485
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد الثانى: الجماعات اليهودية.. إشكاليات
الجزء الرابع: عداء الأغيار الأزلي لليهود واليهودية
الباب الأول: إشكالية معاداة اليهود
معــاداة اليهـــود : المصطلــح
Anti-Semitism: Terminology
«معاداة اليهود» ترجمة للمفهوم الكامن وراء العبارة الإنجليزية «أنتي سـيميتزم». والمعنى الحرفي أو المعجمـي للعبارة هو «ضـد السامية»، وتُترجَم أحياناً إلى «اللاسامية». وكان الصحفي الألماني اليهودي الأصل ولهلم مار (1818 ـ 1904) أول من استخدم هذا المصطلح عام 1879 في كتابه انتصار اليهودية على الألمانية ـ من منظور غير ديني. وقد صدر الكتاب بعد المضاربات التي أعقبت الحرب الفرنسية البروسية (1870 ـ 1871) والتي أدَّت إلى دمار كثير من المموِّلين الألمان الذين ألقوا باللوم على اليهود. ولو أُخذت العبارة بالمعنى الحرفي، فإنها تعني العداء للساميين أو لأعضاء الجنس السامي الذي يشكل العرب أغلبيته العظمى، بينما يُشكك بعض الباحثين في انتماء اليهود إليه. ولكن المصطلح، في اللغات الأوربية، يقرن بين الساميين واليهود ويوحد بينهم، وهذا يعود إلى جهل الباحثين الأوربيين في القرن التاسع عشر بالحضارات الشرقية، وعدم تكامل معرفتهم بالتشكيل الحضاري السامي أو بتنوع الانتماءات العرْقية والإثنية واللغوية لأعضاء الجماعات اليهودية. وهذا المصطلح يضرب بجذوره في الفكر العنصري الغربي الذي كان يرمي إلى التمييز الحاد بين الحضارات والأعراق، فميَّز في بداية الأمر بين الآريين والساميين على أساس لغوي، وهو تمييز أشاعه إرنست رينان (1823 ـ 1892)، ثم انتقل من الحديث عن اللغات السامية إلى الحديث عن الروح السامية والعبقرية السامية مقابل الروح الآرية والعبقرية الآرية التي هي أيضاً الروح الهيلينية أو النابعة منها. ثم سادت الفكرة العضوية الخاصة بالفولك أو الشعب العضوي، ومفادها أن لكل أمة عبقريتها الخاصة بها ولكل فرد في هذه الأمة سمات أزلية يحملها عن طريق الوراثة، وانتهى الأمر إلى الحديث عن تفوُّق الآريين على اليهود (الساميين)، هذا العنصر الآسيوي المغروس في وسط أوربا، كما دار الحديث عن خطر الروح السامية على المجتمعات الآرية. وشاع المصطلح منذ ذلك الوقت وقام الدارسون العرب باستيراده وترجمته كما فعلوا مع كم هائل من المصطلحات الأخرى. وبدلاً من ترجمة المصطلح، فقد فضلنا هنا توليد مصطلح جديد هو «معاداة اليهود» لأنه أكثر دقة ودلالة، كما أنه أكثر حياداً ولا يحمل أية تضمينات عنصرية ولا أية أطروحات خاطئة، كما هو الحال مع مصطلح «أنتي سيميتزم».
لكن بعض الكُتَّاب الغربيين يميلون إلى التمييز بين «معاداة اليهودية» و«معاداة السامية» حيث إن معاداة اليهودية، حسب تصوُّرهم، هي عداء ديني للعقيدة اليهودية وحدها، وبالتالي كان بإمكان اليهودي أن يتخلص من عداء المجتمع له باعتناق المسيحية. أما معاداة السامية، فهي عداء لليهود بوصفهم عرْقاً، وبالتالي فهي عداء علماني لاديني ظهر بعد إعتاق اليهود وتزايد معدلات اندماجهم. وهذا النوع من العداء يستند إلى نظريات ذات ديباجات ومسوغات علمية عن الأعراق عامة، وعما يُقال له «العرْق اليهودي»، وعن السمات السلبية الافتراضية (الاقتصادية والثقافية) الثابتة والحتمية لليهود اللصيقة بعرْقهم! وتصحب مثل هذه الدراسات إحصاءات عن دور اليهود في التجارة والربا مثلاً، وفي تجارة الرقيق عامة والرقيق الأبيض على وجه الخصوص، ومعدلات هجرتهم، ثم يتم استخلاص نتائج عرْقية منها. وبالتالي، إذا كانت معاداة اليهودية تعبيراً عن التعصب الديني، فإن معاداة السامية، حسب هذه الرؤية، هي نتيجة موقف دنيوي بارد يستند إلى حسابات المكسب والخسارة وإلى الرصد "العلمي" لبعض السمات اللصيقة بما يُسمَّى «الشخصية اليهودية». ويرى المنادون بهذا الرأي أن معاداة السامية بدأت في القرن التاسع عشر (أساساً) وإن كان بعضهم يرى أن عداء الدولة الإسبانية ليهود المارانو (وهم اليهود الذين تنصَّروا) هو عداء ذو دافع دنيوي إذ أن هؤلاء المارانو، بحسب إحدى النظريات، كانوا مسيحيين بالفعل. ولكن مقياس النقاء العرْقي (نقاء الدم) الذي حُكم به عليهم، لم يكن مقياساً دينياً وإنما كان مقياساً عرْقياً، وكان الدافع وراء اضطهادهم هو رغبة الأرستقراطية الحاكمة، أو بعض قطاعاتها على الأقل، في التخلص من طبقة بورجوازية جديدة صاعدة كانت تتهددها. ومن هنا، مُنع المارانو من الاستيطان في المستعمرات البرتغالية والإسبانية لتقليل فرص الحـراك أمامهم. وهكـذا، كانت هـذه الحركة تعبِّر عن اتجاه دنيوي، ولكنها تستخدم الخطاب الديني لتبرير غاياتها.
ومن هذا المنظور الطبقي العرْقي، يصبح اليهودي المندمج هو أكثر اليهود خطورةً، فهو يهودي (أي بورجوازي) يدَّعي أنه مسيحي ليحقق مزيداً من الحراك والصعود الاجتماعي. ولذا، لابد من وقفه والحرب ضده برغم تبنيه العقيدة المسيحية.
وهذا الموقف يناقض الموقف القديم لمعاداة اليهود حيث كانت الكنيسة ترحب بمن تنصَّر. فالنبلاء البولنديون المسيحيون، على سبيل المثال، كانوا يتزوجون من أعضاء الأسر اليهودية المتنصرة حتى القرن الثامن عشر. وقبل ذلك، كان الوضع نفسه سائداً في مملكتي قشطالة وأراجون في القرن الخامس عشر. ومن المعروف أن الكنيسة وقفت ضد أي تعريف عرْقي لليهودي يخضعه للحتميات البيولوجية شبه العلمية، وبالتالي فتحـت أمامـه أبواب الخـلاص. ولتبسـيط الأمور، دون تسطيحها، سنستخدم عبارة « معاداة اليهود» ثم نضيف إليها عبارات تحدد مجالها الدلالي مثل «على أساس عرْقي» أو «على أساس ديني»... إلخ، إن استدعى السياق ذلك.
وقد اختلط المجال الدلالي للمصطلح تماماً في اللغات الأوربية بعد ظهور الصهيونية. وبعد سيطرة الخطاب الصهيوني على النشاط الإعلامي الغربي، لم تَعُد هناك تفرقة بين ظاهرة معاداة اليهود في الدولة الرومانية وظاهرة معاداة اليهود في العصور الوسطى المسيحية. ولم يَعُد هناك تمييز بين معاداة اليهود على أساس عرْقي وبين معاداة اليهود على أساس ديني. وأصبحت معاداة الصهيونية، بل والدولة الصهيونية هي الأخرى، تُصنَّف باعتبارها من ضروب معاداة اليهود. وحينما كانت دول الكتلة الشرقية تصوت ضد إسرائيل في هيئة الأمم المتحدة، كان هذا يُعدُّ أيضاً تعبيراً عن تقاليد معاداة اليهودية الراسخة فيها. وبالمثل اعتُبر قيام فرنسا ببيع طائرات الميراج لليبيا تعبيراً عن الظاهرة نفسها. بل ويذهب أنصار هذا الرأي إلى أن نضال الشعب الفلسطيني ضد الاستيطان الصهيوني تعبير عن الظاهرة نفسها. وهكذا اتسع المجال الدلالي للمصطلح واضطرب ليضم عدة ظواهر لا يربطها رابط، حتى أصبح بلا معنى، وأصبح أداة للإرهاب والقمع الفكريين.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق