إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 14 أغسطس 2014

194 موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري المجلد الأول: الإطـار النظــرى الجزء الرابع: العلمانية الشاملة الباب التاسع: العلمانية الشاملة: تاريخ موجز وتعريف سادساً: المنظومة الدلالية والجمالية:


194

موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية

للدكتور عبد الوهاب المسيري

المجلد الأول: الإطـار النظــرى

الجزء الرابع: العلمانية الشاملة

الباب التاسع: العلمانية الشاملة: تاريخ موجز وتعريف

سادساً: المنظومة الدلالية والجمالية:

أ ) يسود في المرحلة الأولى الإيمان بأن ثمة واقعاً ثابتاً مستقراً وذاتاً متماسكة قادرة على التواصل مع الذوات الأخرى من خـلال لغة عقـلانية شـفافة تعكس الواقع ويمكن تمثيل الواقع من خلالها، وبأن الأعمال الفنية تستند إلى المحاكاة والتعبير، ولها مضمون إنساني وأخلاقي وتهدف إلى تعميق إدراك الإنسان بواقعه وربما تغييره، وبأن وظيفة النقد الأدبي والفني هي اكتشاف القيم الأخلاقية والجمالية الإنسانية التي يمكن أن يهتدي بهديها المبدعون والجمهور.

ولكن مع نهاية المرحلة تكتشف الذات الإنسانية أن حدودها غير واضحة وأن الواقع غير مستقر، وأن ثمة أسبقية للأشياء على الإنسان، لكل هذا تفشل الذات الإنسانية في التواصل مع الذوات الأخرى أو التفاعل مع الموضوع أو التعامل معه. فلم تَعُد اللغة أداة جيدة للتواصل ولا شفافة. وقد أفسد التَسلُّـع والتعاقد اللغة فأصبحـت قادرة على التعـامل مع عـالم الأشياء دون عالم الإنسان، ولذا يستحيل التواصل من خلال اللغة المتشيئة. ومع هذا، تسيطر هذه اللغة المتشيئة على الإنسان وتسبب اغترابه. وفي احتجاجه يحاول الإنسان أن يُبعد اللغة عن عالم الأشياء فيُطوِّر لغة ذاتية مغرقة في الذاتية ويزداد التجريب اللغوي. والفنون الحداثية ليست محاكاة ولا تعبيراً عن الذات الإنسانية وليس لها هـدف وإنما هي احتجاج (بشكل واع أحياناً) على تَسـلُّع العالم، ولكنه احتجاج مأساوي يعرف انعدام جدوى الاحتجاج. ولذا، تظهر نظريـات تفترض استقلالية العمل الفني عن الواقع وأن العمل الفني هو مرجعية ذاته مكتف بذاته لا يشير إلا إلى ذاته، وذلك حتى يتم فصل الفنون عن عالم التَسـلُّع الواقعي الذي يتهدده. ويظهر التجريد والتجريب ورفض محاكاة الواقع وشرح العبث. وتصبح وظيفة النقد الأدبي والفني هي محاولة التوصل للقيم الجمالية لحماية الفنان من عالم السلع.

ب) في مرحلة ما بعد الحداثة تختفي الذات الإنسانية المستقلة الواعية وإن وُجدت فهي ذات منغلقة على نفسها وغير متماسكة، والواقع لا يُوجَد وإن وُجد فلا يمكن الوصول إليه. وتختفي المعيارية وإن وُجدت فهي معايير متعددة تنفي فكرة المعيارية المركزية وهو ما يعني استحالة المحاكاة أو التفاعل أو التواصل. وما دامت اللغة موجودة في قلب الثقافة، فهي ليست شفافة وليست موصلاً جيداً كما يتصور دعاة التحديث، فالدوال منغلقة على ذاتها ملتفة حولها، ومن ثم فهي منفصلة عن المدلولات، ولذا فالمعنى دائماً مختلف ومرجأ (الاخترجلاف).

ونفـس القـول ينطبق على النصـوص، فكل نص ينفتح على النصوص الأخرى، وكل نص يحيلك إلى نص آخر، وهكذا إلى ما لا نهاية (وهذه هي النصوصية وهي الاخترجلاف على مستوى النصوص). وهناك دائماً فائض في المعنى ليس بإمكان الإنسان التحكم فيه.

واللغة مكونة من صور مجازية متكلسة، أي أنها صور مجازية تأيقنت ولم تَعُد تصلح وسيلة لاستكشاف الواقع وللتعبير عن التعامل بين الذات والموضوع، فهو مجاز ملتف حول نفسه ومن ثم يخبئ الواقع ولا يوصله.

كل هذا يعني أن ليس ثمة واقع خارج النظام اللغوي أو شبكة الألعاب اللغوية، فكل كلام إن هو إلا كلام عن كلام في كلام، ولذا فالمعنى هو في واقع الأمر نتاج عابر للكلمات أو الدوال أو الصور المجازية، وأي حديث عن التحكم في اللغة كأداة للتواصل هو من لغو الحديث، فاللغة إرادة يفرضها الإنسان على الآخرين من خلال القوة. ومن ثم فالواقع هو نتاج الخطاب، وليس كما كان الظن في الماضي، أن الخطاب هو نتاج الواقع، واللغة هي التي تنتج الواقع والفكر. ولكن اللغة هي في ذاتها نتاج علاقات اللغة. وحينما نُعبِّر عن الحقيقة فما نخبر عنه ليس الحقيقة وإنما ترتيب جميل للكلمات متسق مع نفسه، فالحقيقة ليست حقيقة موضوعية وإنما هي وهم الحقيقة. وهذا يعني أن اللغة لا يمكن اسـتخدامها في تمثيل الواقع، فاللغة تُسـتخدَم أسـاساً للإفصاح عن المشـاعر الفردية بطريقة فردية. وبدلاً من أن تكون اللغة أداة التواصل بين الناس، تصبح سجن الإنسان. ومع هذا، يستطيع الإنسان أن يحقق قدراً من الحرية من خلال التفكيك ومن خلال إعلان فشل اللغة والمشروع الإنساني بأسره.

والنظام، في المجتمع، ليس ثمرة قصة كبرى (إنسانية مشتركة) أو جهد واع أو تَواصُل لغوي يخضع لبعض القواعد وإنما هو نتيجة الكلام والمحادثة (القصص الصغرى) لا الحوار (الذي يدور في إطار نص ثابت). بل إن العلاقات بين الناس هي نتيجة تَداخُل الألعاب اللغوية التي تُولِّد عقداً أو أنشوطة تربط الناس بعضهم ببعض، أي لا يوجد تَواصُل وإنما تشابك عـابر بين أطـراف. ويصبـح الفن (ما بعد الحداثي) مستقلاً عن الواقع بل عن الإنسان، فهو بلا غاية إلا اللعب الذي لا غاية له، وهو يدخل في حالة من التجريب الدائم. وهو لا يحاكي الواقع (فلا يُوجَد واقع ثابت) ولا يعبِّر عن وعي المؤلف (فقد تم إعلان موته)، ويظهر الكولاج والباستيش والسخرية، وتصبح مهمة النقد تفكيك النصوص ليبيِّن التناقضات الكامنة التي لا يمكن حسمها في كل نص وعمل.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق