إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 13 أغسطس 2014

131 موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري المجلد الأول: الإطـار النظــرى الجزء الرابع: العلمانية الشاملة الباب الرابع: مصطلحات الواحدية والاستيعاب فيها كل الأمور نسبيــة


131

موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية

للدكتور عبد الوهاب المسيري

المجلد الأول: الإطـار النظــرى

الجزء الرابع: العلمانية الشاملة
 
الباب الرابع: مصطلحات الواحدية والاستيعاب فيها

كل الأمور نسبيــة

«كل الأمور نسبية» ترجمة للعبارة الإنجليزية «أول ثنجز آر ريلاتيف all things are relative» وهي عبارة أساسية في الخطاب العلماني سواء في الشرق أو في الغرب، لا يدرك كثيرون تضميناتها المعرفية والأخلاقية. وهي تعني عدم وجود مطلقات ثابتة أو متجاوزة للعالم الطبيعي المادي (فهي الحياة الدنيا ليس إلا) ومن ثم لا يمكن الوصول إلى أي يقين معرفي، فالحقيقة نسبية. ومع غياب الحقيقة لا يمكن أن يكون هناك حق ولا يمكن التوصل إلى أية قيم أخلاقية فكل القيم الأخلاقية نسبية، وهذا يعني في واقع الأمر غياب المعيارية واختفاء أية إنسانية مشتركة ومن ثم سقوط مفهوم الإنسانية نفسه، إذ كيف يمكن أن يكون هناك مفهوم للإنسان دون أية معيارية معرفية أو أخلاقية؟ وكل هذا يعني نزع القداسة عن الأشياء كافة وتَساوي الإنسان بكل الكائنات وألا تكون له أية مكانة خاصة في الكون، أي أن يصبح الإنسان شيئاً ضمن الأشياء، تسري عليه القوانين الطبيعية/المادية، وتهيمن عليه الواحدية المادية.

فى التحليل الأخير، وفى نهاية الأمر والمطاف، إن هو إلا
«في التحليل الأخير، وفي نهاية الأمر والمطاف، إن هو إلا» ترجمة للعبارة الإنجليزية «إن ذي لاست أناليسيس، إت إز ناثنج بات in the last analysis, it is nothing but» وهي عبارة تَرد في الخطاب العلماني الاشتراكي أو الرأسمالي، وإن كانت أكثر شيوعاً في الخطاب الاشتراكي. وهي تعني أن الظواهر مهما بلغت (ومنها الظواهر الإنسانية) من تركيب وتشابك فيمكن أن تُرَدَّ (في التحليل الأخير وفي نهاية الأمر والمطاف) إلى ما هو دونها. وتستمر عملية الرد حتى نصل إلى المبدأ الواحد: الطبيعة/المادة الذي يحوي داخله مصدر التماسك والحركة للنسق، فيُرَدُّ البناء الفوقي بكل ما فيه من أفكار وطموحات إنسانية وحلم بالتجاوز إلى البناء التحتي المادي أو أيٍّ من المطلقات العلمانية المادية الطبيعية (الخصائص البيولوجية ـ الصفات الوراثية ـ البيئة الاجتماعية ـ شهوة التملك ـ إرادة القوة). قد يختلف مضامين البنية الفوقية وتتنوع ولكن البنية التحتية المادية الواحدية تظل هي الأصل، ومن ثم يمكن القول بأن الإنسان وكل منتجاته الحضارية «إن هو إلا مادة»، وهذه هي نفسها عملية التفكيك.

ورغم أن الخطاب الليبرالي أكثر صقلاً على مستوى القول، إلا أنه على مستوى البنية الفعلية يدور في نفس الإطار، فالمفهوم النفعي للأخلاق ونماذج التنمية التي تصدر عن رؤية اقتصادية محضة وتأكيد الملكية الشخصية وتصوُّر أن آليات السوق (اليد الخفية) هي التي تأتي بالتناسق للمجتمع من تلقاء نفسها هي جميعاً مفاهيم تدل على أن كل ما هو إنساني يُرَدُّ في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير إلى المادة، فكل ما هو إنساني إن هو إلا مادي.

الترشيد فى إطار العلمانية الشاملة (العقلانية التكنولوجية أو المادية(
من المفاهيم الأساسية التي استُخدمت لدراسة المجتمعات الحديثة مفهوم الترشيد. وكلمة «يُرشِّد» لها عدة معان:

1 ـ يُسوِّغ أو يُبرِّر، بمعنى: يُفسِّر المرء سلوكه بأسباب معقولة أو مقبولة ولكنها غير صحيحة.

2 ـ ومن المعاني الأخرى المتواترة لكلمة «يُرشِّد»: يُوظِّف الوسائل بأكثر الطرق كفاءة لخدمة أهداف معينة.

وهذان المعنيان للكلمة ينصرفان إلى الوسائل وحسب. ولكن هناك معنيين آخرين يؤكدان أن الترشيد ليس مسألة خاصة بالوسائل وحسب، بل تخص الموضوع أيضاً:

3 ـ يستعيض عن التفسير الغيبي لشيء ما بتفسير طبيعي (مطابق للمبادئ العقلية ولقوانين الطبيعة/المادة(.

4 ـ يجعل الشيء مطابقاً للمبادئ العقلية والمادية.

وقد ميَّز ماكس فيبر بين نوعين من الترشيد:

1 ـ «فيرت راتيونيل wertrationell»، وتُترجَم إلى عبارة «رشيد في علاقته بالقيم» (أو «الترشيد المضموني»)، وهو يعادل (تقريباً) «الترشيد التقليدي» الذي يعني ألا يتعامل المرء مع الواقع بشكل ارتجالي وجزئي وإنما يتعامل معه بشكل منهجي متكامل، ومتسق مع مجموعة من القـيم الأخلاقية المطلقة والتـصورات المرجعية المـسبقة التي يؤمن بها. وعملية بناء الهرم الأكبر والفتح الإسلامي من العمليات التي لا يمكن إنجازها إلا من خلال هذا النوع من الترشيد.

2 ـ «زفيك راتيونيل zweckrationnel»، وتُترجَم إلى عبارة «رشيد في علاقته بالأهداف» (أو «الترشيد الشكلي أو الإجرائي» أو «الترشيد الأداتي»)، وهو الترشيد (المادي) الحديث المتحرر من القيم، والموجَّه نحو أي هدف يحدده الإنسان بالطريقة التي تروق له أو حسبما تمليه رغباته أو مصلحته. والترشيد الشكلي يتعلق بالكفاءة التكنولوجية وتوفير أفضل الوسائل والتقنيات لتحقيق الأهداف (أية أهداف) بأقل تكلفة ممكنة وفي أقصر وقت ممكن، وكلما كانت الوسائل أكثر فعالية كان الفعل أكثر رشداً من الناحية الشكلية أو الإجرائية. فالترشيد التقليدي (المضموني) يتم في إطار المطلق الديني أو الأخلاقي أو الإنساني والمرجعية المتجاوزة، أما الترشيد الحديث (الشكلي) فهو متحرر من القيمة (الدينية والأخلاقية والإنسانية) ويدور في إطار المرجعية المادية الكامنة، فلا علاقة له بأي مطلق. وهو منفصل عن الأهداف والمشاعر والغائيات الإنسانية (خيِّرة كانت أم شريرة(.

ولكن هذا ادعاء أيديولوجي ليس له ما يسانده، فثمة منظومة أيديولوجية (معرفية وأخلاقية) كاملة تتم في إطارها أية عملية من عمليات الترشيد. وفي حالة الترشيد الذي يدَّعي التجرد من القيمة فإنه عادةً ما يفترض الطبيعة/المادة مرجعية نهائية له.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق