إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 14 أغسطس 2014

169 موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري المجلد الأول: الإطـار النظــرى الجزء الرابع: العلمانية الشاملة الباب السابع: الثنائية الصلبة والسـيولة الشـاملة وما بعد الحداثة



169


موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية

للدكتور عبد الوهاب المسيري

المجلد الأول: الإطـار النظــرى

الجزء الرابع: العلمانية الشاملة
   
الباب السابع: الثنائية الصلبة والسـيولة الشـاملة وما بعد الحداثة

ويمكن تلخيص المقولات الأساسية لرؤية دعاة ما بعد الحداثة فيما يلي:

1 ـ الأنطولوجيا:

يرى دعاة ما بعد الحداثة (دريدا مثلاً) أن الأنطولوجيا الغربية بدأت مع أفلاطون وظلت أفلاطونية حتى النخاع. وجوهر المنظومة الأفلاطونية هو الإيمان بوجود عالم المُثُل (عالم الحق المطلق والمُثُل الثابتة، وهو عالم كلي متجاوز لعالمنا له هدف وغاية) من جهة، ومن جهة أخرى عالم المادة والتغير الذي يحجب عالم المُثُل، أي أن ثمة ثنائية أساسية في المنظومة الأفلاطونية تُعبِّر عن نفسها في ثنائية الدال (المحسوس) والمدلول (المتجاوز) وانفصال الواحد عن الآخر. ورغم أن عالم المادة يحجب عالم المُثُل فإن المنظومة الأفلاطونية تذهب إلى أن بإمكاننا التوصل إلى معرفة إنسانية من خلال الحواس والعقل ويمكننا توصيلها من خلال اللغة. ولكن كل ما نصل إليه من معنى هو ظلال لهذا العالم الكلي الثابت المتجاوز (يُطلق عليه أنصار ما بعد الحداثة «الحضور» أو «المدلول المتجاوز»، وهو معادل «الإله» في الديانات التوحيدية)، أي أن المعنى الذي نصل إليه يستند إلى ميتافيزيقا التجاوز، فثمة علاقة وثيقة حتمية بين ما يُسمَّى «الحقيقة» وبين ما يُسمَّى «الميتافيزيقا». ويُلاحَظ أن الحواس والعقل واللغة، كلها، مجرد آليات للوصول إلى الهدف النهائي، أي المعنى الكلي الثابت المتجاوز ذي الغرض، وهو الحقيقة، ولذا فهذه الآليات تُعتبَر ثانوية بالنسبة للأصل وتأتي بعده في الدرجة والمنزلة.

والمشروع التحديثي الغربي (في إطار العلمانية الشاملة) يقف على الطرف النقيض من هذه الرؤية الأفلاطونية الثنائية، فهو مشروع يهدف إلى إلغاء الثنائيات كافة وإلى فرض الواحدية المادية على العالم بحيث لا تُوجَد كليات من أي نوع، مادية أو روحية، ولا يوجد مبدأ واحد نهائي يمنح العالم التماسك والوحدة. والمشروع ما بعد الحداثي بهذا المعنى هو التحق النهاذي لمشروع الحداثة في محاولته القضاء على خرافة الميتافيزيقا وعلى أوهام الفلسفة الإنسانية الهيومانية بشكل كامل عن طريق القضاء على خرافة الحقيقة الكلية، فمثل هذه الحقيقة الكلية تستدعي عالماً متماسكاً متجاوزاً لعالمنا المادي المتبعثر. وإذا كان المشروع التحديثي يستند إلى ثنائية الذات المتماسكة التي تتفاعل مع موضوع متماسك داخل إطار الكل الثابت الذي يشير حتماً إلى الأصل المتجاوز (المدلول المتجاوز)، أي إلى الإله أو على الأقل إلى ظلاله، فإن "مشروع" ما بعد الحداثة (إن كان من الممكن تسميته كذلك) يحاول أن يزيل هذه الظلال فيعكس الآية وينكر الأصل المتجاوز أو أي أصل من أي نوع. فالكل المادي المتجاوز الذي له معنى لا يبقى منه سوى ماديته، والحقيقة كامنة في الحقائق، والكل كامن في الأجزاء المادية التي لا يربطها رابط، وكل حقيقة وجزء منغلق على ذاته، لكلٍّ مركزه، والعالم في حالة حركة دائمة وتَغيُّر دائم ولكنه ليـس بالضرورة تطـوراً ذا معنى وقصـد. وهذا هو جوهر ميتافيزيقا ما بعد الحداثة، فهي تفترض أن العالم مادة في حالة حركة دائمة: لا أصل لها ولا قصد. وتتسم كل مفاهيم ما بعد الحداثة (انظر: «الاخترجلاف» ـ «الهوة» ـ «الدال والمدلول») بهذه السمات الجـوهرية، ورغم أنهـم يصفـونها بأنها حـالة لا حضور ولا غياب، فإن جوهرها سلبي له صفات محددة، فميتافيزيقا ما بعد الحداثة ميتافيزيقا سلب تستند إلى حضور جوهر سلبي (انظر: «الهوة»).

وكل هذا يعني غياب أي مركز أو مرجعية أو معيارية ومن ثم أية ثنائية. ولذا، فإن أنصار ما بعد الحداثة يعتبرون مجرد استخدام كلمات مثل «يقين» أو «دوافع» أو «حق» أو «ذات» سقوطاً في الميتافيزيقا، وذلك باعتبار أن مثل هذه الكلمات تتضمن إشارة إلى حقائق.

وبطبيعة الحال، لا تعترف ما بعد الحداثة بثنائية الذات والموضوع (التي ظهرت بحدة مع ظهور العقلانية المادية)، وهي تحل إشكالية الثنائية الصلبة عن طريق السيولة الشاملة. فالذات لا تعرف مراكز مادية أو روحية، ولذا فهي لا يمكن أن تحدد هويتها ولا أن تتمتع بأي تماسك، وخصوصاً أنها تم تفكيكها وردها إلى المادة وإخضاعها للحركة التي من حولها. والموضوع ذاته ينطبق عليه نفس الوضع، فهو في حالة حركة، وكل شيء فيه عرضي إذ لا يوجد شيء ضروري. وهذا يعني، في واقع الأمر، أن الذات مساوية للموضوع ومنفصلة عنه تماماً، أي أن كل الأمور متساوية تماماً ومنفصلة تماماً ومختلفة تماماً. ولكن إذا كانت الذات جزءاً من واقعها المتحرك المتغير فهي حرة تماماً، إرادة كاملة ولكنها إرادة لا علاقة لها بالموضوع. وعلى كلٍ، فمن المستحيل للذات أن تصل إلى الموضوع، فالموضوع مساو لها ومنفصل عنها، ولذا فإن الحرية التي تمارسها الذات هي حرية لا تتجاوز حدودها وليست في نطاق موضوع آخر، ولا تدخل أبداً عالم التحقق الموضوعي، فهي محصورة بحدودها. وغياب المرجعية هذا يعني أن الحالة الإنسانية متعددة بشكل متطرف ونهائي، وأن البشر مُقسَّمون إلى وحدات متعددة لا يربطها رابط (إنسانية مشتركة). وكل هذا يعني سقوط الأسس التي يستند إليها الذات والموضوع واتصالهما، فتسقط الثنائية وتسود الواحدية. ولذا، لا يمكن الحديث في واقع الأمر عن ذات أو عن موضوع أو عن أية معـيارية من أي نوع، أو عـن أية مرجـعية، مادية كانت أم روحـية، إنسـانية كانت أم موضوعية، إذ تسود التعددية المفرطة التي هي في واقع الأمر تعبير عن غياب أي مركز أو أساس وعن طبيعة بشرية مشتركة. إن ظلال الإله قد اختفت تماماً، وأدركت الذات أن الاستنارة المظلمة قد خيمت على العالم فتكيفت مع حالة اللامعيارية باعتبارها حالة كلية نهائية. وإذا كان الحقيقي هو العقلاني (المادي) في عصر التحديث وهو المادي المتغير في عصر الحداثة، ففي عصر ما بعد الحداثة لا يوجد أي أساس للتمييز بين الحقيقي والزائف، وبالتالي فلا حقيقي ولا زائف.

وفي عصر التحديث، كان من الممكن ترتيب الواقع ترتيباً هرمياً من خلال المعيارية التي يستمدها الإنسان من ذاته ومن الطبيعة، أما في عصر ما بعد الحداثة فلا يوجد أي نظام أفقي أو رأسي. فلا تظهر معيارية وإنما تظهر القوة (النيتشـوية) والتكيـف (البرجماتي)، وتظهر الذاتية المطلقة المنغلقة على ذاتها، وتظهر التسـوية الكاملة بين الكائنات، أي تَساوي كل الكائنات من جميع الوجوه (النساء ـ اليهود ـ الغجر ـ القرود ـ الشواذ جنسياً)، فهو عالم غير هرمي إما أن يتحكم فيه الإنسان تماماً أو يخضع له تماماً.

ولذا، فإن عالم ما بعد الحداثة ليس نظاماً حركياً منفتحاً له مركز وغاية وتراتبه الهرمي مثل عالم التحديث، ولا هو بعالم مغلق يحاول الانفتاح مثل عالم الحداثة وأن يفرض ترتيباً هرمياً له معنى، وإنما هو نظام لا مركز له مُكوَّن من أنظمة صغيرة مغلقة، يدور كل منها حول مركزه وحول نفسه ويأخذ شكل صور متجاورة لكلٍّ معناها المستقل لا يربطها رابط ولا تُوجَد أية صلة بينها ولا توجد علاقة سببية واضحة، فكل إنسان يدرك الصورة القريبة منه. هذا يعني أن ليس ثمة طبيعة مادية موضوعية ولا طبيعة بشرية (ذاتية) ولا تُوجَد مبادئ متجاوزة، فهو عالم ذري متشظ ولكن ذراته سائلة متلاصقة، ولذا فهو عالم هلامي سائل دون أن تكون فيه ثغرات أو مسام وإن كان فيه هوة.

وعالم ما بعد الحداثة هو عصر البعديات (وسقوط كل القَبْليات بسقوط الكل المتجاوز)، فهو عصر ما بعد التاريخ وما بعد الإنسانية وما بعد السببية وما بعد المحاكاة وما بعد الميتافيزيقا وما بعد التفسير وما بعد التجاوز. ولعلنا لو أحللنا البادئة «أنتي anti» بمعنى «ضد» أو ربما عبارة «إند أوف end of» بمعنى «نهاية»، محل بادئة «بوست post» بمعنى «ما بعد» لاتضح المعنى ولأدركنا أن «ما بعد الحداثة» تعني في واقع الأمر «نهاية التاريخ» و«نهاية الإنسانية» و«نهاية السببية» و«نهاية المحاكاة» و«نهاية الميتافيزيقا» و«نهاية التفسير» (ويُعدُّ كتاب سوزان سونتاج ضد التفسير الصادر عام 1965 أول مانيفستو لما بعد الحداثة). وما بعد الحداثة، بهذا المعنى، تعني العداء للحداثة وفشل الحداثة ونهاية الحداثة وإفلاس الحداثة. فإذا كان جوهر المشروع الحضاري الغربي هو التحديث، فهل ما بعد الحداثة تعني نهاية الحداثة ونهاية الغرب؟ وهل يفسر هذا أن أيديولوجيا ما بعد الحداثة، التي تقف ضد العقل والمنطق والإنسان والمعنى وضد رؤية الأشياء في علاقتها الجدلية مع الإنسان وضد الكل وحدوده، تقف ضد كل ما هو عظيم وله قيمة في الحضارة الغربية الحديثة؟ وعلى هذا فإن السؤال يطرح نفسه وبحدة على هذا النحو: لم ظهرت هذه الفلسفة ولم اكتسحت الجميع في طريقها؟

وقد كانت تناقضات المشروع التحديثي تأخذ طابعاً معرفياً (إبستمولوجي): هل يمكن معرفة الواقع؟ هذا ما اتضح بشكل واضح في الحداثة، ولكنها في عصر ما بعد الحداثة ذات طابع أنطولوجي راديكالي: هل توجد حقيقة أساساً؟ هل يوجد عالم موضوعي؟ ما هو مكان الإنسان في الكون؟ ما هي الذات وما هو الموضوع؟



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق