99
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد الأول: الإطـار النظــرى
الجزء الثالث: الحلول الكمونية الوحدانية
الباب الأول: الحلولية ووحدة الوجـود والكمونية
ولنضرب بعض الأمثلة على اللغة الواحدية المتأيقنة أو تلك التي تحاول أن تصل إلى الواحدية:
1 ـ الصور والرسوم والنماذج والأشكال البيانية.
2 ـ اللغة التصويرية الصينية (الإيديوجراف) والكتابة الهيروغليفية حين تكون الكلمة هي نفسها الصورة المرئية للشيء، فيشار إلى " الشمس " بالشكل *، أو تكون الكتابة قائمة على رسوم ترمز إلى أشياء أو حالات (خلاف الكتابة الأبجدية المُكوَّنة من اجتماع حروف تستحيل أصواتاً وتستحيل الأخيرة مدلولات).
3 ـ الكلمات التي يُحاكي صوتها معناها مثل «أزيز الطائرات»، و«نهيق الحمير» و«وشوشة» و«غرغرة» و«سقسقة» و«فرقعة» و«طرقعة».
4 ـ صيحات الألم مثل «آه» فهي كلمة تعبِّر عن الألم ولكنها ملتصقة به تماماً (وكذلك صيحات اللذة الجنسية).
5 ـ يُقال إن لفظة «أم» (وهي لفظة تتكرر في كل اللغات) تشبه، حينما ينطقها الطفل، الصوت الذي يحدثه أثناء عملية الرضاعة. ويُلاحَظ أن الدال «أم» هنا قد التصق تماماً بالمدلول نفسه (حركة فم الطفل أثناء الرضاعة)، فهي، إذن، لفظة جنينية بمعنى الكلمة.
6 ـ الأيقونة حينما يظن العابد أنها تصبح موضع الحلول الإلهي بالفعل لا مجرد رمز له، والتمثال حينما يظن العابد أن الإله حل فيه فأصبح التمثال هو الإله، أي تَصنَّم.
7 ـ اللغة العلمية الدقيقة، وخصوصاً في حالتها الجبرية، إذ تصبح اللغة مجموعة من الدوال المكتفية بذاتها.
8 ـ اللغة الخاصة جداً التي لا يفهمها إلا صاحبها.
9 ـ التعويذات السحرية التي لا تعني شيئاً في حد ذاتها ولكنها من المفترض أن تؤدي إلى إحداث أثر ما.
10 ـ اسم الإله الأعظم حينما تُنسَب له مقدرات سحرية.
11 ـ كان الناقد المسرحي أنطوان أرتو (مُنظِّر ما يُسمَّى «مسرح القسوة») يطمح إلى مسرح أيقوني ليس مبنياً على الكلمات وإنما على حركة الجسد مباشرةً وعلى مشاركة المتفرجين، دون وجود نص يُقيِّدهم. وكان مثله الأعلى هو المسرح في الحضارات البسيطة حين تكون التجربة المسرحية هي نفسها تجربة دينية شعائرية لا تحتاج إلى نص أو مُخرج ولا يوجد ممثلون أو جمهور ولا يفصل فاصل بين الواحد والآخر.
12 ـ حاول أرتو نفسه أن يكتب ما سماه «الشعر اللفظي» وهو شعر مبني على تجاور أصوات لا دلالة لها، إلا أن تركيباتها النبرية تصنع حالات شعرية، أو هكذا كان الظن.
وعكس التأيقن واللغة الأيقونية هو الحرفية واللغة الحرفية. وهي تتحقق حينما لا يكون للدال أي قيمة في حد ذاته، لأنه يضاهي المدلول تماماً. ورغم اختلاف الأيقونية عن الحرفية، فإنهما يتشابهان تماماً في الواحدية الكمونية، فالأيقونة دال دون مدلول، والحرفية مدلول دون دال (أو دال لا قيمة له). ففي الحالة الأولى يكون المعنى كامناً في الدال وحسب، وفي الثانية يصبح المعنى كامناً في المدلول وحسب. واللغة المحايدة شكل من أشكال اللغة الحرفية، فاللغة المحايدة تحاول أن تكون شفافة تماماً بحيث تعكس الواقع كما هو.
والنظم الحلولية الكمونية تُعبِّر عن نفسها من خلال الأيقونية إذا كان مركز الكمون هو عقل الإنسان، وهي في هذه الحالة تستخدم صوراً مجازية عضوية، فالكائن العضوي المكتفي بذاته، الذي لا يشير إلى ما هو خارجه، هو قمة المرجعية الكامنة. كما تعبِّر الحلولية الكمونية عن نفسها من خلال الحرفية (إذا كان مركز الكمون هو الطبيعة والتاريخ). أما النظم التي تدور في إطار المرجعية المتجاوزة فتُعبِّر عن نفسها من خلال اللغة المجازية التي تؤكد المسافة بين الدال والمدلول وعلاقة الاتصال والانفصال بينهما.
وفي هذه الموسوعة نضع التأيقن الكامل مقابل العمومية الكاملة التي تصل إلى حالة السيولة. ففي حالة التأيقن يصبح الجزء مستقلاً تماماً عن أية مرجعية ويصبح هو الكل، مرجعية ذاته، ومركز الكمون. وتذهب بعض المدارس الفكرية (اللاعقلانية المادية) إلى أن كل ظاهرة كيان فريد لا يمكن أن تنتظمها أية أنماط، ومن ثم لا يمكن دراستها أو حتى فهمها، فالظاهرة هي تجسد اللوجوس ومركز الكمون. والشعب العضوي (فولك) هو تعبير عن حالة التأيقن هذه حين يحوي هذا الشعب معياريته داخله ولا يستطيع أحد أن يحكم عليه حسب معيارية خارجة عنه. والإنسان الطبيعي والتنويعات المختلفة عليه (الإنسان الدارويني والإنسان النيتشوي) يحمل معياريته داخله، فهو البدء والنهاية، هو الإنسان المتأله، بل هو الإله نفسه. على العكس من هذا تقف حالة العمومية الكاملة حيث يندمج الجزء في الكل تماماً فلا يكون له وجود خارجه ولا تكون له أية حدود مستقلة. وتذهب بعض المدارس (العقلانية المادية) إلى أن الظواهر كافة خاضعة لقانون واحد عام يمكن الوصول إليه ودراسته، ومن ثم يمكن التنبؤ بحركة الجزء في إطار معرفتنا بالكل. وثنائية التأيقن والعمومية هي صدى لثنائية صلبة أخرى: التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع.
المبدأ الحيوى (أنيميزم): الأساس العميق للحلولية الكمونية
«المبدأ الحيوي» بالإنجليزية «أنيميزم animism» ويُقال له أحياناً بالعربية «مذهب حيوية المادة» أو «الحيوية». وهو مذهب يرد الحياة والحركة إلى قوة باطنة في المادة هي «النفس» (باللاتينية: أنيما anima). ويشير المصطلح إلى المذهب الذي يرى أن الكون يشتمل على عدد كبير من الأرواح الكامنة في الأشياء والظواهر الطبيعية (من بينها أرواح الموتى وبخاصة الأسلاف، وقوى كونية مختلفة) ومن ثم نشأ الإيمان بضرورة معاملة هذه الظواهر (مثل الأشجار والجبال والأحجار) كما لو كانت شخصيات حية لها مقدرة في التأثير على الإنسان ومسار حياته والتَدخُّل في مجرى الحوادث. ولذا كان الإنسان يعاملها معاملته لبني الإنسان من استرضاء (من خلال القرابين) وأحياناً المراوغة. وتُعَدُّ عبادة الأرواح والأسلاف تنويعات على المبدأ الحيوي.
ونحن نرى أن كل الفلسفات والديانات الوثنية هي أيضاً تنويعات على هذا المبدأ، فالعبادة الرومانية هي عبادة تؤمن بمجمع الآلهة وبعدد هائل من آلهة كامنة في القوى الطبيعية والأماكن وهكذا. ولذا كان للمنزل إلهه وللمدفأة إلهتها، ولكل أسرة إلهها. وكان الإنسان يقدم القرابين لإله المكان لا إله العالمين. ولذا حينما كان ينتقل من بلدته إلى بلدة أخرى كان ينسى آلهته ويحاول التقرب لإله المكان الذي ارتحل إليه. وكلما ازدادت الوثنية رقياً قل عدد الآلهة، إلى أن نصل إلى فكرة الإله القومي الواحد الذي يحل في الأمة والشعب، ولكنه ليس إله العالمين وهو مقصور عليهما. ويمكن أن يصل المبدأ الحيوي إلى درجة من العالمية ويؤمن الإنسان بالنفس الكلية للعالم (باللاتينية: أنيما موندي anima mundi) وهو إله حال في الكون، فهو إله للعالمين ولكنه ليس مفارقاً للمادة أو التاريخ (وحدة وجود عالمية).
وكل العقـائد الحلولية الكمونية هي في جوهرها تنويعـات على المبدأ الحيـوي مع تزايد وتناقص في درجات التجريد. والأنيميزم البدائية هي أدناها في الدرجة، والحلولية الكمونية هي أكثرها تجرُّداً. ويمكن القول بأن الهيجلية هي قمة التجريد في المبدأ الحيوي (أعلى درجات وحدة الوجود المادية العالمية). وفكرة الإله/الصيرورة المحورية في المنظومة الهيجلية مرتبطة تمام الارتباط بالمبدأ الحيوي. والعلمانية هي الأخرى شكل من أشكال المبدأ الحيوي بعد أن استقرت الأنيما تماماً في المادة، بحيث أصبحت المادة مكتفية بذاتها، تحوي داخلها كل ما يكفي لتفسيرها. وبدلاً من أن يُقدِّم الإنسان القرابين للآلهة العديدة ويراوغها، أصبح يذعن لقوانين الحركة ولا يحاول التخلص من قبضتها (ويظهر التأرجح بين التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع، وبين تأليه الكون وإنكار الإنسان، وتأليه الإنسان وإنكار الكون). وتحوَّلت عبادة الأسلاف إلى الإيمان بالأرض والوطن والشعب، ولعل هذا يُفسِّر المفردات والصور المجازية الأساسية المشتركة بين المنظومات الحلولية الكمونية البدائية والمنظومات الحلولية الكمونية المتقدمة.
الماكروكوزم (الكون الأكبر) والميكروكوزم (الكون الأصغر ، أى الإنسان(
«الماكروكوزم (الكون الأكبر) والميكروكوزم (الكون الأصغر، أي الإنسان)» ترجمة للعبارة الإنجليزية «ماكروكوزم آند ميكروكوزم macrocosm and microcosm». وكلمة «كوزموس cosmos» تعني «كون» ولكنها تعني في الأصل «نظام» مقابل «كيوس chaos» أي «فوضى»، أما «ماكرو macro» و«ميكروmicro » فتعنيان «أكبر» و«أصغر» على التوالي. ومفهوم الماكروكوزم والميكروكوزم يؤكد أن ثمة تقابلاً كاملاً (أو شبه كامل) بين الكون والإنسان، سواء في الخصائص النفسية أو الروحية أو حتى في الخصائص الجسدية والتشريحية.
وهذا المفهوم أو النموذج المعرفي (أو الصورة المجازية الإدراكية) هو امتداد للمبدأ الحيوي (أنيميزم) والنفسانية الشاملة والاتجاه نحو إسقاط الخصائص الإنسانية على الكون (بالإنجليزية: أنثروبوموفيزم anthropomorphism)، بحيث يكون في العالم جوهر واحد (إنساني أو شبه إنساني) لا تتجاوزه كل الموجودات (ومنها الإله إن وجد(.
والمصدر الأساسي للفكرة هو حوارات أفلاطون (فيليبوس Philebus) التي طورها أفلوطين فيما بعد. ويرد هذا المفهوم (أو النموذج) في كتابات أرسطو والرواقيين (الذين سموا العالم «الحيوان الأكبر» [باليونانية: ميجا زون mega zoon]). ويَرد المفهوم كذلك في كتابات فيلو السكندري، وهي فكرة أساسية أيضاً في النصوص الهرمسية وفي القبَّالاه اليهودية والقبَّاله المسيحية من بعدها. وفي إطار هذه المفهوم تَطوَّر علم التنجيم (ويتضح في "الخرائط" التنجيمية حيث يُمثَّل الكون بأبراجه على هيئة جسد إنسان). وقد بُعث مفهوم الماكروكوزم والميكروكوزم في عصر النهضة، مع تصاعد معدلات الحلولية الكمونية وترجمة الكتابات الهرمسية و"اكتشاف" القبَّالاه اليهودية واستخدامها في تفسير الكتاب المقدَّس. وتستند فلسفة جيوردانو برونو إلى مفهوم الماكروكوزم والميكروكوزم، وهي أساس اهتمامه بالسحر وبفن الذاكرة، فالإنسان من خلال معرفته بذاته يمكنه أن يعرف كل أسرار الكون. وبعد تراجع الكتابات الهرمسية استمر النموذج في كتابات لايبنتس في فكرة الموناد.
وحتى بعد ظهور الرؤية العلمية الحديثة برؤيتها الآلية استمر نموذج الماكروكوزم والميكروكوزم في أشكال مختلفة مثل إيمان الفلاسفة بتماثل عقل الإنسان والطبيعة وتماثل قوانين العقل وقوانين الطبيعة. كما تظهر الفكرة مرة أخرى في فلسفة شوبنهاور وإيمانه بالعالم كإرادة وفي النظرية الداروينية. والنظريات العضوية ككل هي تنويع على المبدأ الحيوي وتجل لمفهوم الماكروكوزم والميكروكوزم. واصطلاحات «علمية» مثل «المادة ذاتية التنظيم» هي امتداد خافت لهذا المفهوم.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق