86
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد الأول: الإطـار النظــرى
الجزء الثاني: النماذج كأداة تحليلية
الباب الثالث: النموذج الاختزالي والنموذج المركـب
ويمكن تلخيص نقط قصور النماذج الاختزالية في دراسة الجماعات اليهودية فيما يلي:
1 ـ النماذج الاختزالية ـ كما أسلفنا ـ نماذج مغلقة، رؤيتها للتاريخ واحدية مُصمَتة وواضحة، فتطوُّر «التاريخ اليهودي» معروف مسبقاً ويتبع نمطاً محدَّداً: عبودية في مصر ـ خروج منها ـ تَغلغُل في كنعان ـ نفي إلى بابل ـ سقوط الهيكل ـ عودة إلى فلسطين في نهاية الأيام. فالعودة النهائية إلى صهيون أمر حتمي ومُتوقَّع في الرؤية المشيحانية، إذ سيأتي الماشيَّح ويقود شعبه إلى صهيون ويُنهي الآلام ويؤسس الفردوس الأرضي فيها ويصل بالتاريخ اليهودي إلى نهايته الفردوسية. والصهيونية هي الوريثة العلمانية لهذه الرؤية الدينية وتتبنَّى النمط نفسه، فبعد السقوط الشتات وآلام المنفى ثم العودة إلى صهيون والجنة. والإبادة النازية هي قمة المآسي تعقُبها العودة والدولة الصهيونية ونهاية التاريخ الفردوسية المُتوقَّعة حين يعود كل اليهود ليهنأوا في أرض أجدادهم وليؤسسوا دولة يهودية تكون منارة لكل الأمم.
2 ـ تسقط النماذج الاختزالية في نوع من السببية الاختزالية البسيطة السهلة، فتصبح كل النتائج لها سبب واحد وهذا ما يجعلها عاجزة عن تقديم تفسير معقول لتنوُّع الواقع. وعلى هذا، تكون المقدرة التفسيرية للنماذج الاختزالية (العلمية والتآمرية) ضعيفة للغاية.
أ ) ولنبدأ بالنماذج التآمرية التي ترى أن خصوصية اليهود تكمن في شرهم الأزلي وطبيعتهم الشيطانية التي لا تتغيَّر. ولكن إذا كان اليهود أشراراً متآمرين بطبيعتهم، وإذا كان اليهود والشر صنوين، فكيف نُفسِّر ظهور بعض اليهود الخيرين المعادين للصهيونية (أمثال الحاخام إلمر برجر وأعضاء الناطوري كارتا) المؤمنين بالإله الواحد والمعادين للصهيونية أكثر من عداء معظم العرب لها؟ وكيف نُفسِّر نجاح الجماعة اليهودية في الأندلس (إسبانيا الإسلامية) في الانتماء الكامل للحضارة العربية الإسلامية والتفاعل معها والإسهام فيها؟ بل تذهب كثير من المراجع إلى أنهم قاموا بمسـاعدة الفاتحين الإسـلاميين لشـبه جزيرة أيبريا، تماماً كما فعل اليهود السامريون أثناء الفتح الإسلامي لبيت المقدس. كما يُقال إن يهود العالم العربي ساعدوا العرب أثناء حروب الفرنجة بتسريب الأخبار لهم عن الاستعدادات العسكرية في أوربا وعن الحملات التي كانت تجردها أوربا (وكانت هذه هي أحد الأسباب التي حدت بالوجدان الغربي في العصور الوسطى إلى الربط بين اليهودي والمسلم). وإذا كان انتشار الشر في العالم مرده تأثير اليهود السيء على الشعوب (وهو ما يعني استبعاد احتمال وجود الشر في النفس البشرية، وتلك حقيقة تؤيدها كل الأديان السماوية ولا ينكرها سوى غلاة الحتميين الماديين) فكيف نُفسِّر ظهور الشر في بلاد لا يوجد فيها يهود، فتايلاند عاصمة الإباحية والبغاء في العالم لا يوجد فيها يهود، كما لا يوجد يهود بين الصرب الذي بعثوا أمجاد هتلر وإن كان الضحايا هذه المرة مسلمين؟
ب) تسقط النماذج الاختزالية العلمية المادية في التعميم المُخل فلا ترى المنحنى الخاص للظاهرة وهو ما يضعف مقدرتها التفسـيرية، فهي لا يمكـنها أن تُفسِّر لنا سـبب ظهور الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر وعدم ظهورها، مثلاً، في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي بعد حروب الفرنجة (التي يُقال لها «صليبية»)، وهي الحروب التي ارتُكبت المذابح أثناءها ضد تجمعات الجماعات اليهودية في غرب ووسط أوربا واجتثتها من جذورها في بعض الأحيان؟ كما أن النموذج الاختزالي يفشل في أن يفسِّر لنا سبب ظهور الصهيونية في شرق أوربا وليس في غربها، أو حتى في الولايات المتحدة، مع أن عدد يهود الولايات المتحدة مع بداية القرن كان آخذاً في التزايد حتى بلغ عدة ملايين قبيل الحرب العالمية الأولى؟ ولماذا ظلت فاشلة في إحراز أية انتصارات على مستوى الاستيطان في فلسطين أو على مستوى التحرك الدبلوماسي في العالم حتى عام 1917 (عام صدور وعد بلفور)؟
جـ) وتفشل النظريات الاختزالية (العلمية المادية) في تفسير لماذا اتخذت مشاكل اليهود الاجتماعية الاقتصادية شكل بنية تاريخية مُحدَّدة تُعرَف باسم «المسألة اليهودية»، وهي بنية قد تشترك في بعض قسماتها وملامحها العامة مع البنَى المماثلة ولكنها تختلف عنها في الملامح الخاصة وفي الحلول المطروحة؟ وتفشل النظريات العلمية في تفسير سبب توطين الإمبرياليين في فلسطين يهوداً وعدم توطينهم أوربيين مسيحيين كما فعلوا في الجزائر أو روديسيا؟ أليست كلها مصالح إمبريالية تخدم المخطط الإمبريالي؟ أوليس المستوطنون هم مجرد «الفائض البشري» الذي كان على أوربا الرأسمالية أن تُصدِّره إلى الشرق (وحينما نتحدث عن «فائض بشري» يجب ألا نفرِّق بين يهودي ومسيحي)؟ كما أن هذه النظريات لا يمكنها أن تفسر تَعيُّن البرنامج الصهيوني وخصوصيته، فالاستعمار الصهيوني ليس استعماراً بالمعنى العام بل هو استعمار استيطاني، كما أنه استعمار استيطاني يختلف عن الأنماط الاستيطانية التقليدية في أنه لا يهدف إلى الاستيطان وحسب بل يهدف إلى الإحلال أيضاً.
3 ـ تُبسِّط النماذج الاختزالية دوافع الآخر. فاليهود ـ حسب الرؤية الاختزالية (العلمية أو التآمرية) ـ دائمو التطلع لصهيون يهاجرون إليها إن سنحت الفرصة. ولكن هذه الأطروحة البسيطة لا تفسِّر أن عدد اليهود خارج فلسطين كانوا أكثر من عددهم داخلها قبل سقوط الهيكل، ولا تفسِّر لمَ لم يهاجر الملايين من اليهود إلى فلسطين بعد أن وقعت في يد الصهاينة وبعد أن فتحت أبوابها للهجرة الاستيطانية، بل وبعد تقديم الرشاوي المالية والعينية لمن يوافق منهم على الاستيطان؟ ولماذا كان من الضروري أن تُوصَد أبواب الولايات المتحدة أمام المهاجرين اليهود السوفييت حتى يضطروا للهجرة إلى إسرائيل؟
4 ـ من خصائص النماذج الاختزالية (العلمية أو التآمرية) أنها قابلة للتوظيف ببساطة في أي اتجاه. فعملية الاختزال، كما بيَّنا، هي عملية فصل الحقائق والوقائع عن سياقها الاجتماعي والتاريخي، ومن ثم يمكن فرض أي معنى عليها واستخلاص أية نتائج منها. ومن ثم يمكن استخدامها للتبشير بالحرب أو السلام، وباستمرار الصراع أو ضرورة وقفه، ويمكن المناداة بضرورة الحرب المستمرة ضد الإمبريالية الغربية متمثلة في قاعدتها إسرائيل، ويمكن أيضاً الحديث عن ضرورة التحالف مع الطبقة العاملة اليهودية.
5 ـ تُوظَّف النماذج الاختزالية في بث الهزيمة والرعب في قلب العرب، كما حدث في حكاية جريمة العصر، وكما يحدث في بعض الدراسات العربية التي تجعل همها توثيق قوة العدو دون أن تشير إلى جوانب أخرى، وكما حدث في النظريات التآمرية التي ترى أن اليهود قادرون على كل شيء فهم قوة عجائبية وظاهرة خرافية من المستحيل ضربها وإلحاق الهزيمة بها. ولذا، فإن الصهاينة يروجون النموذج الاختزالي العلمي التآمري إذ أن من صالحهم تضخيم دور اليهود عبر التاريخ والمبالغة في قدرات الدولة الصهيونية في كل المجالات، فهذا يُكسبهم شرعية غير عادية في عالم يؤمن بالنجاح والحلول العملية. ولعل كثيراً من الكتب التي تُنشَر تحت شعار «اعرف عدوك» تهدف إلى بث الرعب في نفوسنا عن طريق توفير بعض المعلومات الصلبة التي تؤكد أن العدو لا يُقهَر (وحجب غيرها من المعلومات). وعندي إحساس عميق بأن المخابرات الإسرائيلية قد ساهمت في نشرها تماماً كما تساهم في نشر البروتوكولات. ويجب أن نتذكر أن كثيراً من الدول الكبرى تبني أسلحة ولا تستخدمها لمجرد أن تبث الرعب في قلب أعدائها. بل إنها أحياناً تلوح بمقدرتها على إنتاج سلاح ما دون أن تفعل لتدعم موقفها التفاوضي. واصطلاح «توازن الرعب» يعني أن توليد الرعب في قلب العدو هو أحد الأهداف الأساسية في الحروب وهي مسألة يُحسَب حسابها. والاختزالية العلمية المادية والتآمرية تنجز هذا بالنسبة للصهاينة دون جهد من جانبهم. وبعد قليل سيكون بوسع المتلقي الموضوعي أن يستخلص بنفسه النتائج، ويرى أن الواقعية تدعو لقبول العدو وأن الرؤية العلمية تؤيد الاستسلام والإذعان له، فهو عدو لا يُقهَر، ومن هو هذا الأحمق (المثالي وغير العلمي) الذي يريد أن يضرب برأسه في الحجر الصلب؟
6 ـ لا تفيد النماذج الاختزالية كثيراً في عملية الممارسة إذ أن الممارسة تتطلب نموذجاً تحليلياً أكثر تفصيلاً ودقة وتركيبية يزوِّد الدارس بخريطة يعرف من خلالها كل نتوءات الواقع، وما هو مركزي منها وما هو هامشي، وما الوضع القائم وما الإمكانات الكامنة، ومن العدو ومن الصديق، خريطة يفهم بواسطتها العناصر والانقسامات المختلفة في معسكر العدو ومدى كفاءته ودوافعه ومواطن ضعفه وآلاف التفاصيل الأخرى التي تظل بمنأى عن النموذج الاختزالي.
7 ـ يُبرئ النموذج الاختزالي التآمري الإمبريالية الغربية والدول الغربية من الجرائم التي ارتكبتها وترتكبها ضد الشعب العربي، فهذه الدول (حسب النموذج التآمري) إن هي إلا ضحية التآمر اليهودي الأزلي وهي ليست مسئولة عن غرس الجيب الاستيطاني الصهيوني في المنطقة وتمويله ودعمه وفرضه بقوة السلاح علينا، فالمشروع الصهيوني (حسب النموذج الاختزالي الصهيوني) هو أمر قام به اليهود تعبيراً عن إرادتهم الحرة القومية المستقلة وبجهودهم الذاتية. وعادةً ما تنسب النماذج الاختزالية مقدرات فائقة لليهود ومخططاتهم. وبمعنى آخر، فإن هذه النماذج تقوم بالتهويل من الجزء (الصهيونية) والتهوين من شأن الكل (الإمبريالية).
8 ـ تؤدي النماذج الاختزالية إلى السقوط في رؤية اليهود من منظور عنصري، فجوهر العنصرية هو عملية الاختزال هذه، التي تحوِّل الكل الإنساني المركب إلى عنصر واحد، وهذا ما فعله الصهاينة والمعادون لليهود في إدراكهم اليهود واليهودية.
9 ـ تبنِّي النماذج الاختزالية هو تعبير عن كسل عقلي، ولكن هذا التبني يزيد في الوقت نفسه هذا الكسل إذ يصيب العقل بالشلل حتى نصبح موضوعيين نتلقى تماماً كل ما يأتينا من حقائق صلبة دون تساؤل أو إبداع.
10 ـ أشرنا من قبل إلى أن النموذج الاختزالي يُولِّد تفاؤلاً لا أساس له، ويمكن أن نشير هنا إلى أنه، يمكن أن يولِّد أيضاً في نفس صاحبه اليأس والقنوط إذ أنه قد يُصعِّد التوقعات التي لا تتحقق وقد يُخفي الإمكانات التي يمكن أن تتحقق في المستقبل.
لكل هذا يصبح من الضروري (من الناحية المعرفية والأخلاقية بل والعملية) تبنِّي نماذج أكثر تركيباً من النماذج الاختزالية المادية العلمية أو الغيبية التآمرية.
ونحن نضع «النموذج الاختزالي» مقابل «النموذج المركب»، ونذهب إلى أن الصراع بين النماذج الموضوعية المادية (المتلقية) والنماذج التفسيرية (الاجتهادية) يتبدَّى في نهاية الأمر في الصراع بين النموذج الاختزالي والنموذج المركب. فالبُعد المعرفي(الكلي والنهائي) للنموذج الاختزالي هو الموضوعية المادية، أما البُعد المعرفي للنموذج المركب فهو التفسيرية الاجتهادية.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق