283
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الثالث
ذكر بيعة الوليد بن يزيد ابن عبد الملك
قيل: وكانت بيعته لست مضين من شهر ربيع الآخر من السنة وقد تقدم عقد أبيه ولاية العهد
له بعد أخيه هشام بن عبد الملك وكان الوليد حين جعل ولي عهد بعد هشام ابن إحدى عشرة سنة ثم عاش من بعد ذلك فبلغ الوليد خمس عشرة سنة فكان يزيد يقول: الله بيني وبين من جعل هشامًا بيني وبينك.
فلما ولي هشام أكرم الوليد بن يزيد حتى ظهر من الوليد مجون وشرب الشراب وكان يحمله على ذلك عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدبه واتخذ له ندماء فأراد هشام أن يقطعهم عنه فولاه الحج سنة ست عشرة ومائة فحمل معه كلابًا في صناديق وعمل قبة على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة وحمل معه الخمر وأراد أن ينصب القبة على الكعبة ويشرب فيها الخمر فحرمه أصحابه وقالوا: لا نأمن الناس عليك وعلينا معك.
فلم يفعل.
وظهر للناس منه تهاون بالدين واستخفاف فطمع هشام في البيعة لابنه مسلمة وخلع الولي وألاد الوليد على ذلك فأبى فقال له: اجعله بعدك فأبى فتنكر له هشام وأضر به وعمل سرًا في البيعة لابنه مسلمة فأجابه قوم وكان ممن أجابه خالاه محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل وبنو القعقاع بن خليد العبسي وغيرهم من خاصته فأفرط الوليد في الشراب وطلب اللذات فقال له هشام: ويحك يا وليد والله ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا! ما تدع شيئًا من المنكر إلا أتيته غير متحاش فكتب إليه الوليد: يا أيها السائل عن ديننا نحن على دين أبي شاكر فغضب هشام على ابنه مسلمة وكان سكنى أبا شاكر وقال له: يعيرنيالوليد بك وأنا ارشحك للخلافة! فألزمه الأدب وأحضره الجماعة وولاه الموسم سنة تسع عشرة ومائة فأظهر النسك واللين ثم إنه قسم بمكة والمدينة أموالًا فقال مولى لأهل المدينة: يا أيها السائل عن ديننا نحن على دين أبي شاكر الواهب الجرد بأرسانها ليس بزنديق ولا كافر يعرض بالوليد.
وكان هشام يعيب الوليد ويتنقصه ويقصر بهن فخرج الوليد ومعه ناس من خاصته ومواليه فنزل بالأزرق على ماء له بالأردن وخلف كاتبه عياض ين مسلم عند هشام ليكاتبه بما عندهم وقطع هشام عن الوليد ما كان يجرى عليه وكاتبه الوليد فلم يجبه إلى رده وأمره بإخراج عبد الصمد من عنده وأخرجه وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه فضرب هشام ابن سهيل وسيره وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد فضربه وحبسه فقال الوليد: من يثق بالناس ومن يصنع المعروف! هذا الأحوال المشؤوم قدمه أبي على أهل بيته وصيره ولي عهده ثم يصنع بي ما ترون لا يعلم أن لي في أحدٍ هوى إلا عبث به! وكتب إلى هشام في ذلك يعاتبه ويسأله أن يرد عليه كاتبه فلم يرده فكتب إليه الوليد:
تثير على الباقين مجنى ضغينه فويل لهم إن مت من شر ما تجني كأني بهم والليت أفضل قولهم ألا ليتنا والليت إذ ذاك لا يغني كفرت يدًا من منعمٍ لو شكرتها جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن فلم يزل الوليد مقيمًا في تلك البرية حتى مات هشام فلما كان صبيحة اليوم الذي جاءته فيه الخلافة قال لأبي الزبير المنذر بن أبي عمرو: ما انت علي ليلة من عقلت عقلي أطول من هذه الليلة! عرضت لي هموم وحدثت نفسي فيها بأمور هذا الرجل يعني هشامًا قد أولع بي فاركب بنا نتنفس. فركبا وسارا ميلين.
ووقف على كثيب فنظر إلى رهج فقال: هؤلاء رسل هشام نسأل الله من خيرهم إذ بدا لاجلان على البريد أحدهما مولى لأبي محمد السفياني والآخر جردبة فلما قربا نزلا يعدوان حتى دانوا منه سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل.
فقرأه وسأل مولى أبي محمد السفياني عن كاتبه عياض فقال: لم يزل محبوسًا حتى نزل بهشام الموت فأرسل إلى الخزان وقال: احتفظوا بما في أيديكم فأفاق هشام فطلب شيئًا فمنعوه فقال: إنا لله كنا خزانًا للويلد! ومات من ساعته وخرج عياض من السجن فتم أبواب الخزائن وأنزل هشامًا عن فرشه وما وجدوا له قمقمًا يسخن له فيه الماء حتى استعاروه ولا وجدوا كفنًا من الخزائن فكفنه غالب مولاه فقال: وملكنا من بعد ذا ك فقد أورق الشجر فاشكروا الله إنه زائد كل من شكر وقيل: إن هذا الشعر لغير الوليد.
فلما سمع الوليد موته كتب إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان أن يأتي الرضافة فيحمي ما فيها من أموال هشام وولده وعياله وحشمه إلا مسلمة بن هشام فإنه كلم أباه في الرفق بالوليد.
فقدم العباس الرصافة ففعل ما كتب به الوليد إليه وكتب به إلى الوليد فقال الوليد ليت هشامًا كان حيًا يرى محلبه الأوفر قد أترعا ويروى: ليت هشامًا عاش حتى يرى مكياله الأوفر قد طبعا كلناه بالصاع الذي كاله وما ظلمناه به إصبعا وما أتينا ذاك عن بدعةٍ أحله الفرقان لي أجمعا وضيق على أهل هشام وأصحابه فجاء خادم لهشام فوقف عند قبره وبكى وقال: يا أمير المؤمنين لو رأيت ما يصنع بنا الوليد.
فقال بعض من هناك: لو رأيت ما صنع بهشام لعلمت أنك في نعمة لا تقوم بشكرها! إن هشامًا في شغل مما هو فيه عنكم.
واستعمل الوليد العمال وكتب إلى الآفاق بأخذ البيعة فجاءته بيعتهم وكتب إله مروان بن محمد ببيعته استأذنه في القدوم عليه.
فلما ولي الوليد أجرى على زمنى أهل الشام وعميهم وكساهم وأمر لكل إنسان منهم بخادم وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة وزادهم وزاد الناس في العطاء عشرات ثم زاد أهل الشام بعد العشرات عشرةً عشرةً وزاد الوفود ولم يقل في شيء يسأله إلا وقال: ضمنعت لكم إن لم تعقني عوائق بأن سماء الضر عنكم ستقلع سيوشك إلحاق معًا وزيداة وأعطية مني عليكم تبرع محرمكم ديوانكم وعطاؤكم به تكتب الكتاب شهرًا وتطبع قال حلم الوادي المغني: كنا مع الوليد وأتاه خبر موت هشام وهنئ بولايت الخلافة وأتاه القضيب والخاتم ثم قال: فأمسكنا سعة ونظرنا إليه بعين الخلافة فقال: غنوني: طاب يومي ولذ شرب السلافه وأتانا نعي من بالرصافة وأتانا البريد ينعى هشامًا وأتانا بخاتم للخلافة فاصطبحنا من خمر عانة صرفًا ولهونا بقينةٍ عرافه وحلف أن لا يبرح من موضعه حتى يغني في هذا اشعر ويشرب عليه ففعلنا ذلك ولم نزل نغني قم إن الوليد هذه السنة عقد لابنيه الحكم وعثمان البيعة من بعده وجعلهما وليي عهده أحدهما بعد الآخر وجعل الحكم مقدمًا وكتب بذلك إلى الأمصار العراق وخراسان ذكر ولاية نصر بن سيار خراسان للوليد في هذه السنة لى الوليد نصر بن سيار خراسان كلها وأفرده بها قم وفد يوسف بن عمر على الوليد فاشترى منه نصرًا وعماله فرد إليه الوليد ولاية خراسان وكتب يوسف إلى نصر يأمره بالقدوم ويحمل معه ما قدر عليه من الهديايا والأموال وأن يقدم معه بعياله أجميعين وكتب الوليد إلى نصر يأمره أن يتخذ له برابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة وأن يجمع له كل صناجه بخراسان وكل بازي وبرذون فاره ثم يسير بكل ذلك بنفسه في وجوه أهل خراسان.
وكان المنجمون قد أخبروانصرًا بفتنة تكون وألح يوسفعلى نصر بالقدوم وأرسل اليه رسولاٍ في ذلك وأمره أن يستحثه أوينادي في الناس أنه قد خلع.
فأرضى نصر الرسول واجازه فلم يمض لذلك إلايسير حتى وقعت الفتنة.
فتحول القصره بماجان واتخلف عصمة بن عبد الله الأسدي على خرسان وموسى بن ورقاء بالشاش وحسان من أهل الصغانيان بسمرقند ومقاتل بن علي السعدي بأمل وامرهم إذابلغهم خروجه من مرو ان يستجلبوا الترك ليعيروا ما وراء النهر فبينا هو يسير الى العراق طرقه مولى لبني ليث وأعلمه بقتل الوليد فلما أصبح أذن للناس وأحضر رسل الوليد وقال لهم: قد كان من مسيري ما علمتم وبعثي بالهدايا ما رأيتم وقد كان قدم الهدايا فبلغت بهيق وطرقني فلان ليلًا فأخبرني أن الوليد قد قتل ووقعت الفتنة بالشام وقدم المنصور بن جمهور العراقنوهرب يوسف بن عمر ونحن بالبلاد التي علمتم وكثت عدونا.
فقال سالم بنأحوز: أيها لأمير إنه بعض مكايد قريش أرادو تهجين طاعتك فسر ولاتمتحنا فقال: يا سالم أنت رجل لك علم بالحرب وحسن طاعة لبني أمية فأما مثل هذه الأمور فيها راي أمية ورجع بالناس.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق