130
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد الأول: الإطـار النظــرى
الجزء الرابع: العلمانية الشاملة
الباب الرابع: مصطلحات الواحدية والاستيعاب فيها
العقــل النقدى
«العقل النقدي» ترجمة للمصطلح الإنجليزي «كريتيكال ريزون critical reason» و«العقل النقدي» هو المفهوم الأساسي في كتابات مفكري مدرسة فرانكفورت (النظرية النقدية) ويُقال له أيضاً «العقل الكلي» أو «العقل الموضوعي» (مقابل «العقل الأداتي» أو «العقل الجزئي» و«العقل الذاتي»). وكلمة «نقدي» هنا مبهمة إلى حدٍّ ما، وتعود إلى مفهوم كانط في النقد. فكانط كان يرى عمله باعتباره جزءاً من المشروع التنويري الغربي الذي رفض جميع الحجج التقليدية القائمة وأخضع كل شيء للنقد. ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد وإنما أخذ خطوة للأمام وأخضع العقل للعملية النقدية نفسها، أي أن كانط أخضع أداة الاستنارة الكبرى للنقد وبيَّن حدودها الضيقة، متجاوزاً بذلك عقلانية عصر الاستنارة، أي أن هناك عقلانيتين: عقلانية مباشرة سطحية، وعقلانية أكثر عمقاً، وهذا هو الذي ترجم نفسه إلى عقلانية العقل الأداتي وعقلانية العقل النقدي.
ويتسم العقل النقدي بما يلي:
1 ـ ينظر العقل النقدي إلى الإنسان لا باعتباره جزءاً من كل أكبر منه يعيش داخل أشكال اجتماعية ثابتة معطاة، مُستوعَباً تماماً فيها وفي تقسيم العمل القائم، وإنما باعتباره كياناً مستقلاً مبدعاً لكل ما حوله من الأشكال التاريخية والاجتماعية.
2 ـ العقل النقدي يدرك العالم (الطبيعة والإنسان) لا كما تدركه العلوم الطبيعية، باعتباره مُعطَى ثابتاً ووضعاً قائماً وسطحاً صلباً، وإنما يدركه باعتباره وضعاً قائماً وإمكانية كامنة.
3 ـ العقل النقدي لا يقنع بإدراك الجزئيات المباشـرة، فهو قادر على إدراك الحقيقة الكلية والغاية من الوجود الإنسـاني.
4 ـ العقل النقدي قادر على التعرف على الإنسان ودوافعه وإمكانياته والغرض من وجوده.
5 ـ العقل النقدي، لكل ما سبق، قادر على تَجاوُز الذات الضيقة والإجراءات والتفاصيل المباشرة والحاضر والأمر الواقع (ولذا يمكن تسمية «العقل النقدي» بـ «العقل المتجاوز»). فهو لا يذعن لما هو قائم ويتقبله وإنما يمكنه القيام بجهد نقدي تجاه الأفكار والممارسات والعلاقات السائدة والبحث في جذور الأشياء وأصولها وفي المصالح الكامنة وراءها والمعارف المرتبطة بهذه المصالح (وهذا هو الجانب التفكيكي في العقل النقدي).
6 ـ الحقيقة الكلية التي يدركها العقل النقدي والإمكانيات الكامنة ليست أموراً مجردة متجاوزة للإنسان (الفكرة الهيجلية المطلقة) وإنما هي كامنة في الإنسان ذاته، والعقل النقدي قادر على رؤيتها في كمونها هذا (أي أن الإنسان يحل محل الفكرة المطلقة).
7 ـ لكل هذا، فالحقيقة لا تُوجَد في الواقع بذاته وإنما تقع بين الواقع الملموس (كما يحدده المجتمع من جهة) والخبرة الذاتية من جهة أخرى. ولذا فالوضع الأمثل هو وضع التوازن بين الذات والموضوع وهذا ما يقدر على إنجازه العقل النقدي وما يفشل فيه تماماً العقل الأداتي.
8 ـ التاريخ هو عملية كاملة تتحقق من خلالها الذاتية الإنسانية، أي أن التاريخ هو الذي يُردُّ إلى الإنسان (خالق التاريخ) وليس الإنسان هو الذي يُردُّ إلى التاريخ. ولذا، فإن المجتمع في كل لحظة هو تجل فريد للإنسان؛ وتحقق الإمكانية الإنسانية في التاريخ هو الهدف من الوجود الإنساني.
9 ـ يمكن إنجاز عملية انعتاق الإنسان من خلال التنظيم الرشيد للمجتمع (المبني على إدراك الإمكانية الإنسانية) من خلال الترابط الحر بين أفراد، عند كل منهم نفس الإمكانية لتنمية نفسه بنفس الدرجة وبذا يمتنع الاستغلال.
10 ـ بإمكان العقل النقدي أن يساهم في هذه العملية من خلال الجهد التفكيكي الذي أشرنا إليه. ويمكنه أيضاً القيام بجهد تركيبي إبداعي، فهو قادر على التمييز بين ما هو جوهري وبين ما هو عرضي، وعلى صياغة نموذج ضدي لا انطلاقاً مما هو مُعطَى وإنما مما هو مُتصوَّر وممكن في آن واحد ويمكن على أساسه تغيير الواقع، أي أن العقل النقدي يطرح أمام الإنسان إمكانية تَجاوُز ما هو قائم دائماً انطلاقاً من إدراكه لما هو ممكن داخله، أي أنه يفتح باب الخلاص والتجاوز أمام الإنسان وهو عكـس التكـيف والإذعـان للأمر الواقع (على طريقة العقل الأداتي).
ورغم أن مفكري مدرسة فرانكفورت لم يصرحوا بهذا، فيمكن القول بأن الحقيقة الكلية التي يتحدثون عنها هي حقيقة ثابتة، وأن الغاية الإنسانية التي يتحدثون عنها هي غاية نهائية، فكأنهم يعارضون ما هو ثابت ونهائي وكامن ويضعونه مقابل ما هو متغيِّر وآلي وظاهر. ورغم حديثهم الدائم عن المادية والتاريخية، فهم أكثر تركيباً من ذلك. فالكل الاجتماعي الذي يتحدثون عنه والإمكانية الإنسانية الكامنة التي يتعرفون عليها والكل الإنساني الذي لا يمكن فهمه إلا من منظور الغائية الإنسانية الكامنة فيه، هذه كلها ليست مفاهيم علمية مادية وإنما هي مفاهيم فلسفية متجاوزة لعالم الطبيعة/المادة. لكل هذا، يُطلَق على مدرسة فرانكفورت اصطلاح «إنسانية (هيومانية) ميتافيزيقية»، أي أن مقولة الإنسان تصبح مقولة متجاوزة لقوانين الطبيعة/المادة. وانطلاقاً من هذا، فإن مفكري مدرسة فرانكفورت يذهبون إلى أن آلية الخلاص ليست الطبقة العاملة وإنما المثقفون القادرون على التعرف على الإمكانيات الكامنة في الإنسان وعلى رؤية الماضي والحاضر والمستقبل، ثم يضيفون إلى المثقفين "أكثر العناصر تطوراً في الطبقة العاملة" (أي أكثر العناصر اقتراباً من المثقفين؟).
ويظهر التحليل الفلسفي مقابل التحليل العلمي المادي في رؤيتهم لليبرالية وعلاقتها بالفاشية. فالليبرالية، ابنة عصر الاستنارة، تدور حول المصلحة الآنية والعقل الذاتي (الأداتي) ويتم التناسق في المجتمع من خلال اليد الخفية التي لا يتحكم فيها أحد، والتي تتجلى بشكل متبلور في السوق وآليات العرض والطلب والبيع والشراء، أي أن ثمة غياباً كاملاً لأي إدراك للإمكانيات الإنسانية الكامنة وللغائية الإنسانية. ولذا، فإن العلوم الطبيعية والحسابات الكمية الصارمة تسيطر دون اعتبار لما هو إنساني. وحينما يدخل المجتمع الليبرالي مرحلة الأزمة، تحل الدولة محل اليد الخفية وتستمر في إدارة المجتمع بنفس الطريقة دون أي اعتبار لأية غائية إنسانية، ويسيطر العقل الأداتي تماماً. فآليات السوق ليست السبب في تَحوُّل الليبرالية إلى فاشية، ولكن السبب الحقيقي هو هيمنة العلوم الطبيعية والمنطق الكمي. وبهذا المعنى، فإن الفاشية كامنة في الليبرالية وكلاهما كامن في فكر حركة الاستنارة.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق