إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 14 أغسطس 2014

165 موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري المجلد الأول: الإطـار النظــرى الجزء الرابع: العلمانية الشاملة الباب السابع: الثنائية الصلبة والسـيولة الشـاملة وما بعد الحداثة 2 ـ الواحدية الموضوعية المادية:



165


موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية

للدكتور عبد الوهاب المسيري

المجلد الأول: الإطـار النظــرى

الجزء الرابع: العلمانية الشاملة
   
الباب السابع: الثنائية الصلبة والسـيولة الشـاملة وما بعد الحداثة

2 ـ الواحدية الموضوعية المادية:

نقطة الانطلاق الثانية لمشروع التحديث والعلمنة الغربية هي الطبيعة/المادة، التي تصبح هي الأخرى مرجعية ذاتها، وموضع الحلول والكمون، ومركز الكون (اللوجوس)، قوانينها تتجاوز كل شيء ولا يتجاوزها شيء، وهي قوانين لا هدف لها ولا غاية، ولا تمنح الإنسان أية أهمية خاصة، وهو ما يعني أسبقية الطبيعة/المادة على كل شيء، وضمن ذلك الإنسان، كما يعني أن الكل الثابت المتجاوز هو في واقع الأمر الطبيعة/المادة (تأليه الطبيعة وإنكار الإله والإنسان). ومن رحم هذه الرؤية ظهرت الاستنارة المظلمة، التي ترى أن المشروع التحديثي (في إطار العلمانية الشاملة) هو في جوهره مشروع تفكيكي لا يؤدي إلى تأكيد مركزية الإنسان وإنما إلى رده إلى ما هو دونه (الطبيعة/المادة)، وإلغائه تماماً كمقولة مستقلة مركزية في النظام الطبيعي. فإذا كان الإنسان الحديث إنساناً عقلانياً مادياً حقاً كما يزعم، فعليه أن يتبنَّى رؤية علمية مادية موضوعية تجاه ذاته الإنسانية. ولكن المعرفة العلمية المادية معرفة موضوعية تنبع من نموذج الطبيعة/المادة، ولذا فهي ترفض الغائيات الإنسانية والخلقية. والحقيقة العلمية المادية منفصلة تماماً عن القيمة، والعقل (المادي) الذي يقوم بعملية مراكمة المعلومات وتطبيقها أداة تفكيكية لا تحترم الخصوصيات والأسرار ولا تهتم إلا بالتشابه والتجانس والنفع. وهذه المعرفة العلمية المادية (رغم تَجاوُّزها للإنسان وعدم اكتراثها به) ستُطبَّق على الإنسان لترشيده وترشيد حياته ثم لتفكيك العالم وتفكيك الذات الإنسانية.

وتنشـأ في إطار هذه المنظومة التحديثية العلمانية الشاملة، ذات نقطتي البدء، ثنائية صلبة وحالة استقطاب شـديد بين نموذجين: النموذج المتمركز حول الذات الإنسانية (المتألهة المطلقة المغلقة) التي تصبح مرجعية ذاتها ومرجعية الكون، والنموذج المتمركز حول الطبيعة/المادة (المتألهة المطلقة المغلقة) التي تصبح بدورها مرجعية ذاتها ومرجعية الكون.
ولإلقاء مزيد من الضوء على عملية الصراع بين النموذجين في مرحلة الثنائية الصلبة (التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع)، سنورد بعض معالم كل نموذج وتجلياته، وسنرمز للتمركز حول الذات بالحرف (أ) والتمركز حول الموضوع بالحرف (ب):

1ـ أ) التمركز حول الذات ووهم انتصار الذات على الموضوع والواحدية الذاتية، الإنسانية الهيومانية والإمبريالية (تأله الإنسان وإنكار الكون).

ب) ذوبان الذات في الطبيعة تدريجياً واختفاؤها وانتصار الموضوع وهيمنة الواحدية الموضوعية المادية (تأليه الكون وتكيف الإنسان مع الطبيعة وإذعانه لها، وإنكار الإنسان).

2ـ أ) مركز الكون كامن في الإنسان، والإنسان مرجعية ذاته.

ب) مركز الكون كامن في الطبيعة، والطبيعة مرجعية كل شيء، وضمن ذلك الإنسان، ولذا يفقد الإنسان مركزيته.
3ـ أ) الإنسان مقياس كل شيء، والإرادة هي إرادة القوة.

ب) القوانين الواحدية المادية تسري على الإنسان سريانها على الطبيعة.

4ـ أ) الطبيعة مادة يُسخِّرها الإنسان لاستعماله (فهي مجرد وسيلة بالنسبة للإنسان).

ب) الإنسان جزء من الطبيعة، ولذا فهو يُسخَّر في خدمة الموضوع، ويتحوَّل الإنسان (الغاية) إلى مجرد موضوع.

5ـ أ) الذاتية الكاملة والاهتمام فقط بالعالم الجواني وبخبايا ذات الإنسان وأبعاده المركبة والمظلمة.

ب) الموضوعية المصمتة والاهتمام فقط بالعالم البراني وبسطح الأشياء وبالسلوك.

6ـ أ) الخصوصية المفرطة ورفض كل التجريدات والتعميمات والإصرار على الشواهد المادية المحسوسة.

ب) العمومية المفرطة وتقبُّل المجردات والكليات اللاإنسانية والإذعان لها.

كما يأخذ الصراع بين النموذجين الأشكال التالية:

7ـ أ) الصدفة وعدم التحكم واختفاء المعيارية.

ب) الضبط الكامل للواقع والتحكم فيه والمعيارية الصارمة.

8ـ أ) الإبهام وعدم التحدد وعدم الفهم والشك الكامل.

ب) الوضوح الكامل والتحدد الموضوعي، والفهم الكامل لعالم الأشياء، واليقينية الكاملة.

9ـ أ) التعددية المفرطة وزيادة المعطيات الحسية.

ب) التنميط وظهور حضارة قطع الغيار.

ولكن رغم الصراع بين الطرفين يظل هناك مركز واحد، إما الإنسان أو الطبيعة/المادة، هو مصدر الوحدة والتماسك، هو الكل الثابت المتجاوز (الإنساني والطبيعي/المادي) الذي يتسم بجميع سمات الكل في النظم الميتافيزيقية.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق