إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 14 أغسطس 2014

170 موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري المجلد الأول: الإطـار النظــرى الجزء الرابع: العلمانية الشاملة الباب السابع: الثنائية الصلبة والسـيولة الشـاملة وما بعد الحداثة 2 ـ المعرفة:


170

موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية

للدكتور عبد الوهاب المسيري

المجلد الأول: الإطـار النظــرى

الجزء الرابع: العلمانية الشاملة
   
الباب السابع: الثنائية الصلبة والسـيولة الشـاملة وما بعد الحداثة

2 ـ المعرفة:

ينقسم العالم إلى وحدات طبيعية وإنسانية، متساوية ومستقلة ومختلفة ومنفصلة ومنغلقة، بسبب عدم وجود مركز ومرجعية كلية مشتركة، وتصبح كل وحدة ذات سيادة مطلقة ومرجعية ذاتها. وهذا يعني غياب أية مرجعية نهائية إنسانية أو موضوعية، ولذا فالعالم يتسم بالتعددية والتفتت والانقطاع والفوضى والمساواة والتساوي وحكم الصدفة وغياب السببية وظهور الاحتمالية والنسبية الكاملة والتَغيُّر الكامل والمستمر، ومن ثم يصبح من العسير الوصول إلى العالم، وإن وصل العقل إليه فلا يمكنه الإمساك به. ولذا تصبح المعرفة الكلية الإنسانية الشاملة مستحيلة فليس لها أساس إنساني أو طبيعي أو إلهي، ولا يمكن التمييز بين الحقيقي والزائف. ويرفض كل أنصار ما بعد الحداثة فكرة الحقيقة الكلية، فهي مخلفات عصر الاستنارة الذي افترض وجود نظام وقواعد ومنطق. والسؤال عن الحقيقة سؤال ميتافيزيقي، فالسؤال عن الحقيقة (أو ما الحق؟) لا يختلف تماماً عن: ما الإله؟ ولا يوجد شيء في واقع الأمر يُسمَّى «الحقيقة في ذاتها» (على حد قول دريدا) وإنما يوجد دائماً فائض من الحقيقة. "وحتى لو كان الأمر يخصني، عني، فإن الحقيقة دائماً تعددية. إن ما يوجد هو حقائق منفصلة وليس حقيقة كلية وهي شبكة من الألعاب اللغوية". وينكر فوكوه (الذي يؤمن بميتافيزيقا الصراع) وجود الحقيقة، فالحق ـ في تصوُّره ـ هو نتيجة القوة، يفرضه أصحاب المصلحة في فرضه، ولذا لا يمكن فصل الحقيقة عن القوة. بل إن ادعاء الحقيقة شكل من أشكال الإرهاب والشمولية. وبدلاً من الحقيقة الكلية والنظريات العظمى، يطالب أنصار ما بعد الحداثة بالقصص الصغرى، والمعارف البرجماتية غير المترابطة التي تدور داخل حدود سياقها. والوصول إلى الحقيقة يتم من خلال المحادثة والتفاوض البرجماتي (أي الاتصال بين قصتي الصغرى وقصتك الصغرى) لا الحوار في إطار قصة عظمى لها شرعية عند كل أو معظم البشر. داخل هذا الإطار، تصبح العلوم الإنسانية بغير جدوى ولا تؤدي إلى تحضُّر الإنسان ولا إلى مساعدته في تحقيق إنسانيته (وما جوهر هذه الإنسانية أصلاً؟ وما هو الجوهر أساساً؟). لكل ما تقدَّم، لا يمكن القول بأن العقل يستطيع محاكاة الواقع، فهو ليس مرآة له، ويستحيل من ثم إصدار الأحكام والتفسير والتخطيط والتحكم ومراكمة المعلومات والاستفادة منها، بل يعني هذا استحالة الإبداع الحقيقي.

وهنا يظهر نوعان من ما بعد الحداثة يحلان محل المشروع الاستناري القديم، حين كان هدف الفلسفة هو محاولة التوصل إلى الحقيقة الكبرى الكامنة في حركة الطبيعة وقوانينها وتجريدها والوصول إلى نماذج مادية تفسيرية تتسم بالشمول الكامل. يرى أنصار ما بعد الحداثة أن المعرفة قابعة في القصص الصغرى المرتبطة بظروفها والمحددة بزمنيتها، الأمر الذي يترك عنصراً فعالاً واحداً وقيمة حاكمة كبرى ومقولة تحليلية كبرى هي إما اللغة أو القوة:

أ ) ما بعد الحداثة النصوصية أو اللغوية: وهي ترى أن اللغة ليست أداة لمعرفة الحقيقة وإنما هي أداة إنتاجها، فثمة أسبقية للغة على الواقع، ولذا فإن النموذج المهيمن هنا هو النموذج اللغوي. وترى ما بعد الحداثة النصية أن اللغة مكونة من صور مجازية لا تكشف الواقع وإنما تحجبه، فهي تشبه الزجاج المُعشَّق الذي تحاول أن ترى ما وراءه فتنشغل بألوانه وتنسى المدلول. واللغة مكونة من لعب الدوال المنفصلة عن المدلولات. ولذا، كما يقول دريدا، يسـتحيل معـرفة الواقع خارج نطاق الخطاب المستخدم ويستحيل التعبير عنه. والنص، أدبياً كان أم فلسفياً، مُعبَّأ بالصور المجازية التي تحجب الرؤية. ومن ثم، فإن النصوص الفلسفية، بل العلمية، إن هي إلا نصوص بلاغية مجازية مكتفية بذاتها ولا تشير إلى أي شيء خارجها (فلا يُوجَد شيء خارج النص). والنص شيء منفتح تماماً مرتبط بالنصوص الأخرى، ولكنه منعزل تماماً عن أي واقع موضوعي خارجه.

ب) ما بعد الحداثة الصراعية: النموذج هنا ليس اللغة وإنما إرادة القوة والحرب والمعارك، فالخطاب لا يُوجَد في ذاته على الإطلاق وإنما يُردُّ بأسره إلى الواقع. وإذا كانت ما بعد الحداثة اللغوية تقول "لا يُوجَد شيء خارج النص" فإن ما بعد الحداثة الصراعية تقول "لا يُوجَد شيء خارج القوة ولا يُوجَد أحد خارج نطاق القوة، فالمعرفة لا تُفهَم إلا في إطار علاقات القوة وتوزيعها، ومن يتحكم فيها يتحكم في كل شيء". والقوة في هذا السياق تحل محل اللغة (ومحل العلوم الطبيعية) فهي لا تهيمن على الواقع وحسب وإنما تعيد إنتاجه، وهي لا تكبـح جماح الناس وإنما تعيد صياغتهم. واللغة نفسها ليست أداة للتواصل ولا حتى أداة للقمع بل هي القمع نفسه. والقوة ليست مركزاً ثابتاً وإنما هي مجموعة من العلاقات تتخلل النظام الاجتماعي بأسره بأشكال مختلفة. ولذا، لا يمكن إعطاء أسبقية أو أولوية سببية للعنصر الاقتصادي. والانعتاق لا يكمن في العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للدخل وإنما يكمن في التعبير عن الرغبة (التي تحاول النظم الاجتماعية أن تقمعها)، ولكن الرغبة نفسها أصبحن نهباً للتغلغل وسيطرت عليها صناعة اللذة والأحلام. ولذا، يصبح الشذوذ الجنسي أكثر أشكال الرغبة انعتاقاً، بل تصبح الرغبات السادية/المازوكية الشاذة قمة الانعتاق (وقد صرح فوكوه، وكان شاذاً جنسياً يمارس السادية/المازوكية، ويتردد دائماً على عاصمة الشذوذ الجنسي في العالم [سان فرانسيسكو]، بأن لحظة الانعتاق الوحيدة التي كان يشعر بها، هي لحظة ممارسته الجنس الشاذ على الطريقة السادية المازوكية، فهو بذلك يزيل آثار الميتافيزيقا تماماً وظلال الإله، إذ لا يبقى في العالم سوى جسده وجهازه العصبي وخلاياه وصيرورته الكاملة).

إن اللغة أو القوة هما الحقيقة (اللوجوس) وهما بديل مقولة المادة في الفلسفات المادية في عالم لا قوانين له ولا يتبع مُخطَطاً ولا يحركه شيء سوى دينامية كامنة فيه نابعة منه وغير مفهومة.

ولكن كيف تأتَّى لفلاسفة ما بعد الحداثة أن يدركوا غياب المرجعية والمعيارية وهيمنة القوة وسيطرة الصيرورة دون الاستناد إلى مرجعية ما ومعيارية ما ومعرفة بعالم عادل فيه كليات ثابتة؟ وكيف يكتبون وهم يعرفون أنهم لن يصلوا إلى شيء؟ لم لا يحجمون عن الكتابة والتفكير وكتابة المجلدات الفلسفية المعقدة؟ أليس من الأجدى لهم أن يبقوا في عالم الصيرورة الأكيدة الحسية ويحتسوا أفخر الخمور ويضاجعوا أجمل النساء والغلمان كما فعل الرومان في أواخر أيام الإمبراطورية، وكما يفعل الوثنيون العدميون عندما يشعرون بالعدمية تُطبق عليهم؟ ففي الخمر والنساء صيرورة ويقين الغياب والعدم. لا يُوجَد رد على هذا داخل النظام ما بعد الحداثي وإن كان دريدا قد حاول مرة الإجابة بقوله بأنه يعترف بأنه يقف داخل النظام الميتافيزيقي ويدرك هذا، أما الآخرون فيقفون في نظمهم الميتافيزيقية ولا يدركون هذه الحقيقة. وهذا هراء إذ تظل المشكلة قائمة: لم الكتابة المضنية إذن، وسهر الليالي، بدلاً من الصيرورة السهلة والانزلاق المستمر؟ من أجل مَنْ كل هذا العناء وكل هذه المعاناة؟



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق