71
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد الأول: الإطـار النظــرى
الجزء الثاني: النماذج كأداة تحليلية
الباب الأول: النماذج: سماتها وطريقة صياغتها
صياغة النموذج وتشغيله
صياغة النموذج التفسيري التحليلي عملية مركبة وإبداعية تتضمن عمليات عقلية عديدة متنوعة ومتناقضة. فالنموذج لا يوجد من العدم أو من أعماق الذات وثناياها وحدها (كما قد يتراءى للبعض)، وإنما هو ثمرة فترة طويلة من ملاحظة الواقع والاستجابة له ومعايشته والتفاعل معه ودراسته والتأمل فيه وتجريده وبعد التوصل إلى نموذج يتم اختباره وإثراؤه وإعادة اختباره (إلى ما لا نهاية). إن النموذج كأداة تحليلية يربط بين الذاتي والموضوعي ولذا يمكن القول بأن عملية صياغة النموذج تجمع بين الملاحظة الإمبريقية واللحظة الحدسية، وبين التراكم المعرفي والقفزة المعرفية، وبين الملاحظة الصارمة والتخيل الرحب، وبين الحياد والتعاطف، والانفصال والاتصال. وهو يفتح مجال البحث العلمي من خلال الخيال الإنساني ومقدرته على التركيب وعلى اكتشاف العناصر والعلاقات الكامنة، ولكنه في الوقت نفسه يكبح جماح هذا الخيال بأن يجعل النتائج خاضعة للاختبار، وهي مسألة تقع خارج ذاتية من صاغ النموذج. وبدون كل هـذه العـمليات المركبة، يحل محل النموذج التحليلي المركب فرضية اختزالية شائعة (أي نموذج اختزالي شائع)، وتصبح الملاحظة عملية اختزال للواقع ويصبح البحث عملية توثيق أفقية مملة، هي تأييد للأطروحات السائدة في حقل ما.
- تبدأ عملية صياغة النموذج بإدراك أن المعطيات الحسية في ذاتها لا تقول شيئاً، وأن المعلومة ليست النهاية وإنما البداية، وأنها ليست حلاًّ للإشكالية وإنما هي الإشكالية ذاتها. فإن قُلت إن زيداً ضرب عمراً فهذا مجرد خبر يحتمل الصدق أو الكذب في ذاته كما يقول البلاغيون العرب. ولا يمكن إقرار مدى صدقه أو أهميته أو دلالته، كما لا يمكن فهمه في ذاته، فهو حدث مادي محض. كما لا يمكن التعميم منه، فهو يكاد يكون دالاً دون مدلول (كلاماً دون معنى). أو ذا معنى خاص جداً أو معنى عام جداً، تماماً كما لو قُلت "فستان أحمر" و"قطة زرقاء" ولن يُضير كثيراً إن أضفت و"كلب أخضر".
- ينطبق نفس الشيء على أي نص (قصيدة ـ إعلان ـ خبر صحفي)، فرسالته ليست أمراً بسيطاً يوجد في السطح وفي المعنى المباشر للكلمات، فهي ليست مجرد كلمات مرصوصة جنباً إلى جنب.
- يجب أن يُدرك الباحث أنه لا يأتي للنص أو للظاهرة بعقل يشبه الصفحة البيضاء، وإنما بعقل مُثقل بالإشكاليات والأنماط والتساؤلات، عقل له مسلماته الكلية والنهائية، وهذا ما سماه بروفسير ديفيد كارولDavid Carroll «ما قبل الفهم» (بالإنجليزية: بري أندرستاندنج pre-understanding)، وهذا لا يعني بالضرورة السقوط في الذاتية، بل بالعكس فإدراك الباحث أنه يأتي للظاهرة وللنص مسلحاً (أو مثقلاً) ببعض الأفكار والتساؤلات والتحيزات والمسلمات، يجعله قادراً على الاحتفاظ بمسافة بينه وبينها وإخضاعها للتساؤل وتجاوزها إن ظهر عجزها التفسيري. كما أن إدراكه لوجود مقولات قَبْلية كامنة فيما قبل الفهم أو الفهم المسبق تمنعه من أن يسقط صريع المقولات العامة المهيمنة التي نقبلها باعتبارها حقائق كلية نهائية (مثل التقدم ـ الصراع ـ البقاء) ولا نُخضعها للتمحيص. ومعظم هذه المقولات في حالتنا مستوردة من العالم الغربي، ولذا وصف أحد الباحثين هذه الحالة بأنها «إمبريالية المقولات«.
- صياغة النموذج في جوهرها هي عملية تفكيك للظاهرة (أو النص) وإعادة تركيب لها. وإن كان ينبغي ملاحظة أن النص عادةً ما يكون أكثر تماسُكاً ووحدة من الظاهرة التي تتسم بقدر من التناثر. ولذا، فإن صياغة النموذج لدراسة الظواهر تختلف عن صياغة النموذج لدراسة النصوص، ومع هذا، فثمة وحدة أساسية بين الأمرين.
- تبدأ عملية التفكيك بأن يُقسِّم الباحث الظاهرة أو النص إلى وحدات منفصلة بعضها عن البعض.
- يقوم الباحث بعد ذلك بتجريد هذه الوحدات، أي عزلها إلى حدٍّ ما عن زمانها ومكانها المباشر وعن ماديتها المباشرة (فهو بهذه الطريقة وحدها يمكن أن يربط الواحدة منها بالأخرى وبغيرها من التفاصيل(.
- يربط الباحث هذه الوحدات الصغيرة ويجعل منها مجموعات أكبر.
- يُجرِّد الباحث هذه المجموعات الأكبر ثم عليه بعد ذلك أن يربط بينها وأن يضع كل مجموعة من المجموعات المجردة المتشابهة داخل نمط مستقل، إلى أن يضع كل المجموعات (بكل ما تحوي من وحدات وتفاصيل) داخل أنماط مختلفة.
- يقوم الباحث بعد ذلك بتجريد هذه الأنماط نفسها، ويحاول من خلال عمليات عقلية استنباطية أن يُدخلها في أنماط من التشابه والاختلاف أكثر تجريداً. عندئذ، ستبدأ العبارات المحايدة والتفاصيل المتناثرة تكتسب معنى محدداً أو أبعاداً أكثر عمقاً. وتبدأ ملامح النموذج في الظهور.
- حتى هذه اللحظة يتحرك الباحث داخل حدود الظاهرة أو النص لا يفارقهما، فهو يقوم بعمليات تجريد من الداخل، ولكن لابد أن يترك تلك الحدود ويتحرك خارجها، إذ لابد أن يحاول المقارنة بين ما توصَّل إليه من أنماط (وتفاصيل وإشكاليات) وأنماط مماثلة خارج الظاهرة نفسها، فهذا من أفضل السبل للتوصل إلى أنماط ذات مقدرة تصنيفية وتفسيرية عالية.
- لابد أن يُركِّب الدارس مجموعة من الأنماط الافتراضية ويجرب مقدرتها التفسيرية فيستبعد الأنماط ذات المقدرة التفسيرية الضعيفة ويُبقي الأنماط ذات المقدرة العالية إلى أن يكتشف الأنماط الأكثر تفسيرية فيُعدِّلها ويُكثِّفها.
- لابد أن يرصد الباحث الأنماط من خلال عدة متتاليات: متتالية مستقرة لها مقدرة تفسيرية عالية وتتعامل مع ما هو كائن، وأخرى احتمالية تتعامل مع ما هو كائن وما يمكن أن يكون، وثالثة مستحيلة بمعنى أن يكون جاهزاً لإدراك لحظات الانقطاع الكامل.
- يُلاحَظ، في عملية البحث عن أنماط، أن الدارس لابد أن يبدأ بملاحظة ما يمكن تسميته «التفاصيل القلقة»، فهي غير مستقرة ولا تتبع نمطاً واضحاً، وبالتالي قد تقوده إلى أنماط جديدة.
- الصور المجازية منبع خصب للوصول إلى النماذج التحليلية أو الكامنة، فالصورة المجازية ترجمة مباشرة غير واعية أحياناً لطريقة تنظيم النص. ولذا، لابد وأن يحاول الباحث رصد التعبيرات المجازية وتحليلها لأنه سيصل من خلالها إلى الأنماط الكامنة في النص.
- من المهم بمكان أن يدرك الباحث أن عملية صياغة الإشكاليات الأساسية والتوصل للنمط الأساسي الكامن وتصنيفه وإعطائه مضموناً متعيناً لا يمكن أن تتم من خلال تحليل داخلي بنائي محض وحسب، ولا يمكن أن تتم إلا من خلال معرفة الباحث بالأنماط (والإشكاليات) التاريخية والثقافية المحيطة بالظاهرة أو النص والتي تشكل مرجعيتها. ولذا، لابد أن يقوم الباحث بتثقيف نفسه فيما يتصل بالموضوع موضع الدراسة حتى يصبح أفقه أكثر اتساعاً من أفق اللحظة المباشر والإدراك المباشر للظاهرة.
- أثناء عملية التجريد، يجب أن تظل عيون الباحث على التفاصيل حتى لا يتوه في الكل ويهمل الجزئيات، وحتى لا يطفو على سطح العموميات مهملاً المنحنى الخاص للظاهرة (لابد من التحليق والتحديق، على حد قول جمال حمدان).
- أثناء محاولة الوصول إلى الأنماط الكامنة، لابد أن تتضمن الأنماط والمتتاليات الافتراضية عناصر من الواقع كما هو في الحقيقة، وعناصر من الواقع كما يتخيله الآخر، ومن الرموز التي يدرك الواقع من خلالها، ومن المعاني التي يُسقطها عليه، كما لابد أن تتضمن الحدود الواقعية المادية والإمكانيات الكامنة والطموحات المثالية، فبدون تضمين هذه العناصر في النمط الافتراضي ستُستبعَد العناصر غير المادية ولن يتم رصدها.
- ستؤدي هذه العملية (بإذن الله) إلى الوصول إلى إدراك النمط الأساسي الكامن وراء كل هذه الأنماط المتشابهة أو المتنوعة والمتناقضة.
- بعد هذه العملية، لابد أن يحاول الباحث اكتشاف البُعد المعرفي الكامن وراء كل هذه الأنماط، فهو وحده الذي سيحدد جوهر الرؤية الكامنة للكون وراء الأنماط (رؤية الإنسان والطبيعة والإله).
- عند هذه النقطة، يمكن للباحث أن يعيد ترتيب الأنماط وتركيبها حسب أهميتها، وأن يربط بعضها ببعض داخل منظومـة متكاملــة بطـريقـة تجـعل العــلاقات بينهـا تشاكل ما يُتصوَّر أنه العلاقات الجوهرية بين عناصر الواقع.
ويمكننا الآن أن نضرب مثلاً بإحدى الظواهر ولتكن واقعة ضرب زيد لعمرو، حيث يمكن أن نرصد عدد المرات التي ضرب فيها زيد عمراً، ويمكن أن نسأل هل يضرب زيد عمراً أم أنه يضرب آخرين أيضاً؟ وما السمة الأساسية في هؤلاء الذين يضربهم زيد؟ ونبدأ في تجربة هذه العناصر ونسأل: هل من يضربهم زيد من الفقراء أم هم من الأغنياء؟ من السود أم من البيض؟ من الذكور أم من الإناث؟ وهل الضرب يتم كل يوم أم في فصول معيَّنة؟ ثم بعد قراءة كُتب التاريخ، نسأل: لم استولى جد زيد على أرض عمرو؟ هل هناك علاقة بين الضرب والاستيلاء على الأرض؟ وما مصلحة زيد من الناس في عملية البطش المستمرة هذه؟ هل يدرك كل من زيد وعمرو طبيعة علاقتهما؟ هل يقبلانها، أم أن عمراً يرفضها ويتمرد عليها؟ ما الرؤية الكامنة للكون في هذه العلاقة؟ هل يريد زيد أن يجعل من عمرو مادة استعمالية يوظفها لحسابه؟ وهل يرى عمرو نفسه باعتباره مادة أم يرى نفسه باعتباره بشراً كاملاً؟
ولنضرب مثلاً بنصين مكتوبين، وهما حديثان شريفان: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "عُذِّبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت فدخلت فيها النار، فلا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض". أما الحديث الثاني فهو قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "بينما رجل يمشي، فاشتد عليه العطش فنزل بئراً فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فمـلأ خفه ثم أمسـكه بفـيه، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له. قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر" (أي في كل حي من الحيوان والطير ونحوهما).
وبإمكان الباحث أن يقوم بتقسيم الحديثين إلى وحدات مختلفة تشكل عناصرهما الأولية. ويمكن القول بأن العناصر الأولية في الحديث الأول هي: امرأة ـ قط ـ جوع ـ زيادة الجوع ـ موت ـ جهنم. أما العناصر الأولية في الحديث الثاني فهي: رجل ـ كلب ـ عطش ـ سُقيا ـ حياة ـ جنة.
عند هذه اللحظة، سيقف الحديثان كما لو كانا متناقضين، ففي الحديث الأول امرأة وفي الثاني رجل، وفي الأول هرة وفي الثاني كلـب، وفي الأول جـوع وفي الثاني عطـش، وفي الأول بطـش بالحيــوان وزيادة الجوع، وفي الثاني رفق بالحيوان وري للعطش، وينتهي الحديث الأول بالموت وجهنم وينتهي الثاني بالحياة والجنة. وتحليل المضمون السطحي دائماً يقف عند هذا المستوى لا يتجاوزه وينهمك الباحث في إحصاء عدد الكلمات!
ولابد أن نزيد مستوى تجريدنا قليلاً بحيث تتجاوز عناصر كل حديث الفضاء الزماني والمكاني المباشر لكل منهما، حتى يمكن رؤيتهما في علاقة كل منهما بالآخر. وستأخذ عملية التجريد الشكل التالي: المرأة والرجل يجردان إلى إنسان ـ القطة والكلب: حيوان ـ الجوع والعطش: حالة طبيعية (حياة ـ موت) ـ البطش بالحيوان وزيادة الجوع والرفق بالحيوان وري العطش: فعل إنساني ـ موت القطة وحياة الكلب: نتيجة مادية ـ الجنة والنار: نتيجة روحية.
ثم نزيد من التجريد على النحو التالي: فاعل ـ مفعول ـ فعل ـ عاقبة. والإنسان هو الفاعل، والحيوان هو المفعول به، وثمة فعل يؤدي إلى نتيجة.
ويمكن، عند هذه النقطة، أن نرتفع بالعملية التجريدية إلى المستوى المعرفي ورؤية الكون. ولابد من معرفة بعض المفاهيم الأساسية الحاكمة في الإسلام (الاستخلاف ـ الأمانة ـ وضع الإنسان في الكون) فهذا سيساعدنا على الوصول إلى البُعد المعرفي وإلى تحديد العلاقة بين الإنسان (الفاعل) والحيوان (المفعول به). ومن كل هذا سنستنتج أن الحديثين يتحدثان عن علاقة الإنسان بالطبيعة وهي علاقة استخلاف واستئمان، فالإنسان يُوجَد في مركز الكون لأن الله كرمه وحباه عقلاً وحكمة. وقد أعطاه الله الطبيعة ولكنه ليس صاحبها فقد استخلفه الله فيها وحسب، وقد قَبل هو أن يحمل الأمانة، ولذا فلا يجوز أن يبددها وكأنه وحده في الكون: كائن لا متناه متأله. (لابد أن نشير هنا إلى الفلسفة البنيوية التي ترصد الواقع من خلال نماذج رياضية ولغوية عامة وتظل تُصعِّد مستوى التجريد لتصل إلى ثنائيات متعارضة عامة أو قيمة لغوية لا تقل عمومية. وهذا المستوى من التجريد وهذا المفهوم للنموذج يختلف تماماً عما نطرحه هنا).
- بعد تصاعدُ معدلات التجريد وظهور الأنماط الأساسية وربطها داخل منظومة متماسكة وبعد أن يتوصل الباحث إلى معالم النموذج التحليلي الذي يمكن من خلاله فهم الظاهرة أو معالم النموذج المعرفي الكامن في النص، ينبغي أن يدرك أن هذه ليست النهاية، بل هي بداية عملية جديدة إذ يتعيَّن عليه العودة إلى النص أو الظاهرة لاختبار المقدرة التفسيرية للنموذج (الذي صاغه أو اكتشفه). فقد يكتشف الباحث بعض العناصر أو الجوانب التي لم يتوجه إليها النموذج، فيحاول أن يوسع نطاقه حتى يستوعب هذه العناصر ويفسرها. ثم يعود الباحث بعد ذلك ليختبر النموذج مرة أخرى، فعملية الصياغة عملية حلزونية، لا نهائية، مستمرة مادامت التطبيقات ممكنة على حالات مختلفة، ولا شك في أن النموذج يزداد ثراء بتعدد تطبيقاته. بل قد تتغيَّر هويته تماماً بعد أن يحاول تفسير بعض الحالات التي تشكل انقطاعاً جذرياً.
- يستطيع الباحث أن يزيد من ثراء النموذج (وتماسكه وترابطه) بأن يُجري بعض العمليات العقلية الاستنباطية ويتخيل مواقف مختلفة لم تتحقق في الواقع.
- إذا تمت عملية التفكيك والتركيب في إطار اختزالي، فإن ثمرة العملية ستكون نموذجاً اختزالياً. أما إذا تمت في إطار مركب، فإن الثمرة ستكون نموذجاً مركباً.
- إن تمت عملية التفكيك والتركيب في إطار نموذج مستقر مهيمن فهي عملية تطبيقية. ولكن بإمكان الباحث أن يقوم بعملية تفكيك وتركيب في إطار نماذج ومسلمات جديدة، وهو ما يؤدي إلى إعادة تفسير المعلومات تفسيراً جديداً ومن ثم يُعاد تصنيفها على أسس جديدة، وحينذاك يكون النموذج نموذجاً تأسيسياً.
- من الضروري أن يدرك الباحث أن عملية التجريد (بما تنطوي عليه من تفكيك وتركيب) هي تاكتيك منهجي، فعناصر أية ظاهرة هي في نهاية الأمر غير منفصلة عن بعضها البعض ولا عن الظاهرة التي تنتمي إليها، فالظاهرة توجد ككل مُتعيِّن غير قابل للتجزيء. ولذا، لابد أن يذكِّر الباحث نفسه أن النموذج أشبه بالصورة المجازية التي لا تعكس الواقع وإنما تفسره، ولا تحيط بكل تفاصيله وإنما تحاول الوصول إلى جوهره.
- يمكن القول بأن عملية التفكيك والتركيب ونحت النماذج هي عملية «استنطاق» (أي «دفعه إلى النطق»). فما يحدث هو أن الباحث حين يتوصل للنموذج الكامن في نص ما ويحدد مفرداته ومفاهيمه الأساسية الكلية فإنه يصبح في مقدوره إضافة مفردات ومفاهيم أخرى غير منظورة ولكنها مُتضمَّنة في النص (ما بين السطور)، وتُستخدَم هذه الكلمات والمفاهيم في ملء بعض الفراغات التي قد توجد في النص أو الظاهرة. وبهذه الطريقة، نحدد المعنى الدقيق لمفردات نص أو ظاهرة عن طريق ربط الجزئي بالكلي والظاهر بالكامن. والنموذج، بهذا، يوضح المسلمات (أو الكليات القَبْلية) الكامنة في الخطاب الإنساني، كما يوضح المعنى المقصود من المفردات.
- يتم تشغيل النموذج من خلال عمليتي تفكيك وتركيب تشبه تماماً عملية صياغة النموذج.
وغني عن القول أن الجهد الفكري الأساسي في هذه الموسوعة ينصب على محاولة صياغة مجموعة من النماذج التحليلية المركبة وتوضيح العلاقة بينها وربطها وتطبيقها على مجموعة من النصوص والظواهر اليهودية والصهيونية. وقد تمت عملية التفكيك والتركيب في إطار مسلمات جديدة، ومن هنا فهي موسوعة تأسيسية.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق