إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 8 أغسطس 2014

68 موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري المجلد الأول: الإطـار النظــرى الجزء الثاني: النماذج كأداة تحليلية الباب الأول: النماذج: سماتها وطريقة صياغتها


68

موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية

للدكتور عبد الوهاب المسيري

المجلد الأول: الإطـار النظــرى

الجزء الثاني: النماذج كأداة تحليلية

الباب الأول: النماذج: سماتها وطريقة صياغتها

ويمكن تلخيص كل هذه الموضوعات الأساسية في ثلاثة محاور أساسية:

1 ـ علاقة الإنسان بالطبيعة/المادة، وأيهما يسبق الآخر: هل الإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة/المادة أم هو جزء يتجزأ منها وله استقلاله النسبي عنها؟ هل الإنسان وجود طبيعي/مادي محض أم أنه يتميَّز بأبعاد أخرى لا تخضع لعالم الطبيعة/المادة؟ هل يتسم الكون بالثنائية أم تسود فيه الواحدية؟ هل الإنسان سابق للطبيعة/المادة متجاوز لها أم أنها سابقة عليه، متجاوزة له؟

2 ـ الهدف من الوجود: هل هناك هدف من وجود الإنسان في الكون؟ هل هناك غرض في الطبيعة أم أنها مجرد حركة دائمة متكررة، حركة متطورة نحو درجات أعلى من النمو والتقدم أم حركة خاضعة تماماً للصدفة؟ ما هو المبدأ الواحد في الكون، القوة المحركة له التي تمنحه هدفه وتماسكه وتضفي عليه المعنى؟ هل هو كامن فيه أم متجاوز له؟

3 ـ مشكلة المعيارية: هل هناك معيارية أساساً؟ ومن أين يستمد الإنسان معياريته: من عقله المادي أم من أسلافه أم من جسده أم من الطبيعة/المادة أم من قوى متجاوزة لحركة المادة؟

وهذه أسئلة مجردة عميقة ولكن حياة الإنسان هي محاولة للإجابة عنها. وحتى محاولة التهرب منها ورفضها يُشكِّل إجابة. ولذا، فهي تتجلى في فكره الواعي وغير الواعي وفي أعماله ذات الدلالة العميقة وفي أفعاله التي تبدو تافهة وغير ذات دلالة على الإطلاق.

والمستوى السياسي في التحليل يتوجه لأسئلة سياسية، كما أن المستوى الاقتصادي يتوجه لأسئلة اقتصادية ويحاول أن يجيب عنها بطريقة سياسية واقتصادية "محايدة" لا تصل إلى الأسئلة الكلية النهائية. فمثلاً يمكن لأحد علماء السياسة أن يقول "الأزمة السياسية لهذا المجتمع هي في جوهرها أزمة اقتصادية ويمكن حلها عن طريق رفع مستوى المعيشة والتنمية السريعة"، فهو يرى أن الأزمة السياسية تضرب بجذورها في الوجود الاقتصادي للإنسان ويتأتى حلها عن طريق آليات اقتصادية. وقد يتصور هذا العالِم السياسي أنه لم يتوجه لأية أسئلة كلية أو نهائية مثل تكوين الإنسان والهدف من وجوده ومعياريته. ولكن التحليل المعرفي المتعمق يمكنه أن يكشف أن اجابته تفترض إجابة اقتصادية (مادية) عن هذه الأسئلة الكلية والنهائية، فالإنسان هو جسد ومادة وحسب، احتياجاته ودوافعه ومعياريته اقتصادية، ومن ثم فإنه حين لا يحقق ذاته اقتصادياً تنشأ الأزمة في المجتمع ويمكن حلها عن طريق إشباع الرغبات والدوافع الاقتصادية. وإن كانت هناك دوافع غير اقتصادية فلا شك في أنها ثانوية وهامشية، ولذا فإن حل أزمة المجتمع لا يتوجه لها، كما أن عملية رصد المجتمع تستبعدها. ومن ثم فإن هناك بُعداً معرفياً كلياً ونهائياً في أي خطاب تحليلي مهما بلغ من الحيادية والتجريدية والسطحية والمباشرة.

ونحن نرى أن لكل كاتب تحيزاته الخفية الكامنة أو الواضحة الظاهرة، وأن السبيل الوحيد للوصول إلى نوع من الموضوعية هو أن يحاول كل كاتب أن يوضح هذه التحيزات، فالتحيز حتمي ولكنه ليس نهائياً. والتحيزات الحقيقية كامنة في المسلمات الكلية والنهائية للنموذج التفسيري الذي يستخدمه الكاتب. وقد حاولت قدر استطاعتي أن أوضح هذه التحيزات حتى يدركها القارئ ويختبرها ويقبلها أو يرفضها كلياً أو جزئياً. ونحن، كما هو واضح، في كثير من صفحات هذه الموسوعة نَصدُر عن نموذج توحيدي متجاوز يستند إلى ثنائية أساسية هي ثنائية الخالق والمخلوق، وهي ثنائية لا يمكن إلغاؤها (في تصوُّرنا). وهي تتبدَّى في ثنائية أساسية أخرى هي ثنائية الإنسان والطبيعة. ونحن نرى أن إلغاء الثنائية يؤدي إلى القضاء على إمكانية التجاوز وإلى السقوط في الواحدية وظهور النماذج الاختزالية البسيطة. ومع هذا، فنحن لا نرى علاقة سببية بسيطة بين التوحيد والنماذج المركبة، وإنما نرى أن ثمة علاقة تفضيل اختياري بمعنى أن التوحيد يخلق تربة خصبة لظهور النماذج التفسيرية التركيبية.

كما نرى أن من الممكن أن تُولَد ثنائية داخل النظم العلمانية فيما يعُرف بـ «الفلسفة الإنسانية الهيومانية»، فهي فلسفة مادية ولكنها مع هذا ترى أن ثمة ثنائية أساسية هي ثنائية الإنسان والطبيعة تعصم هذه الفلسفات من السقوط في الواحدية المادية الفظة. ورغم أن هذه الثنائية تستند (في تصوُّرنا) إلى أساس واهٍ (الاختيار الوجودي للمفكر الإنسـاني وإيمانه العـميق بالإنسان كمطلق)، إلا أنه يُبقي داخل النظم الإنسانية مطلقاً ما، متجاوزاً للطبيعة، يمكن استناداً إليه تأسيس نظم معرفية وأخلاقية وكذا الإفلات من قبضة الصيرورة المادية وشبح ما بعد الحداثة. ومن ثم، توجد رقعة مشتركة بين النظم الإنسانية والنظم التوحيدية، فكلاهما يستند إلى ثنائية الإنسان والطبيعة، وكلاهما لا يذعن لحركة المادة والضرورة والصيرورة، وكلاهما يؤمن بالتجاوز. ورغم اختلاف الأساس الفلسفي، إلا أن الرقعة المشتركة، على مستوى المسلمات الكلية والنهائية، تشكل أساساً راسخاً لحوار مثمر قد يخرج بنا من المأزق الذي أوصلتنا إليه العقلانية المادية وقد يؤدي إلى التوصل إلى رؤية جديدة لحداثة جديدة أكثر إنسانية وأكثر مقدرة على الاستمرار وتحقيق قسط معقول من السعادة للبشر.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق