505
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد الثانى: الجماعات اليهودية.. إشكاليات
الجزء الرابع: عداء الأغيار الأزلي لليهود واليهودية
الباب الثانى: بعض التجليات المتعينة لمعاداة اليهود
ليـو فرانـك (1884-1915)
Leo Frank
أمريكي يهودي وُلد في تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية، ونشأ في بروكلين، أحد أحياء اليهود المهمة في مدينة نيويورك. اتُهم ليو فرانك في قضية عام 1908، ويُقال إن انتماءه اليهودي كان عنصراً مهماً أثر في محاكمته وفي الأحداث التي تلتها. كان فرانك يعمل مديراً لمصنع أقلام في أتلانتا (ولاية جورجيا) حيث قُبض عليه بتهمة قتل فتاة بيضاء عمرها ثلاثة عشر عاماً تُدعَى ماري فيجان، بعد محاولة اغتصابها. وقد حُوكم فرانك وصدر حكم بإعدامه. وحينما خفف حاكم الولاية الحكم إلى السجن مدى الحياة، هاجمت مجموعة من المواطنين السجن واختطفوا فرانك وشنقوه في المدينة التي وُلدت ودُفنت فيها ضحيته المفترضة، وهو ما يُسمَّى في اللهجة الإنجليزية الأمريكية «لينشنج Lynching» وهي عملية الاختطاف والشنق. وقد صدر عفو عن فرانك عام 1986 وبُرئ اسمه من الجريمة التي نُسبت إليه.
ويُجرد الصهاينة هذه الواقعة من سياقها التاريخي ليفرضوا عليها معنى صهـيونياً بحـيث يظـهر اليهودي وكأنه ضحية عنف الأغيار. ولو نظرنا إلى واقعة ليو فرانك بمنظار تاريخي، فسنكتشف أنه لم يكن يُنظَر إليه باعتباره يهودياً أساساً وإنما باعتباره رمزاً متبلوراً لعـدة عناصر تاريخـية واجتماعية وثقافية ليس لها علاقة وثيقة بيهوديته، شأنه في هذا شـأن دريفـوس. وأهم هذه العناصر على الإطلاق هو أن المجتمع، مسرح الواقعة، كان يخوض ثورة صناعية حقيقية متأخرة، مع كل ما يصاحب مثل هذه الانقلابات من ظروف صحية سيئة وأمراض اجتماعية عاش في ظلها أعضاء الطبقة العاملة من البيض المحليين أو المهاجرين المُقتلَعين من جذورهم الزراعية، سواء في أوربا أو جنوب الولايات المتحدة. والواقع أن من أهم مظاهر الثورة الصناعية تركُّز السكان في المدن، وقد تضاعف عدد سكان مدينة أتلانتا بين عامي 1900 و1913، إذ زاد من نحو 89.870 إلى نحو 173.713، وهو يُعَدُّ أعلى معدل ارتفاع لأي مدينة أمريكية في الفترة نفسها باستثناء برمنجمهم (بولاية ألاباما). وكان نمو المدينة عشوائياً، ولذلك لم تكن هناك المؤسسات اللازمة للحياة الإنسانية الكريمة، مثل: أماكن الترويح، أو أماكن السكن، أو ما يكفي من المستشفيات العامة... إلخ. وكانت أتلانتا تعاني من أزمة مساكن، فقد كان هناك حوالي 30.308 من المساكن لنحو 35.813 أسرة، وكان نصف المساكن بلا مياه، وكان نحو 50 ألف شخص يعيشون في منازل لا يوجد بها نظام للصرف الصحي. وكانت نسبة تلوث الجو عالية للغاية، ولهذا انتشرت الأمراض مثل التيفود وغيره من الأمراض، وارتفعت معدلات الوفاة، ويُقال إن 90% من المساجين كانوا يُعانون من مرض الزهري. وقد زاد فقر سكان أتلانتا بشكل رهيب، وكان الأجر اليومي للطفل لا يزيد عن 20 سنتاً، وكان الأجر الأسبوعي لماري فيجان دولاراً وعشرين سنتاً.
ولم يكن الجو موبوءاً من الناحية المادية وحسب، وإنما كان موبوءاً من الناحية الأخلاقية أيضاً، وهذا أمر متوقع في مثل هذا المجتمع، حيث انتشرت مختلف أنواع الجرائم: السرقة والقتل والدعارة والسُكْر. وكانت نسبة الجريمة في أتلانتا من أعلى النسب في الولايات المتحدة وتُعادل نسبتها في شيكاغو عاصمة الجريمة في العالم. وقد قبض البوليس عام 1907 على 17 ألف شخص من مجموع السكان البالغ عددهم 102.700 في ذلك العام. ومع هذا، كان جهاز الشرطة هزيلاً للغاية، إذ أن مجموع عدد العاملين في قوة الشرطة لم يكن يزيد على مائتي شرطي. وكانت توجـد في هذه المدينة الواسـعة نقطة شـرطة واحـدة، ولذا، كان كثير من المجرمين يفرون من قبضة القانون. وفي عام 1912/1913 بالذات، كانت هناك اثنتا عشرة جريمة قتل، لم يتم الاهتداء إلى مرتكبيها.
هذه هي بعض مظاهر الثورة الصناعية في أتلانتا. ولنا أن نلاحظ أن هذه الثورة كانت في الواقع جزءاً من عملية غزو واسعة، فالجنوب الأمريكي، مسرح الواقعة، كان لا يزال يشعر بمذاق الهزيمة في الحرب الأهلية (1861 ـ 1865) حين هزمه الشمال الصناعي وأكد سلطة الحكومة الفيدرالية على حساب استقلال الولايات. وقد فقد ما يقرب من 600.000 شخص حياتهم إبَّان هذه الحرب. وبعد انتصار الشمال فُتحت الولايات الجنوبية (المتخلفة نسبياً وذات الاقتصاد الزراعي) لرأس الـمال الشـمالي والنخبة الشمالية التي أسست الصناعات وغزت السـوق. ويرى بعض المؤرخين أن العلاقة بين الشمال والجنوب كانت علاقة شبه كولونيالية، وأن ما يسميه الشماليون «توحيد» الولايات المتحدة هو في واقع الأمر «غزو» شمالي للجنوب وهيمنة عليه. وهو غزو لمجتمع زراعي كانت تسوده علاقات شبه إقطاعية توجد على قمته أرستقراطية تعتز بمكانتها الرفيعة وبقيم الشرف والالتزام الإقطاعي، وقد كان ذلك المجتمع مجتمعاً أنجلو ساكسونياً بروتستانتياً متجانساً لم يستوطن فيه ملايين المهاجرين كما حدث في بقية الولايات المتحدة، وبخاصة في الساحل الشرقي. وكانت مؤسسة الأسرة قوية جداً في مجتمع الجنوب وتتسم بقدر كبير من التماسك. وكانت المرأة رمز هذا التماسُك الأسري، ومحط تقديس المجتمع. لكن أعضاء مثل هذا المجتمع الزراعي الأرستقراطي عادةً ما ينظرون بقدر من الاحتقار، بل والبغض أحياناً، إلى الاقتصاد النقدي المبني على التعاقد وعلى آليات العرض والطلب.
وقد كانت شكوكهم في محلها، فبعد توحيد الشمال مع الجنوب فُتح الجنوب أمام الصناعات الشمالية التي هاجرت لتستفيد من العمالة الرخيصة والأراضي قليلة التكاليف والسوق البكر، وهي صناعات لم تخدم تقاليد المجتمع كثيراً، بل ساهمت في تفكيك نسيجه المجتمعي وفي تحطيم بناء الأسرة، فكان الأطفال يعملون في المصانع ساعات طويلة، وكذا النساء. وأدَّى دخول الصناعات إلى تزايد معدلات التحديث والعلمنة بكل ما يتبع ذلك من تفكك اجتماعي، في المراحل الأولى على الأقل، خصوصاً وأن هذه الصناعات لم تظهر نتيجة تطوُّر عضوي وتفاعُل عناصر محلية وظهور بورجوازية في رحم المجتمع ذاته، وإنما فُرضت عليها فرضاً من مجتمع اليانكي الشمالي.
كان ليو فرانك رمزاً لهذه القوة الغازية، فقد كان شمالياً في الجنوب، صاحب ومدير مصنع في مجتمع زراعي ينظر بعين الشك إلى الصناعة، يقوم باستئجار النساء والأطفال كعمالة رخيصة في ظل مجتمع يقدس الأسرة حتى عهد قريب. وكان يُشار إلى ماري فيجان على أنها « عاملة المصنع الصغيرة »، أي أنها تحوَّلت إلى رمز الطفولة البريئة التي استغلها المستثمرون من الشمال. وكان فرانك عضواً في النخبة العلمانية المهيمنة التي لا تكترث كثيراً بالقيم التقليدية في وسط بيئة جنوبية عمالية مقتلعة من بيئتها الزراعية، لا تزال تؤمن بالقيم التقليدية والمسيحية وتحلم بالمجتمع المتماسك الذي دُمِّر إبَّان الحرب الأهلية. ولم تكن يهودية فرانك سوى البؤرة التي جمعت كل هذه العناصر السابقة وبلورتها، إذ أن المعركة الحقيقية كانت بين الشمال الصناعي الغازي والجنوب الزراعي الذي تم غزوه، وبين ضحايا التقدم من ناحية والصناعة وممثلي هذا المجتمع الجديد الرهيب من ناحية أخرى.
وقد يكون من المفيد، عند هذه النقطة، أن نتناول الانتماء اليهودي لفرانك. كان فرانك يشغل منصب رئيس فرع جماعة أبناء العهد (بناي بريت) اليهودية في المدينة. كذلك لابد أن نعرف، على وجه الدقة، موقف الجنوب الأمريكي من اليهود. لقد حدد الجنوب الأمريكي التضامن على أساس عرْقي بسيط (الأبيض مقابل الأسود)، على عكس الشمال الذي حدده على أساس عرْقي ديني إثني مركب: أبيض بروتستانتي من أصل أنجلو ساكسوني، يليه أبيـض كاثوليكي من أصل إيطالي وأيرلندي، ثم يليهم اليهودي الأبيض في المنزلة، ثم يأتي الأسود، كاثوليكياً كان أم بروتستانتياً في أسفل السلم العرْقي. ومن الواضح أن التعريف الجنوبي لم يستبعد اليهود وإنما صنفهم ضمن البيض، تماماً كما حدث في جنوب أفريقيا. الأمر الذي سمح لهم بدرجة عالية من الاندماج والحراك الاجتماعي، فأصبحوا جزءاً عضوياً من المجتمع، كما أصبحوا أعضاء في النخبة الحاكمة وامتلكوا الرقيق وتاجروا فيه، ولم تكن هناك صورة مستقلة لليهودي في الوجدان الأمريكي الجنوبي التقليدي.
لقد أشرنا من قبل إلى أن ليو فرانك كان رمزاً للقوة الغازية الشمالية. ويمكن أن نضيف هنا أنه، مع التحولات التي دخلت على الجنوب، اكتسبت كلمة «يهودي» مدلولاً جديداً. فلم يكن يهود جورجيا هم يهود الجنوب التقليديين القدامى وإنما كانوا عنصراً غريباً جديداً وافداً. وفي عام 1910، كان اليهود في أتلانتا (جورجيا) يشكلون أكبر جماعة من المهاجرين الأجانب، إذ بلغ عددهم 1342، أي 25% من مجمـوع الأجانب. ورغم أن نسـبتهم لم تتجـاوز 1% من عدد السـكان، فإنهم كانوا يشكلون جماعة وظيفية وسـيطة حققت بروزاً مشيناً. فقد كانوا يمتلكون معظم الحانات ومحلات الرهونات وبيوت الدعارة، وهذا جزء من ميراثهم الاقتصادي الأوربي، وكان زبائنهم من الزنوج أساساً. ويُقال إن بيوت الدعارة التي امتلكها اليهود كانت تزينها « صور نساء بيض لإثارة شهوة الزنوج الذين كانوا يحتسون الخمر في الحانات اليهودية وينطلقون بعدها كالوحوش »، وهذه صورة إدراكية عنصرية، ولكنها على أية حال ربطت الجرائم الجنسية في ذهن سكان أتلانتا باليهـود. وكان فرانك نفسـه مشـهوراً بمغازلة العامـلات وملاحقتهن، ويُقال إن ماري فيجان نفسها اشتكت إلى صديقاتها من محاولات فرانك الإباحية. وقد تكون هذه الاتهامات باطلة تماماً، وقد يكون السلوك الإباحي المنسوب إلى فرانك لا يختلف عن سلوك أو حركات أي شخص جاء من مجتمع حضري مفتوح يتصرف بتلقائية في مجتمع مغلق فيُساء فهم سلوكه وحركاته. ولكن المهم إدراك الناس له ولسلوكه، خصوصاً وأن اشتغال اليهود بالمهن المشينة يدعم هذا الإدراك.
وإلى جانب هذه الخلفية الاجتماعية والتاريخية والثقافية، ثمة جانب إحصائي مهم. فالدراسات الصهيونية لا تكف عن الإشارة إلى قضية ليو فرانك وإلى الظلم الذي حاق به نتيجة اختطافه من السجن وشنقه بعد أن خفف الحاكم الحكم عليه. ولكن هذه الدراسات لا تذكر الحقائق التالية:
1 ـ لم يكن احترام القانون سمة سائدة في المجتمع الأمريكي ككل، وفي مجتمع أتلانتا على وجه الخصوص. فعلى سبيل المثال ، قبضت الشرطة ذات مرة على كل الذكور القادرين لأن أتلانتا كانت تعاني من نقص في العمالة. ومن المعروف أن الشرطة اتُهمت عام 1909 بضرب أحد الزنوج ضرباً أفضى إلى موته، وأنهم قاموا بتقييد إمرأة بيضاء إلى الحائط حتى زهقت روحها.
2 ـ اندلعت عام 1906 اضطرابات، فهاجم السكان البيض حي السود لعدة أيام واشتبكوا معهم، فقتلوا عشرة زنوج وجرحوا ستين في حين قُتل من بينهم رجلان وجُرح عشرة، واضطرت المدينة إلى استدعاء الحرس الوطني. ويُقال إن الاضطرابات اندلعت نتيجة تقارير مثيرة نشرت في الصحف عن اعتداء السود على النساء البيض.
3 ـ كانت المدينة محتاجة إلى مزيد من الأيدي العاملة، وبالتالي إلى مزيد من المهاجرين. ولكن كلما زاد عدد المهاجرين، كانت تزداد نسبة غضب السكان المحليين المقتلعين. ففي عام 1891، تم اختطاف وشنق أحد عشر مهاجراً إيطالياً. وفي عام 1899، اختُطف خمسة آخرون. وفي عام 1900، اختفى ثلاثة آخرون في ظروف غامضة.
4 ـ شهدت الفترة من 1889 إلى 1918 ألفين وخمسمائة حالة اختطاف وشنق (لينشنج) أخرى. وكان معظم ضحايا الاختطاف من السود، كما تم اختطاف قلة من أعضاء الأقليات الأخرى. ولكن لم يكن هناك سوى حالة واحدة فقط اختطف فيها يهودي وشنق، وهي حالة ليو فرانك وهي الحالة التي يرد ذكرها في الأدبيات الاختزالية الصهيونية وكأنها ظاهرة عامة متواترة! وهكذا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويتحول الخاص إلى عام، وتتحول الواقعة العابرة إلى رمز عالمي مركزي!
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق