164
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد الأول: الإطـار النظــرى
الجزء الرابع: العلمانية الشاملة
الباب السابع: الثنائية الصلبة والسـيولة الشـاملة وما بعد الحداثة
1 ـ الواحدية الذاتية: وتنقسم إلى عدة مراحل:
أ ) الواحدية الإنسانية (الهيومانية(:
نقطة الانطلاق الأولى لمشروع التحديث والعلمنة الغربي هي الإيمان بضرورة أن يواجه الإنسان الكون دون وسائط، حراً تماماً من قيود الحضارة والتاريخ والأخلاق، يرفض أية غيبيات أو ثوابت أو مطلقات متجاوزة لعالمه المادي ولحدود عقله. فالإله إما غير موجود، وإن وُجد فهو لا يتدخل في شئون هذه الدنيا، ويتركها للإنسان يسيرها حسب ما يراه. وهو إنسان متمركز تماماً حول ذاته التي لا حدود لها ولا قيود عليها، يرفض كل القيم القَبْلية والتعميمات والتجريد، يعيش حسب قوانينه الخاصة الفريدة النابعة من ذاته. فهو مرجعية ذاته ومقياس كل شيء لا يمكن محاسبته بأية معايير خاصة. والعقل بوسعه من خلال التعامل مع الواقع الطبيعي والتاريخي، ودون أية حاجة إلى وحي إلهي، أن يصل إلى تفسير كلي شامل لهذا العالم وأن يولِّد المنظومات المعرفية والأخلاقية والجمالية اللازمة لأن يسيِّر حياته. وهذا يعود إلى وجود تماثل كامل بين قوانين العقل وقوانين الطبيعة. وعقل الإنسان الرشيد يولِّد لغة رشيدة، يمكنه من خلالها التواصل والحوار ومراكمة المعرفة، ويمكنه أن يدرس التاريخ (ثمرة احتكاك الإنسان بالطبيعة) فيزداد الإنسان وعياً وإدراكاً لما حوله ويزداد تقدُّمه.
كل هذا يعني وجود حقيقة كلية (قصة عظمى) وأن الإنسان هو الذي يدركها ويعيها، فهو إذن الكل الثابت المتجاوز. لكل هذا يعلن الإنسان أنه سيِّد الكون والمخلوقات بلا منازع، ومركز العالم بلا منافس، يتجاوز كل شيء ولا يتجاوزه شيء، لديه نزعة بروميثية فاوستية لأن يبتلع الكون بأسره ويهزمه ويُسخِّره، فهو إنسان إمبريالي كامل، الطبيعة بالنسبة له مجرد مادة استعمالية يهزمها ويُسخِّرها ويحوسلها. انطلاقاً من هذا الافتراض، يحاول هذا الإنسان أن يؤكد جوهره الإنساني (المستقل عن الطبيعة، السابق عليها)، وأن يتجاوز الطبيعة/المادة، بل طبيعته المادية نفسها، بقوة إرادته، وأن يفرض ذاته الإنسانية عليها، باسم إنسانيتنا المشتركة، أي باسم الإنسانية جمعاء (تأليه الإنسان وإنكار الطبيعة والإله). وقد وُلد من رحم هذه الرؤية المشروع التحديثي في مراحله البطولية الأولى، والفكر الإنساني الهيوماني وفكر حركة الاستنارة.
ب) الواحدية الإمبريالية والعرْقية:
يتحدث الإنسان الذي يؤكد جوهره الإنساني باسم كل البشر. ولكن في غياب أية مرجعية متجاوزة لذاته الفردية، ينغلق الإنسان على هذه الذات، فيصبح تدريجياً إنساناً فرداً لا يفكر إلا في مصلحته ولذته، ولا يشير إلى الذات الإنسانية وإنما إلى الذات الفردية. حينئذ تصبح الذات الفردية، لا "الإنسانية جمعاء"، هي موضع الحلول، فيؤله الإنسان الفرد نفسه في مواجهة الطبيعة وفي مواجهة الآخرين ويصبح إنساناً إمبريالياً. وحينما يستمد هذا الإنسان الإمبريالي معياريته من ذاته الإمبريالية التي تستبعد الآخرين يصبح إنساناً عنصرياً يحاول أن يستعبد الآخرين ويوظفهم، بل يوظف الطبيعة نفسها لحسابه. وهنا تظهر الثنائية الصلبة، ثنائية الأنا والآخر (تأليه الإنسان الغربي وإنكار الآخرين(.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق