إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 24 مايو 2016

400 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الرابع ذكر خلع المهتدي وموته


400

الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الرابع

ذكر خلع المهتدي وموته

في رجب الخامس عشر منه خلع المهتدي وتوفي لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه‏.‏

وكان السبب في ذلك أن أهل الكرخ والدور من الأتراك الذين تقدم ذكرهم تحركوا في أول رجب لطلب أرزاقهم فوجه المهتدي إليهم أخاه أبا القاسم وكيغلغ وغيرهما فسكنوهم فرجعوا وبلغ أبا نصر محمد بن بغا أن المهتدي قال للأتراك‏:‏ إن الأموال عند محمد وموسى ابني بغا فهرب إلى أخيه وهوبالسن مقابل مساور الشاري فكتب المهتدي إليه أربعة كتب يعطيه الأمان فرجع هووأخوه حيسون فحبسهما ومعهما كيغلغ وطولب أبونصر محمد بن بغا بالأموال فقبض من وكيله خمسة عشر ألف دينار وقتل لثلاث خلون من رجب ورمي به من بئر فأنتن فأخرجوه إلى منزله وصلى عليه الحسن بن المأمون‏.‏

وكتب المهتدي إلى موسى بن بغا لما حبس أخاه أن يسلم العسكر إلى بابكيال ويرجع إليه وكتب إلى بابكيال أن يتسلم العسكر ويقوم بحرب مساور الشاري وقتل موسى بن بغا ومفلح فسار بابكيال بالكتاب إلى موسى فقرأه عليه وقال‏:‏ لست أفرح بهذا فإنه تدبير علينا جميعنا فما ترى فقال موسى‏:‏ أرى أن تسير إلى سامرا وتخبره أنك في طاعته ونصرته علي وعلى مفلح فهويطمئن إليك ثم تدبر في قتله‏.‏

فأقبل إلى سامرا فوصلها ومعه ياركوج وأسارتكين وسيما الطويل وغيرهم فدخلوا دار الخلافة لاثنتي عشرة مضت من رجب فحبس بابكيال وصرف الباقين فاجتمع أصحاب بابكيال وغيرهم من الأتراك وقالوا‏:‏ لم حبس قائدنا ولم قتل أبونصر بن بغا وكان عند المهتدي صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور فشاوره فيه فقال له‏:‏ إنه لم يبلغ أحد من آبائك ما بلغته من الشجاعة وقد كان أبومسلم أعظم شأنًا عند أهل خراسان من هذا عند أصحابه وقد كان فيهم من يعبده فما كان إلا طرح رأسه حتى سكتوا فلوفعلت مثل ذلك سكنوا‏.‏

فركب المهتدي وقد جمع له جميع المغاربة والفراغنة فصير في الميمنة مسرورًا البلخي وفي الميسرة ياركوج ووقف هوفي القلب مع أسارتكين وطبايغوا وغيرهما من القواد فأمر بقتل بابكيال وألقى رأسه إليهم عتاب بن عتاب فحملوا على عتاب فقتلوه وعطفت ميمنة المهتدي

وميسرته بمن فيها من الأتراك فصاروا مع إخوانهم الأتراك فانهزم الباقون عن المهتدي وقتل جماعة من الفريقين فقيل‏:‏ قتل سبع مائة وثمانون رجلا وقيل‏:‏ قتل من الأتراك نحوأربعة آلاف وقيل‏:‏ ألفان وقيل‏:‏ ألف‏.‏

وقتل من أصحاب المهتدي خلق كثير وولى منهزما وبيده السيف وهوينادي‏:‏ يا معشر المسلمين‏!‏ أنا أمير المؤمنين قاتلوا عن خليفتكم‏!‏ فلم يجبه أحد من العامة إلى ذلك فسار إلى باب السجن فأطلق من فيه وهويظن أنهم يعينونه فهربوا ولم يعنه أحد فسار إلى دار احمد بن جميل صاحب الشرطة فدخلها وهم في أثره فدخلوا عليه وأخرجوه وساروا به إلى الجوسق على بغل فحبس عند أحمد بن خاقان وقبل المهتدي يده فيما قيل مرارًا عديدة وجرى بينهم وبينه وهومحبوس كلام كثير أرادوه فيه على الخلع فأبى واستسلم للقتل فقالوا‏:‏ إنه كتب بخطة رقعة لموسى بن بغا وبابكيال وجماعة من القواد أنه لا يغدر بهم ولا يغتالهم ولا يفتك بهم ولا يهم بذلك وانه متى فعل ذلك فهم في حل من بيعته والأمر إليهم يقعدون من شاءوا‏.‏

فاستحلوا بذلك تقضي أمره فداسوا خصيتيه وصفقوه فمات وأشهدوا على موته أنه سليم به أثر ودفن بمقبرة المنتصر‏.‏

وقيل‏:‏ كان سبب خلعه وموته أن أهل الكرخ والدور اجتمعوا وطلبوا أن يدخلوا إلى المهتدي ويكلموه حاجاتهم فدخلوا الدار وفيها أبونصر محمد بن بغا وغيره من القواد فخرج أبونصر منها ودخل أهل الكرخ والدور وشكوا حالهم إلى المهتدي وهم في أربعة آلاف وطلبوا منه أن يعزل منهم أمراءهم وأن يصير الأمر إلى أخوته وأن يأخذ القواد وكتابهم بالمال الذي صار إليهم فوعدهم بإجابتهم إلى ما سألوه فأقاموا يومهم في الدار فحمل المهتدي إليهم ما يأكلون‏.‏

وسار محمد بن بغا إلى المحمدية وأصبحوا من الغد يطلبون ما سألوه فقيل لهم‏:‏ إن هذا أمر صعب وإخراج الأمر عن يد هؤلاء القواد ليس بسهل فكيف إذا جمع إليه مطالبتهم بالأموال فانظروا في أموركم فإن كنتم تصبرون على هذا الأمر إلى أن نبلغ غايته وإلا فأمير المؤمنين يحسن لكم النظر فأبوا إلا ما سألوه فدعوا إلى أيمان البيعة على أن يقيموا على هذا القول وأن يقاتلوا من قاتلهم وينصحوا أمير المؤمنين فأجابوا إلى ذلك فأخذت عليهم أيمان البيعة‏.‏

ثم كتبوا إلى أبي نصر عن أنفسهم وعن المهتدي ينكرون خروجه عن الدار بغير سبب وأنهم إمنا قصدوا ليشكوا حالهم ولما رأوا الدار فارغة أقاموا فيها فرجع فحضر عند المهتدي فقبل رجله ويده ووقف فسأله عن الأموال وما يقوله الأتراك فقال‏:‏ وما أنا والأموال قال‏:‏ وهل هي إلا عندك وعند أخيك وأصحابكما ثم أخذوا بيد محمد وحبسوه وكتبوا إلى موسى بن بغا ومفلح بالانصراف إلى سامرا وتسليم العسكر إلى قواد ذكروهم وكتبوا إلى الأتراك الصغار في تسلم العسكر منهما وكروا ما جرى لهم وقالوا‏:‏ إن أجاب موسى ومفلح إلى ما أمرا به من الإقبال إلى سامرا وتسليم العسكر وإلا فشدوهما وثاقا واحملوهما إلى الباب‏.‏

وأجرى المهتدي على من أخذت عليه البيعة كل رجل درهمين فلما وصلت الكتب إلى عسكر موسى أخذها موسى وقرئت عليه وعلى الناس وأخذوا عليهم البيعة بالنصرة لهم وساروا نحو سامرا فنزلوا عند قنطرة الرقيق لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب وخرج المهتدي وعرض الناس‏.‏

وعاد من يومه وأصبح الناس من الغد وقد دخل من أصحاب موسى زهاء ألف فارس منهم كوبكين وغيره وعاد وخرج المهتدي فصف أصحابه وفيهم من أتى من أصحاب موسى وترددت الرسل بينهم وبين موسى يريد أن يولي ناحية ينصرف إليها وأصحاب المهتدي يريدون أن تجيء إليهم ليناظرهم على الأموال فلم يتفقوا على شيء‏.‏

وانصرف عن موسى خلق كثير من أصحابه فعدل هوومفلح يريدان طريق خراسان وأقبل بابكيال وجماعة من القواد فوصلوا إلى المهتدي فسلموا وأمرهم بالانصراف وحبس بابكيال وقتله ولم يتحرك أحد ولا تغير شيء إلا تغيرًا يسيرأن وكان ذلك يوم السبت‏.‏

فلما كان الأحد أنكر الأتراك مساواة الفراغنة لهم في الدار ودخولهم معهم ورفع أن الفراغنة

إمنا تم لهم ما بعدم رؤساء الأتراك فخرجوا من الدار بأجمعهم وبقيت الدار على الفراغنة والمغاربة فأنكر الأتراك ذلك وأضافوا إليه طلب بابكيال فقال المهتدي للفراغنة والمغاربة ما جرى من الأتراك وقال لهم‏:‏ إن كنتم تظنون فيكم قوة فما أكره قربكم وإلا أرضيناهم من قبل تفاقم الأمر‏!‏ فذكروا أنهم يقومون به فخرج بهم المهتدي وهم في ستة آلاف منهم من الأتراك نحوألف وهم أصحاب صالح بن وصيف وكان الأتراك في عشرة آلاف فلما التقوا انهزم أصحاب صالح وخرج عليهم كمين للأتراك فانهزم أصحاب المهتدي وذكر نحوما تقدم إلا أنه قال إنهم لما رأوا المهتدي بدار أحمد بن جميل قاتلهم فأخرجوه وكان به أثر طعنة فلما رأى الجراح ألقى بيده إليهم وأرادوه على الخلع فأبى أن يجيبهم فمات يوم الأربعاء وأظهروه لناس يوم الخميس وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد‏.‏وكانوا قد خلعوا أصابع يديه ورجليه من كعبيه وفعلوا به غير شيء حتى مات وطلبوا محمد بن بغا فوجدوه ميتا فكسروا على قبره ألف سيف‏.‏

وكانت مدة خلافة المهتدي أحد عشر شهرًا وخمس عشرة ليلة وكان عمره ثمانيًا وثلاثين سنة وكان واسع الجبهة أسمر رقيقا أشهل جهم الوجه عريض البطن عريض المنكبين قصيرا وطويل اللحية ومولده بالقاطول‏.‏

كان المهتدي بالله من احسن الخلفاء مذهبا وأجملهم طريقة وأظهرهم ورعا وأكثرهم قال عبد اله بن إبراهيم الإسكافي‏:‏ جلس المهتدي للمظالم فاستعداه رجل على ابن له فأمر بإحضاره فأحضر وأقامه إلى جانب خصمه ليحكم بينهما فقال الرجل للمهتدي‏:‏ والله يا أمير المؤمنين ما أنت إلا كما قيل‏:‏ حكمتموه فقضى بينكم أبلج مثل القمر الزاهر لا يقبلا الرشوة في حكمه ولا يبالي غبن الخاسر فقال المهتدي‏:‏ أما أنت أيها الرجل فأحسن اله مقالتك وأما أنا فما جلست حتى قرأت‏:‏ ‏ «‏ونضع الموازين القسط ليوم القيامة‏» ‏ ‏ «‏الأنبياء‏:‏ 47‏» ‏‏.‏ الآية قال‏:‏ فما رأيت باكيًا أكثر من ذلك اليوم‏.‏

قال أبوالعباس بن هاشم بن القاسم الهاشمي‏:‏ كنت عند المهتدي بعض عشايا شهر رمضان فقمت لأنصرف فأمرني بالجلوس فجلست حتى صلى المهتدي بنا المغرب وأمر بالطعام فاحضر واحضر طبق خلاف عليه رغيفان وفي إناء ملح وفي آخر زيت وفي آخر خل فدعاني إلى الأكل وأكلت مقتصرًا ظنًا مني أنه يحضر طعامًا جيدا فلما رأى أكلي كذلك قال‏:‏ أما كنت صائمًا قلت‏:‏ بلى‏.‏

قال‏:‏ أفلست تريد الصوم غدًا قلت‏:‏ وكيف لا وهوشهر رمضان فقال‏:‏ كل واستوف عشاءك فليس ها هنا غير ما ترى‏.‏

فعجبت من قوله وقلت‏:‏ ولم يا أمير المؤمنين قد أسبغ اله عليك النعمة ووسع رزقهّ فقال‏:‏ إن الأمر على ما وصفت والحمد لله ولكني فكرت في انه من بني أمية عمر بن عبد العزيز فعزت لبني هاشم أن لا يكون في خلفائهم مثله وأخذت نفسي بما رأيت‏.‏

قال إبراهيم بن مخلد بن محمد بن عرفة عن بعض الهاشميين‏:‏ إن المهتدي وجدوا له سفطًا فيه جبة صوف وكساء وبرنس كان يلبسه بالليل ويصلي فيه ويقول‏:‏ أما يستحي بنوالعباس أن لا يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز وكان قد اطرح الملاهي وحرم الغناء والشراب ومنع أصحاب السلطان عن الظلم رحمه الله تعالى ورضي عنه‏.‏


يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق