إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 25 مايو 2016

438 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الرابع ذكر ولاية إبراهيم بن أحمد إفريقية


438

الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الرابع

ذكر ولاية إبراهيم بن أحمد إفريقية

في هذه السنة توفي محمد بن أحمد بن الأغلب صاحب إفريقية سادس جمادى الأولى وكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وستة عشر يومًا‏.‏

ولما حضره الموت عقد لابنه عقال العهد واستخلف أخاه إبراهيم لئلا ينازعه وأشهد عليه آل الأغلب ومشايخ القيروان وأمره أن يتولى الأمر إلى أن يكبر ولده فلما مات أهل القيروان إبراهيم وسألوه أن يتولى أمرهم لحسن سيرته وعدله فلم يفعل ثم أجاب وانتقل إلى قصر الإمارة وباشر الأمور وقام بها قيامًا مرضيًا‏.‏

وكان عادلا حازمًا في أموره أمن البلاد وقتل أهل البغي والفساد وكان يجلس لعدل في جامع القيروان يوم الخميس والاثنين يسمع شكوى الخصوم وبصبر عليهم ووينصف بينهم‏.‏

وكان القوافل والتجار يسيرون في الطرق آمنين‏.‏

وبنى الحصون والمحارس على سواحل البحر حتى كان يوقد النار من سبتة فيصل الخبر إلى

الإسكندرية في الليلة الواحدة وبني على سوسة سورا وعزم على الحج فرد المظالم وأظهر الزهد والنسك وعلم أنه إن جعل طريقه إلى مكة على مصر منعه صاحبها ابن طولون فتجري بينهما حرب فيقتل المسلمون فجعل طريقه على جزيرة صقلية ليجمع بين الحج والجهاد ويفتح ما بقي من حصونها فاخرج جميع ما أذخره من المال والسلاح وغير ذلك وسار إلى سوسة فدخلها وعليه فرومرقع في زي الزهاد أول سنة تسع وثمانين ومائتين وسار منها في الأسطول إلى صقلية‏.‏

وسار إلى مدينة فملكها سلخ رجب وأظهر العدل وأحسن إلى الرعية وسار إلى طبرمين فاستعد أهلها لقتاله فلما وصل خرجوا إليه والتقوا فقرأ القارئ‏:‏ ‏ «‏إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا‏» ‏ ‏ «‏الفتح‏:‏ 1‏» ‏‏.‏ فقال الأمير اقرأ‏:‏ ‏ «‏هذان خصمان اختصموا في ربهم‏» ‏ ‏ «‏الحج‏:‏ 19‏» ‏‏.‏ فقرأ فقال‏:‏ اللهم إني أختصم أنا والكفار إليك في هذا اليوم‏!‏ وحمل ومعه أهل البصائر فهزم الكفار وقتلهم المسلمون كيف شاءوا ودخلوا معهم المدينة عنوة فركب بعض من بها من الروم مراكب فهربوا فيها‏.‏

والتجأ بعضهم إلى الحصن وأحاط بهم المسلمون وقاتلوهم فاستنزلوهم قهرا وغمنوا أموالهم وسبوا ذراريهم وذلك لسبع بقين من شعبان وأمر بقتل المقاتلة وبيع السبي والغنيمة‏.‏

ولما اتصل الخبر بفتح طبرمين إلى ملك الروم عظم عليه وبقي سبعة أيام لا يلبس التاج وقال‏:‏ لا يلبس التاج محزون‏.‏

وتحركت الروم وعزموا على المسير إلى صقلية لمنعها من المسلمين فبلغهم أنه سائر إلى القسطنطينية فترك الملك ها عسكرًا عظيما وسير جيشًا كثيرًا إلى صقلية‏.‏

وأما الأمير إبراهيم فإنه لما ملك طبرمين بث السرايا في مدن صقلية التي بيد الروم وبعث سرية إلى ميقش وسرية إلى دمشق فوجدوا أهلها قد أجلوا عنها فغمنوا ما وجدوا بها‏.‏

وبعث طائفة إلى رمطة وطائفة إلى الياج فأذعن القوم جميعًا إلى أداء الجزية فلم يجبهم الرسل منها يطلبون الأمان فلم يجبهم‏.‏

وكان قد ابتدأ به المرض وهوعلة الذرب فنزلت العساكر على المدينة فلم يجدوا في قتالها لغيبة الأمير عنهم فإنه نزل منفردًا لشدة مرضه وامتنع منه النوم وحدث به الفواق وتوفي ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة تسع وثمانين ومائتين فاجتمع أهل الري من العسكر أن يولوا أمرهم أبا مضر بن أبي العباس عبد الله ليحفظ العساكر والأموال والخزائن إلى أن يصل إلى ابنه بإفريقية وجعلوا الأمير إبراهيم في تابوت وحملوه إلى إفريقية ودفنوه بالقيروان رحمه الله‏.‏

وكانت ولايته خمسًا وعشرين سنة وكان عاقلا حسن السيرة محبًا لخير والإحسان تصدق بجميع ما يملك ووقف أملاكه جميعها وكان له فطنة عظيمة بإظهار خفايا العملات فمن ذلك أن تاجرًا من أهل القيروان كانت له امرأة جميلة صالحة عفيفة فاتصل خبرها بوزير الأمير إبراهيم فأرسل إليها فلم تجبه فاشتد غرامه بها وشكا حاله إلى عجوز كانت تغشاه وكانت أيضًا لها من الأمير منزلة ومن والدته منزلة كبيرة وهي موصوفة عندهم بالصلاح يتبركون بها ويسألونها الدعاء فقالت للوزير‏:‏ أنا أتلطف بها وأجمع بينكما‏.‏

وراحت إلى بيت المرأة فقرعت الباب وقالت‏:‏ قد أصاب ثوبي نجاسة أريد تطهيرها فخرجت المرأة ولقيتها فرحبت بها وأدخلتها وطهرت ثوبها وقامت العجوز تصلي فعرضت المرأة عليها الطعام فقالت‏:‏ إني صائمة ولا بد من التردد إليك ثم صارت تغشاها ثم قالت لها‏:‏ عندي يتيمة أريد أن أحملها إلى زوجها فإن خفت عليك إعارة حليك أجملها به فعلت‏.‏

وأحضرت جميع حليها وسلمته إياها فأخذته العجوز وانرفت وغابت أياما وجاءت إليها فقالت لها‏:‏ أين الحلى فقالت‏:‏ هوعند الوزير عبرت عليه وهومعي فأخذه مني وقال لا يسلمه إلا إليك فتنازعتا وخرجت العجوز وجاء التاجر زوج المرأة فأخبرته الخبر فحضر دار الأمير إبراهيم وأخبره الخبر فدخل الأمير إلى والدته وسألها عن العجوز فقالت‏:‏ هي تدعولك فأمر بإحضارها ليتبرك بها فأحضرتها والدته فلما رآها أكرمها وأقبل عليها ثم إنه أخذ خاتمًا من إصبعها وجعل يقبله ويعبث به ثم إنه أحضر خصيًا له وقال له‏:‏ انطلق إلى بيت العجوز وقل لابنتها تسلم الحق الذي فيه الحلي وصفته كذا وهوكذا وكذا وهذا الخاتم علامة منها‏.‏

فمضى الخادم وأحضر الحق فقال لعجوز‏:‏ ما هذا فلما رأت الحق سقط في يدها وقتلها ودفنها في الدار وأعطى الحق لصاحبه وأضاف إليه شيئًا آخر وقال له‏:‏ أما الوزير فإن انتقمت منه الآن ينكشف الأمر ولكن سأجعل له ذنبًا آخذه به فتركه مدة يسيرة وجعل له جرمًا آخذه به فقتله‏.‏



يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق