إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 24 مايو 2016

399 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الرابع ذكر قتل صالح بن وصيف


399

الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الرابع

ذكر قتل صالح بن وصيف

وفيها قتل صالح بن وصيف لثمان بقين من صفر وكان سبه أن المهتدي لما كان لثلاث بقين من المحرم أظهر كتابًا زعم أن امرأة دفعته إلى سيما الشرابي وقالت‏:‏ إن فيه نصيحة وإن منزلها بمكان كذا فإن طلبوني فأنا فيه‏.‏

وطلبت المرأة فلم توجد وقيل إنه لم يدر من ألقى الكتاب‏.‏

ودعا المهتدي القواد وسليمان بن وه فأراهم الكتاب فزعم سليمان أنه خط صالح فقرأه على القواد فإذا أنه مستخف بسارما وإمنا استتر طلبًا للسلامة وإبقاء الموالي وطلبًا لانقطاع الفتن وذكر ما صار إليه من أموال الكتاب وأم المعتز وجهة خروجها ويدل فيه على قوة نفسه فلما فرغوا من قراءته وصله المهتدي بالحث على الصلح والاتفاق والنهي عن التباغض والتباين فاتهمه الأتراك بأنه يعرف مكان صالح ويميل إليه وطال الكلام بينهم في ذلك‏.‏

فلما كان الغد اجتمعوا بدار موسى من بغا داخل الجوسق واتفقوا على خلع المهتدي فقال لهم بابكيال‏:‏ إنكم قتلتم ابن المتوكل وهوحسن الوجه سخي الكف فاضل النفس وتريدون قتل هذا وهومسلم يصوم ولا يشرب النبيذ من غير ذنب‏!‏ والله لئن قتلتم هذا لأحقن بخراسان لأشيع أمركم هناك‏.‏

فاتصل الخبر بالمهتدي فتحول من مجلسه متقلدًا سيفا وقد لبس ثيابًا نظافًا وتطيب ثم أمر بإدخالهم عليه فدخلوا فقال لهم‏:‏ بلغني ما أنتم عليه ولست كمن تقدمني مثل المستعين أمر بإدخالهم عليه فدخلوا فقال لهم‏:‏ بلغني ما أنتم عليه ولست كمن تقدمني مثل المستعين والمعتز والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنط وقد أوصيت إلى أخي بولدي وهذا سيفي والله لأضربن بهخ ما استمسك قائمة بيدي والله لئن سقط منس شعرة ليهلكن وليذهبن أكثركم‏.‏

كم هذا الخلاف على الخلفاء والإقدام والجرأة على اله‏!‏ سواء عليكم من قصد الإبقاء عليكم ومن كان إذا بلغه هذا منكم دعا بالنبيذ فشربه مسرورًا بمكروهكم حتى تعلموا أنه وصل إلى شيء من دنياكم أما إنكم لتعلمون أن بعض المتصلين بكم أيسر من جماعة من أهلي وولدي سوأة لكم يقولون‏:‏ إني أعلم بمكان صالح وهل هوإلا رجل من الموالي فكيف الإقامة معه إذا ساء رأيكم فيه وإذا أبرمتم الصلح فيه كان ذلك ما أنفذه لجميعكم وإن أبيتم فشأنكم واطلبوا صالحأن وأما أنا فما أعلم مكانه‏.‏

قالوا‏:‏ فاحلف لنا على ذلك‏!‏ قال‏:‏ أما اليمين فنعم ولكنها تكون بحضرة بني هاشم والقضاة غدًا إذا صليت الجمعة ثم قال لبابكيال ولمحمد بن بغا‏:‏ قد حضرتما ما عمله صالح في أموال الكتاب وأم المعتز فإن أخذ منه شيئًا فقد أخذتما مثله‏.‏

فأحفظهما ذلك ثم أرادوا خلعه وإمنا منعهم خوف الاضطراب وقلة الأموال فأتاهم مال من فارس عشرة آلاف ألف درهم وخمس مائة ألف درهم فلما كان سلخ المحرم اتشر الخبر في العامة أن القوم قد اتفقوا على خلع المهتدي والفتك به وأنهم قد أهقوه وكتبوا الرقاع ورموها في الطريق والمساجد مكتوب فيها‏:‏ يا معشر المسلمين ادعوا الله لخليفتكم العدل الرضا المضاهي لعمر بن الخطاب أن ينصره على عدوه ويكفيه مؤونة ظالمه وتتم النعمة عليه وعلى هذه الأمة ببقائه فإن الأتراك قد أخذوه بأن يخلع نفسه وهويعذب منذ أيام وصلى الله على محمد‏.‏

فلما كان يوم الأربعاء لأربع خلون من صفر تحرك الموالي بالكرخ والدور وبعثوا إلى المهتدي وسألوه أن يرسل إليهم بعض إخوته ليحملوه رسالة فوجه إليهم أخاه أبا القاسم عبد الله فذكروا له أنهم سامعون مطيعون وأنهم بلغهم أن موسى وبابكيال وجماعة معهما يريدونه على الخلع وأنهم يبذلون دماءهم دون ذلك وما هم دون ذلك وشكوا تأخر أرزاقهم وما صار من الأقطاع والزيادات والرسوم إلى قوادهم التي قد أجحفت بالخراج والضياع وما قد اخذوا النساء والدخلاء فكتبوا بذلك كتابا فحمله إلى المهتدي وكتب جوابه بخطه‏:‏ قد فهمت كتابكم وسرني ما ذكرتم من طاعتكم فأحسن الله جزاءكم وأما ما ذكرتم من خلتكم وحاجتكم فعزيز علي ذلك ولوددت والله أن صلاحكم يهيأ بأن لا آكل ولا اشرب ولا أطعم ولدي إلا القوت ولا أكسوه إلا ستر العورة وأنتم تعلمون ما صار إلي من الأموال وأما ما ذكرتم من الإقطاعات وغيرها فأنا أنظر في ذلك وأصرفه إلى محبتكم إن شاء الله تعالى‏.‏

فقرأوا الكتاب وكتبوا بعد الدعاء يسألون أن يرد الأمور في الخاص والعام إلى أمير المؤمنين لا يعترض عليه معترض وأن يرد رسومهم إلى ما كانت عليه أيام المستعين وهو أن يكون على كل تسعة عريف وعلى كل خمسين خليفة وعلى كل مائة قائد وأن يسقط النساء والزيادات ولا يدخل مولى في ماله ولا غيره وأن يوضع لهم العطاء كل شهرين وأن تبطل الإقطاعات وذكروا أنهم سائرون إلى بابه ليقضي حوائجهم وإن بلغهم أن أحدًا اعترض عليه أخذوا رأسه وإن سقط من رأس أمير المؤمنين شعرة قتلوا بها موسى بن بغا وبابكيال وياجور وغيرهم‏.‏

وأرسلوا الكتاب مع أبي القاسم وتحولوا إلى سامرا فاضطرب القواد جدًا وقد كان المهتدي قعد للمظالم وعنده الفقهاء والقضاة وقام القواد في مراتبهم فدخل أبوالقاسم إليه بالكتاب فقرأه للقواد قراءة ظاهرة وفيهم موسى وكتب جوابه بخطه فأجابهم إلى ما سألوا ودفعه إلى أبي القاسم فقال أبوالقاسم لموسى بن بغا وبابكيال ومحمد بن بغا‏:‏ وجهوا معي رسلًا يعتذرون إليهم عنكم فوجهوا معه رسلا فوصلوا إلى الأتراك وهم زهاء ألف فارس وثلاثة آلاف راجل وذلك لخمس خلون من صفر فأوصل الكتاب وقال‏:‏ إن أمير المؤمنين قد أجابكم إلى ما سألتم وقال لهم‏:‏ هؤلاء رسل القواد إليكم ويعتذرون من شيء إن كان بلغكم عنهم وهم يقولون إمنا أنتم إخوة وأنتم منا وغلينا واعتذر عنهم‏.‏

فكتبوا إلى المهتدي يطلبون خمسة توقيعات توقيعًا بخط الزيادات وتوقيعًا برد الإقطاعات وتوقيعًا بإخراج الموالي البرانيين من الخاصة إلى البرانيين وتوقيعًا برد الرسوم إلى ما كانت عليه أيام المستعين وتوقيعًا برد البلاجي ثم يجعل أمير المؤمنين الجيش إلى أحد إخوته أوغيرهم ممن يرى ليرفع إليه أمورهم ولا يكون رجلًا من الموالي وأن يحاسب صالح بن وصيف وموسى بن بغا عما عندهما من الأموال ويجعل لهم العطاء كل شهرين لا يرضيهم إلا ذلك ودفعوا الكتاب إلى أبي القاسم وكتبوا كتابًا آخر إلى القواد موسى وغيره ذكروا فيه أنهم كتبوا إلى أمير المؤمنين بما كتبوا وأنه لا يمنعهم شيئًا مما طلبوا إلا أن يعترضوا عليه وأنهم إن فعلوا ذلك لم يوافقوهم وأن أمير المؤمنين إن شاكه شوكة وأخذ من رأسه شعرة وأخذوا رؤوسهم جميعا ولا يقنعهم إلا أن يظهر صالح ويجتمع هووموسى ابن بغا حتى ينظر أين الأموال‏.‏

فلما قرأ المهتدي التوقيعات الخمسة على ما سألوا وسيرها إليهم مع أبي القاسم وقت المغرب وكتب إليهم بإجابتهم إلى ما طلبوا وكتب إليهم موسى بن بغا كذلك وأذن في ظهور صالح و

ذكراه أخوه وابن عمه وانه ما أراد ما يكرهون فلما قرأوا الكتابين قالوا‏:‏ قد أمسينا وغدًا نعرفكم رأينا فافترقوا‏.‏

فلما كان الغد ركب موسى من دار الخليفة ومعه من عسكره ألف وخمس مائة رجل فوقف على طريقهم وأتاهم أبوالقاسم فلم يعقل منهم جوابًا إلا كل طائفة يقولون شيئا فلما طال الكلام انصرف أبوالقاسم فاجتاز بموسى بن بغا وهوفي أصحابه فانصرف معه‏.‏

ثم أمر المعتدي محمد بن بغا أن يسير إليهم مع أخيه أبي القاسم فسار في خمس مائة فارس ورجع موسى إلى مكانه بكرة وتقدم أبوالقاسم ومحمد بن بغا فواعدهم عن المهتدي وأعطياهم توقيعًا فيه أمان صالح بن وصيف موكدًا غاية التوكيد فطلبوا أن يكون موسى في مرتبة بغا الكبير وصالح في مرتبة أبيه ويكون الجيش في يد من هوفي يده وأن يظهر صالح ابن وصيف ويوضع لهم العطاء ثم اختلفوا فقال قوم‏:‏ قد رضينا وقال قوم‏:‏ لم نرض فانصرف أبوالقاسم فلما كان الغد ركب بنووصيف في جماعة معهم وتنادوا‏:‏ السلاح ونهبوا دواب العامة وعسكروا بسامرا وتعلقوا بأبي القاسم وقالوا‏:‏ نريد صالحًا‏!‏ وبلغ ذلك المهتدي فقال لموسى‏:‏ يطلبون صالحًا مني كأني أنا أخفيته إن كان عندهم فينبغي لهم أن يظهروه‏.‏

ثم ركب موسى ومن معه من القواد فاجتمع الناس إليه فبلغ عسكره أربعة آلاف فارس وعسكروا وتفرق الأتراك ومن معهم ولم يكن لكرخيين ولا للدوريين في هذا اليوم حركة وجد موسى ومن معه في طلب ابن وصيف واتهموا جماعة به فلم يكن عندهم ثم إن غلامًا دخل دارًا وطلب ماء لشربه فسمع قائلًا يقول‏:‏ أيها الأمير تنح فإن غلامًا يطلب ماء فسمع الغلام الكلام فجاء إلى عيار فأخبره فاخذ معه ثلاثة نفر وجاء إلى صالح وبيده مرآة ومشط وهويسرح لحيته فأخذه فتضرع إليه فقال‏:‏ لا يمكنني تركك ولكني أمر بك على ديار أهلك وقوادك وأصحابك فإن اعترضك منهم اثنان أطلقتك‏.‏

فأخرج حافيًا ليس على رأسه شيء والعامة تعدوخلفه وهوعلى برذون بأكاف فأتوا به نحوالجوسق فضربه بعض أصحاب موسى على عاتقه ثم قتلوه وأخذوا رأسه وتركوا جثته ووافوا به دار المهتدي قبل المغرب فقالوا له في ذلك فقال‏:‏ واروه ثم حمل رأسه وطيف به على قناة ونودي عليه‏:‏ هذا جزاء من قتل مولاه‏.‏

ولما قتل أنزل رأس بغا الصغير وسلم إلى أهله ليدفنوه لما قتل صالح قال السلولي لموسى بن بغا‏:‏ ونلت وترك من فرعون حين طغى وحيث إذ جئت يا موسى على قدر ثلاثة كلهم باغ أخوحسد برميك بالظلم والعدوان عن وتر وصيف في الكرخ ممثول به وبغا بالجسر محترق بالنار والشرر وصالح بن وصيف بعد منعفر بالحير جثته والروح في سقر ذكر اختلاف الخوارج على مساور في هذه السنة خالف إنسان من الخوارج اسمه عبيدة من بني زهير العمروي على مساور‏.‏

وسبب ذلك أنه خالفه في توبة المخطئ فقال مساور‏:‏ نقبل توبته وقال عبيدة‏:‏ لا نقبل فجمع عبيدة جمعًا كثيرًا وسار إلى مساور وتقدم إليه مساور من الحديثة فالتقوا بنواحي جهينة بالقرب من الموصل في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين واقتتلوا أشد قتال فترجل من عنده ومعه جماعة من أصحابه وعرقبوا دوابهم فقتل عبيدة وانهزم جمعه فقتل أكثرهم واستولى مساور على كثير من العراق ومنع الأموال عن الخليفة فضاقت على الجند أرزاقهم فاضطرهم ذلك إلى أن سار إليه موسى بن بغا وبابكيال وغيرهما في عسكر عظيم فوصلوا إلى السن فأقاموا به ثم عادوا إلى سامرا لما نذكره من خلع المهتدي‏.‏

فلما ولي المعتمد الخلافة سير مفلحًا إلى قتال مساور في عسكر كبير حسن العدة فلما قارب الحديثة فارقها مساور وقصد جبلين يقال لأحدهما زيني وللآخر عامر وهما بالقرب من الحديثة فتبعه مفلح فعطف عليه مساور وهوفي أربعة آلاف فارس فاقتتل هوومفلح‏.‏

وكان مساور قد انصرف عن حرب عبيدة وقد جمع كثيرًا من أصحابه فلقوا مفلحًا بجبل زيني فلم يصل مفلح منه إلى ما يريده فصعد رأس الجبل فاحتمى به ونزل مفلح في أصل الجبل وجرى بينهما وقعات كثيرة ثم أصبحوا يوما وطلبوا مساورا فلم يجدوه وكان قد نزل ليلًا من غير الوجه الذي فيه مفلخ لما أيس من الظفر لضعف أصحابه من الجراح فحيث لم يره مفلح سار إلى الموصل فسار إلى ديار ربيعة سنجار ونصيبين والخابور فنظر في أمرها ثم عاد إلى الموصل فاحسن السيرة في أهلها ورجع عنها في رجب متأهبًا للقاء مساور‏.‏

فلما قارب الحديثة فارقها مساور وكان قد عاد إليها عند غيبة مفلح فتبعه مفلح فكان مساور يرحل عن المنزل فينزله مفلح فلما طال الأمر على مفلح وتوغل في الجبال والشعاب والمضايق وراء مساور ولحق الجيش الذي معه مشقة ونصب عاد عنه فتبعه مساور يقفو أثره ويأخذ كل من ينقطع عن ساقه العسكر فرجع إليه طائفة منهم فقاتلوه ثم عادوا ولحقوا مفلحا ووصلوا الحديثة فأقام بها مفلح أياما وانحدر أول شهر رمضان إلى سامرا فاستولى حينئذ مساور على البلاد وجبى خراجها وقويت شوكته واشتد أمره‏.‏



يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق