إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 22 أغسطس 2014

408 موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري المجلد الثانى: الجماعات اليهودية.. إشكاليات الجزء الثالث: يهود أم جماعات وظيفية يهودية؟ الباب الأول: الجماعات الوظيفية اليهودية الجماعـــات اليهـــودية والانتمــاء الطــبقي Jewish Communities and Class Affiliation


408

موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية

للدكتور عبد الوهاب المسيري

المجلد الثانى: الجماعات اليهودية.. إشكاليات

الجزء الثالث: يهود أم جماعات وظيفية يهودية؟

الباب الأول: الجماعات الوظيفية اليهودية

الجماعـــات اليهـــودية والانتمــاء الطــبقي

Jewish Communities and Class Affiliation

كلمة «طبقة» هي المقابل العربي لكلمة «كلاس class»الإنجليزية وهي من الكلمة اللاتينية «كلاسيس classis» التي كانت تُطلَق على كل قسم من سكان روما حسب ملكيتهم. وقد عُرِّفت الطبقة بأنها فئة في المجتمع تتميَّز عن الفئات الأخرى وفقاً للتشابه في عوامل مادية ومعنوية مثل مستوى الدخل ومصادره وطبيعة المهنة ونصيب أفراده في ثروة المجتمع والقوة والسلطة الاقتصادية والمهنية. وفي المصطلح الماركسي، تُعبِّر كلمة «طبقة» عن الأشكال الأساسية للعلاقات ذات الصلة بوسائل الإنتاج، فالطبقة الرأسمالية هي التي تتحكم في أدوات الإنتاج أما الطبقة العاملة فهي التي لا تملك شيئاً سوى قوة أذرعها.

ويُفرِّق ماكس فيبر بين الطبقة من حيث إنها تشير إلى الوضع الاقتصادي والطبقة الاجتماعية من حيث إنها تؤكد معاني النفوذ وأسلوب الحياة والتداخل الوثيق بين عناصرها، كما يميِّز أيضاً بين الطبقة والمكانة أو ما يُسمَّى «طبقة المكانة»، أي الطبقة التي تتكون من أشخاص على مستوى متشابه من رموز الهيبة المشتقة من طريقة الحياة أو نموذج المهنة أو الأنشطة الاجتماعية أو السلالة أو الأسرة أو أية عوامل أخرى تُعتبر ذات أهمية خاصة في المجتمع.

وإذا ما حاولنا تحديد الطبقة أو الطبقات التي ينتمي إليها أعضاء الجماعات اليهودية عادةً، فسنجد أن هذا أمر مستحيل بطبيعة الحال، لأنهم ينتمون إلى مجتمعات مختلفة تمر بمراحل تطور مختلفة، مما يعني قدراً عالياً من عدم التجانس. وقد يمكن التوصل إلى تعميمات ما، ولكنها ستكون ذات طابع مجرد للغاية بحيث تصبح بلا قيمة تفسيرية. ولعل التعميم الوحيد الممكن هو أن أعضاء الجماعات اليهودية خاضعون للحركيات المختلفة للمجتمعات التي ينتمون إليها. ولذا، فإن العبرانيين القدامى كانوا، حتى عصر القضاة، رعاةً رحلاً. وبعد الاستقرار في عصر الملكية، انقسم المجتمع العبراني إلى طبقة حاكمة تضم الملك وكبار الملاك والنخبة العسكرية، وطبقات أخرى مثل الحرفيين والأرقاء. وبعد سقوط الدولة، كان منهم الفلاحون والحرفيون والجنود المرتزقة وكبار ملاك الأراضي والكهنة. وفي الصين، انضمت قيادتهم بأعداد متزايدة لطبقة الماندرين (نخبة المثقفين والعلماء التي حكمت الصين). وفي إنجلترا، في بداية القرن العشرين، كان منهم كبار الرأسماليين والبروليتاريا في آن واحد.

وأعضـاء الجماعـات اليهـودية جـزء لا يتـجزأ مـن مجتمعاتهم، فالجماعات اليهودية تعرف الصراع الطبقي فيما بين أعضائها والذي قد يصل إلى حد التطاحن والقتال كما حدث في فلسـطين إبـان التمردات المختلفـة ضـد الحشـمونيين والرومان، إذ أن أثرياء اليهود كانوا جزءاً من المؤسسة اليونانية (السلوقية) أو الرومانية، ولهذا كانت الثورات تندلع ضدهم. كما أن مختلف مؤسسات الإدارة الذاتية، مثل القهال، كان يدور داخلها الصراع الطبقي وبحدة. وفي منطقة الاستيطان، كان العمال من أعضاء الجماعات اليهودية ينظمون إضرابات ضد الرأسماليين اليهود الذين كانوا يستغلونهم. كما أن الرأسماليين من أعضاء الجماعات اليهودية بدورهم كانوا يرفضون استئجار العمال اليهود حتى لا يخضعوا للضغوط الاجتماعية. وفي الولايات المتحدة قام الرأسماليون اليهود من أصول ألمانية باستغلال المهاجرين من يهود اليديشية.

ولكن من الممكن الوصول إلى تعميمات ذات مقدرة تفسيرية معقولة لو تخلينا عن الرؤية البانورامية العالمية الواسعة ومفهوم الطبقة وخفضنا مستوى التعميم واقتصرنا على الجماعات اليهودية داخل الحضارة الغربية. ويُلاحَظ أن انتماءات اليهود الطبقية داخل هذه الحضارة مُركَّبة إلى أقصى حد، ومع هذا يمكن القول بأن أحد أهم الأنماط المتكررة هو نمط الجماعة الوظيفية المالية والحرَفيِّة. والجماعة الوظيفية ليـست لها علاقة مباشرة بالبناء الطبقي والاجتماعي للمجتمع، إذ تقف على هامشه وتتحدد علاقتها بالدور الذي تلعبه والوظيفة التي تضطلع بها. واليهود، كجماعة وظيفية (أقنان بلاط ـ يهود بلاط ـ يهـود أرندا)، كانوا هم أنفسـهم أداة إنتـاج في يد الحاكم، وكانت المواثيق التي يمنحها لهم تنص على أنهم ملكية خاصة له. وبهذا، لم يدخل أعضاء الجماعة اليهودية في علاقات إنتاج وإنما كانوا أداة تتحدد من خلالها علاقات الإنتاج؛ أداة لجمع الضرائب ولزيادة الفوائد على الربا. وقد كان وجود أعضاء الجماعة اليهودية داخل الجيتو، بمعزل عن بقية طبقات المجتمع، تعبيراً عن هذا الوضع الذي يتحدَّد من خلال الوظيفة خارج السلم الطبقي. وكان المجتمع ككل ينظر إلى أعضاء الجماعة اليهودية لا باعتبارهم أثرياء أو فقراء أو فلاحين أو نبلاء وإنما باعتبارهم مادة بشرية تضطلع بوظيفة التجارة والربا وغير ذلك من الوظائف المتميِّزة أو المشـينة. وكان أعضـاء الجماعة اليهودية الوظيفية، بسـبب طبيعة وضـعهم، يضـطرون إلى التلاحم فيما بينهم، الأمر الذي كان يقلل من حدة الصراع الطبقي بين أعضاء الجماعة.
ومع ظهور الدولة الحديثة، اختفى هذا الوضع إلى حدٍّ كبير، وتم استيعاب أعضاء الجماعة داخل البناء الطبقي والاجتماعي للمجتمعات الغربية، ولم يبق سوى صدى خافت لوضعهم السابق كأعضاء في جماعة وظيفية، ويتجلى ذلك في تَركُّزهم في صناعات ومهن بعينها دون غيرها، وفي كثير من القطاعات التي تُعدُّ هامشـية مثل الإعـلام والإعـلان والسينما، وفي غيابهم عن قطاعات أولية مثل التعدين والزراعة.

ويمكن القول بأن عدم انتماء أعضاء الجماعات اليهودية إلى طبقة محددة، وتَحوُّلهم إلى جماعة وظيفية، هو الذي يُفسِّر سبب عدم مساهمتهم في بناء الرأسمالية الغربية الرشيدة وسبب عدم ظهورهم حركة استعمارية يهودية مستقلة، ويُفسِّر أيضاً لماذا تعيَّن على الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيـوني أن يكون اسـتعماراً عميلاً، امتداداً للجماعة الوظيفية العميلـة.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق