493
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد الثانى: الجماعات اليهودية.. إشكاليات
الجزء الرابع: عداء الأغيار الأزلي لليهود واليهودية
الباب الأول: إشكالية معاداة اليهود
كلاســيكيات العـداء لليهــود منــذ القـرن الثــامن عشــر
Classics of Anti-Semitism since the Eighteenth Century
وُلدت الأفكار الحديثة لمعاداة اليهود، وكذلك صورها الإدراكية، داخل هذا الإطار. ومن أهم وأول الإسهامات الغربية في هذا المضمار استخدام التمييز بين الآريين والساميين ونقله من المجال اللغوي إلى المجال الحضاري ثم العرْقي. وهذا ما فعله الكونت جوبينو في كتابه مقال في التفـاوت بين الأعـراق الإنسـانية (1853 ـ 1855)، فبسَّط النظريات السائدة، وقسَّم البشر إلى أعراق: أبيض (آري) ، وأصفر، وأسود. وذهب إلى أن الجنس الآري الأبيض هو مؤسس الحضارة، وأن السمات المتفوقة لهذا العرْق لايمكن الحفاظ عليها إلا عن طريق النقاء العنصري. وأكد جوبينو أن التيوتونيين هم أرقى العناصر الآرية لأنهم وحدهم الذين احتفظوا بنقائهم.
وتوالت بعد ذلك الأعمال العرْقية الغربية المعادية لليهود، ومن أهمها كتاب ولهلم مار (1818ـ1904) انتصار اليهودية على الألمانية: من منظور غير ديني (1862). وكان مار مواطناً ألمانياً (يُقال إنه كان يهودياً)، ثم انضم إلى جماعة فوضوية إلحادية في سويسرا بعد فشل ثورة 1848. وقد طُبعت من الكتاب اثنتا عشرة طبعة حتى عام 1879. وتحل في كتابه كلمتا «سامي» و«سامية»، محل «يهودي» و«يهودية». وهو الذي أشاع مصطلح «أنتي سيميتزم»، أي «معاداة السامية»، في اللغات الأوربية، وبيَّن في دراسته ما زعم أنه الهيمنة اليهودية على الاقتصاد والثقافة، كما أسس جماعة تضم أعداء اليهود عام 1879.
ومن أهم الشخصيات التي أضفت كثيراً من الاحترام على النظريات العرْقية المعادية لليهود الموسيقار الألماني ريتشارد فاجنر (1813 ـ 1883)، وكان صديقاً لجوبينو، وتأثر بكتابات مار. وقد طبع فاجنر كتابه أضوء على اليهود في الموسيقى (1850، ثم 1869)، مصوراً إياهم باعتبارهم تجسيداً لقوة المال والتجارة، ومنكراً علىهم أي إبداع في الموسيقى والثقافة. ثم نشر سلسلة مقالات بعنوان: « الفن الألماني والسياسة » طرح فيها فكرته الخاصة برسالة الشعب الألماني (الخالص) المعادية للمادية الفرنسية واليهودية. وقد اتهم فاجنر اليهود بالهيمنة على الحياة الثقافية في ألمانيا وطالب بحرمانهم من حقوقهم السياسية، كما تحدث عن دمار أو إبادة أو اختفاء (بالألمانيــة: أونترجانج Untergang) اليهود، أي تخليص الحياة الثقافية من اليهود بالقوة، أو دمجهم تماماً عن طريق الفن والموسيقى. وقد تركت أفكار فاجنر أثراً عميقاً في هتلر، ومن ثم كانت ذات مكانة خاصة في التجربة النازية (ولهذا، كانت موسيقى فاجنر ممنوعة حتى عهد قريب في إسرائيل).
وكان لإسهام المفكر السياسي والمستشرق الألماني بول أنطون دي لاجارد (1827ـ 1891) أبعد الأثر في تضخيم الهالة الثقافية والعلمية حول معاداة اليهود. كان لاجارد يحن إلى حضارة العصور الوسطى التيوتونية الخالصة (العضوية)، كما كان يؤمن بالشعب العضوي (الفولك) الألماني وتفوُّقه على الشعوب الأخرى، ويرفض مبدأ المساواة. بل وكان يرى أن الليبرالية مؤامرة عالمية خطيرة. ولم يشأ التعبير عنها بأي من اللونين الأحمر أو الأسود، فهما لونان لهما شخصيتهما، بل وقع اختياره على الرمادي، وانتهى به المطاف إلى اكتشاف وجود الأممية الرمادية التي استنكرها لأنها تشكل حجر عثرة في سبيل تحقيق خلاص الأمة الجرمانية وأداء رسالتها « نحو العلم»، على حد قوله، كما تقطع الطريق على الأماني والأطماع الجرمانية الرامية إلى إخضاع أوربا الوسطى للسيطرة الألمانية، والتخلص من إمبراطورية هابسبورج، وإجلاء السلاف عن البلاد بالقوة لأنهم ليسوا من سكانها الأصليين. وبطبيعة الحال، ربط لاجارد بين الليبرالية الأممية الرمادية واليهود، الذين وصفهم بأنهم يشكلون عبئاً كريهاً ولا مغزى تاريخي لهم، يهدِّدون رسالة ألمانيا ووحدتها القومية. ولم تكن أفكار لاجارد عنصرية سوقية وإنما كانت عنصرية أكاديمية تستخدم ديباجات علمية، فقد كان يؤكد أنه لا يكن أي عداء لليهود كأفراد وإنما يعادي أمة سامية وثنية غريبة يُعرْقل وجودها (الموضوعي) اتحاد أوربا الوسطى تحت قيادة ألمانيا، ولذا فلابد من طرد أعضائها أو ترحيلهم بالقوة.
ومن الشخصيات التي ساهمت في إشاعة هذه الأفكار المعادية لليهود على أساس عرْقي، المؤرخ والسياسي الألماني هنريش فون ترايتشكه (1834 ـ 1896) الذي كان يُعَدُّ من أهم المفكرين الألمان في عصره، وهو ما أكسب هذه الأفكار قدراً كبيراً من المصداقية والاحترام. وصف ترايتشكه الهجوم على اليهود بأنه هجوم وحشي، ولكنه رد فعل طبيعي للمشاعر القومية الألمانية ضد عنصر غريب (الشعب العضوي في مواجهة الشعب العضوي المنبوذ)، ثم طرح الشعار المشهور « اليهود مصيبتنا ». وحذر الألمان من التدفق اليهودي من الخزان البولندي (إشـارة إلى الانفجار السـكاني بين يهود بولندا)، وهو تدفُّق لا ينضب، « جمع من الشباب الطموحين بائعي الملابس القديمة الذين سيسيطر أطفالهم وأطفال أطفالهم يوماً ما على سوق الأوراق المالية والصحف في ألمانيا ». وقد تبدَّى هذا الرفض لليهود في شكل تعاطُف مع المشروع الصهيوني.
ومن الشخصيات الأخرى التي أشاعت الفكر العرْقي المعادي لليهود هيوستون ستيوارت تشامبرلين (1855 ـ 1927)، وهو بريطاني المولد فرنسي النشأة ألماني بالاختيار، فقد كان معجباً بالثقافة الألمانية إعجاباً عميقاً. وقد تصادق مع فاجنر وتزوج ابنته، وتأثر بأفكار جوبينو ولاجارد، وألَّف أهم كتب العنصرية الغربية أسس القرن التاسع عشر (1899). وقد آمن تشامبرلين بتفوُّق الإنسان النوردي الأشقر، وبأن قدر التيوتونيين هو قيادة الإنسانية جمعاء، فكل ما هو عظيم في العالم من إبداعهم. وأكد تشامبرلين أن اختلاط الأجناس هو سبب التخلف. واليهود، بحسب رأي تشامبرلين، يشكلون عرْقاً هجيناً متحركاً هامشياً طفيلياً لاجذور له. وهم غير قادرين على الإبداع، ولا يوجد لديهم إحساس ديني، بل إن وجودهم ذاته جريمة ضد الإنسانية. وذهب تشـامبرلين إلى أن الشـخصيات المهمة في بدايـات التـاريخ اليهودي، مثل داود والأنبياء والمسيح، من أصل ألماني! وتنبأ بالمواجهة الحتمية بين الساميين والآريين.
ومن الملاحَظ أن معظم كتب معاداة اليهود (وأكثرها حدة) ألمانية. ولعل هذا يعود إلى مجاورة ألمانيا للجيب البولندي، وإلى وجود عنصر يهودي قوي في عالم الاقتصاد الألماني، وإلى دخول ألمانيا إلى الساحة الإمبريالية متأخرة من الناحية الزمنية، الأمر الذي أثر في مساحة الرقعة الجغرافية التي استعمرتها. ومن هنا، اضطرت ألمانيا إلى أن تنفث سمها العنصري في أوربا (ضد اليهود والسلاف) لا خارجها (ضد الأفارقة والآسيويين والمسلمين). ومع هذا، فليس بإمكاننا إنكار أن معاداة اليهود ظاهرة غربية تشمل شتى دول العالم الغربي، شأنها في هذا شأن الصهيونية. ولهذا، لم تقتصر كُتب معاداة اليهود على ألمانيا. وقد أشرنا من قبل إلى جوبينو الفرنسي، ويمكن أن نشير الآن إلى إدوار أدولف درومون ( 1844 ـ 1917)، وهو أيضاً فرنسي، وقد ضمن أفكاره كتاب فرنسا اليهودية (1886) الذي طُبع أكثر من مائة طبعة، وكان من أكثر الكتب الأوربية رواجاً ومبيعاً في القرن التاسع عشر. وقد ألف درومون كتباً أخرى تتضمن الأفكار نفسها والرؤية نفسها.
وكان درومون يرى أن يهود فرنسا عنصر أجنبي غريب يستغل النظام الاقتصادي الفرنسي لتحقيـق منافعه الخاصة وبسط سيطرته على العالم، وأنهم عنصر تجاري بطبيعته، يسيطر على المشاريع التجارية والصناعية الكبرى التي تعوق نمو الطبقة الوسطى المسيحية الناشئة، فهم يركزون الثروة في أيديهم (مثل روتشيلد) ويشكلون خطراً على مستقبل الطبقة العاملة في البلاد. وهم يتسمون بخصائص وميزات عرْقية منحطة وغير نقية، ويعملون على إفساد الروح الفرنسية، وتقع عليهم تبعة الانهيار والانحطاط السائدين في فرنسا بطولها وعرضها. واليهود يؤلفون « دولة داخل دولة » و« أمة داخل أمة »، ولذلك فإن اندماجهم ليس ممكناً، كما أن اختلاطهم بالشعب الفرنسي عن طريق التزاوج أمر غير مرغوب فيه. وهم بلا وطن حقيقي، ولا يخضعون لأية روابط فعلية، بل سيبقون إلى الأبد كما كانوا دوماً عنصراً غريباً في جسم الأمة يختلف بصورة جوهرية عن الفرنسيين، ويجب معاملتهم على الأسس التي يقترحها هو والنظر إليهم من تلك الزاوية. فهم لا يستحقون التحرر مطلقاً، بل يجب وقف تحرُّرهم ومصادرة ممتلكاتهم وأموالهم على أن يُسـتخدَم ذلك لإيجاد وسـائل إنتاجية للطبقة العاملة التي لا تزال مُستَغَلة. وقد ساهم كتاب درومون في صياغة رؤية كثير من المفكرين اليهود وغير اليهود للمسألة اليهودية ومنهم هرتزل.
ومن المفكرين الإنجليز الذين بادروا إلى معاداة اليهود، المؤرخ والمصلح التربوي البريطاني جولدوين سميث (1823 ـ 1910)، فقد نشر عام 1878، مع بدايات هجرة يهود اليديشية من روسيا إلى إنجلترا، عملاً حاول فيه أن يبرهن على استحالة أن يصبح اليهود مواطنين في دول أوربا المضيفة، كما حاول أن يبرهن على أن وجودهم يشكل خطراً سياسياً على بلده. أما اليهودية، فهي في رأيه دين عنصري يتمسك به اليهود بضراوة ويحل فيه العنصر أو العرْق محل البلد الذي فقدوه. الأمر الذي جعلهم يرفضون الاختلاط بالناس ويجلب عليهم بُغض الشعوب. ولهذا السبب، نادى سميث بحل صهيوني للمسألة اليهودية.
وقد ظهرت أعمال أدبية أخرى، مثل بروتوكولات حكماء صهيون، تردد الأفكار نفسها التي وردت في الكتب السابقة. والواقع أن بروتوكولات حكماء صهيون تصوِّر الأفكار السابقة بطريقة شعبية تصل إلى وجدان البسطاء بسرعة وتجسد المخاطر، التي تحدَّث عنها تشامبرلين أو ترايتشكه، في شكل مؤامرة عالمية متعيِّنة، واجتماعات عقدها الحاخامات للسيطرة على العالم، أي أن البروتوكولات تشيع الأفكار نفسها بأسلوب يشبه أسلوب صحافة الإثارة والجريمة والجنس.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق