون إلى جماعات وظيفية (في المراحل الأولى من اسـتقرارهم في وطنهم الجديد)، ذلك لأن الوظائف الأسـاسية في وطنهم الجـديد عادةً ما يكون قد تم شـغلها من قبَل أعضـاء الأغلبية.
ويجب أن نؤكد أننا، حينما نقول "يستجلب المجتمع"، لا نعني أن هذه عملية واعية يقوم بها أعضاء مجتمع ما، فهي في واقع الأمر عملية غير واعية كما هو الحال مع معظم الظواهر الاجتماعية. وكثيراً ما تكون هذه العملية غير مفهومة لمن يقومون بها، سواء أكان المجتمع المضيف أم الجماعة الوظيفية. بل إن هذه العملية الاجتماعية قد تتم رغم الرفض الواعي لها من قبَل المجتمع والجماعة. وكل ما نرمي إليه هنا هو أن نشير مجرد إشارة إلى أن هذه عملية اجتماعية مركبة إلى أقصى حد تتداخـل فيها الأسـباب بالنتائج، ونحـاول فهـم بعض جوانبها وتفسيرها قدر استطاعتنا. ولكننا، لقصور لغتنا البشرية، نضطر إلى الإشارة إلى المجتمع وأعضائه كما لو كان ذاتاً واعية ينجز عملياته بشكل واع.
ويتوارث أعضاء الجماعة الوظيفية الخبرات في مجال تخصصهم الوظيفي عبر الأجيال ويحتكرونها، بل يتوحدون بها، وفي نهاية الأمر يكتسـبون هـويتهم ورؤيتهم لأنفسـهم منها بحيث يتم تعريف الإنسان من خلال الوظيفة وحسب لا من خلال إنسانيته الكاملة، فيصبح عضو الجماعة الوظيفية إنساناً ذا بُعد واحد يمكن اختزال إنسانيته إلى هذا البُعد أو المبدأ الواحد، وهو وظيفته.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق