إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 20 أغسطس 2014

390 موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري المجلد الثانى: الجماعات اليهودية.. إشكاليات الجزء الثاني: يهود أم جماعات يهودية؟ الباب الرابع: اليهود والجـماعات اليهودية الجماعــات اليهوديــة Jewish Communities


390

موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية

للدكتور عبد الوهاب المسيري

المجلد الثانى: الجماعات اليهودية.. إشكاليات

الجزء الثاني: يهود أم جماعات يهودية؟

الباب الرابع: اليهود والجـماعات اليهودية

الجماعــات اليهوديــة

Jewish Communities

«الجماعات اليهودية» مصطلح نستخدمه في هذه الموسوعة بدلاً من مصطلح «اليهود». ونحن نذهب إلى أن العبرانيين (والعبرانيين اليهود)، أي اليهود القدامى، كانوا يشكلون وحدة ثقافية وإثنية تتسم بقدر من التماسك والتجانس والوحدة. ولكن، مع انتشار اليهود في أرجاء العالم في مجتمعات مختلفة، لكلٍّ تقاليدها الحضارية والدينية، وتواريخها، تَفاعَل اليهود مع هذه التقاليد والتواريخ وخضعوا لمؤثراتها، شأنهم شـأن كل الأقليات والبشـر. وقد بدأت عملية الانتشـار مع التهجير البابلي، ولكن وتيرتها تصاعدت مع ظهور الحضارة الهيلينية والرومانية. وقد اكتملت عملية الانتشار والتَفرُّق مع هدم الهيكل في عام 70م على يد تيتوس، وكذلك سقوط العبادة القربانية المركزية وأية سلطة دينية مركزية يهودية. وقد تَحوَّل اليهود نتيجة هذه العملية إلى جماعات مختلفة متفرقة غير متجانسة. ونحن نفضل استخدام مصطلح «جماعات يهودية» على مصطلح «يهود» لأن المصطلح الأخير يؤكد التَماسُك والتَجانُس والوحدة حيث لا تَماسُك ولا تَجانُس ولا وحدة.

وإذا حاول الدارس أن يدرس أعضاء الجماعات اليهودية في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين كيهود وحسب فإنه سيحاول دون شك أن يرصد عناصر الوحدة بين هؤلاء اليهود. ومع أن هناك عناصر مشتركة قد تجمع بين هذه الجماعات، إلا أنها ليست في أهمية العناصر غير المشتركة من الناحية التفسيرية والتصنيفية. ولعل الاستعراض التاريخي الجغرافي للجماعات اليهودية يوضح هذه النقطة، فقد كانت الجماعات اليهودية في كل أنحاء العالم، في القرنين العاشر والحادي عشر، تُوجَد داخل عدة تشكيلات حضارية سياسية مستقلة وسمت كل جماعة بميسمها. وقد أصبح أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا أقنان بلاط وتجاراً ومرابين داخل النظام الإقطاعي، بل وبدأوا يواجهون مشكلة ظهور طبقات تجارية ومالية محلية. أما يهود العالم الإسلامي فلم يتسموا بتَميُّز وظيفي حاد بل وشاركوا في الثورة التجارية التي ظهرت آنذاك، وكانوا من الناحية الثقافية جزءاً لا يتجزأ من محيطهم الحضاري كما هو واضح في العصر الذهبي في الأندلس. وقد كانت أعداد من يهود فارس (وربما الهند) قد بدأت تستقر في الصين لأسباب تتصل بالحضارة الصينية (وهو تَزايُد الحاجة إلى المنسوجات الحريرية). وكان يهود الخزر قد تبعثرت دولتهم بسبب صعود القوة السلافية الروسية وتَنصُّرها، ولكنهم كانوا يشاركون في تأسيس المجر. وكان يهود الفلاشاه قد أصبحوا جزءاً من التشكيل الحضاري الأفريقي في إثيوبيا، وكونوا قبيلتهم بل ومملكتهم وانخرطوا في الحروب القَبَلية المختلفة. ولا يمكن لإطار واحد أن يشمل كل هذه الظواهر. ولفهم سلوك هذه الجماعات وحركتها ومصيرها، لابد من العودة إلى التشكيلات الحضارية التاريخية التي كانوا يُوجَدون فيها، لا إلى جوهر يهودي يتجاوز الزمان والمكان ويشكل وحدتها الجوهرية أو إلى تاريخ يهودي يتطور حسب قوانينه الداخلية ويتطور اليهود في إطاره منعزلين عن تواريخ الجماعات التي يعيشون بين ظهرانيها.

وقد ازداد عدم التجانس بين الجماعات اليهودية بعد القرن الحادي عشر على المستويين الديني والاجتماعي، حيث تَعمَّق التوحيد في النسق الديني اليهودي في العالم الإسلامي، بينما تَعمَّق العنصر الحلولي الكموني في اليهودية الغربية وظهرت عناصر الثنوية والشرك مع هيمنة التراث القبَّالي. بينما كان يهود العالم الإسلامي يزدادون اندماجاً وتَحضُّراً، كان يهود العالم الغربي يزدادون انعزالاً وتَخلُّفاً. ولكن، مع الصعود الاقتصادي للعالم الغربي بعد الثورة التجارية والصناعية والرأسمالية، نجد أن يهود الغرب مارسوا تحولاً عميقاً ولعبوا دوراً في هذه العملية التي لم تترك أي أثر في يهود الدولة العثمانية أو يهود كوشين في الهند على سبيل المثال.

وفي العصر الحديث، نجد أن اليهود الأرثوذكس يُكفِّرون الإصلاحيين والمحافظين والتجديديين. ويوجد الآن فريق من اليهود المسيحيين الذين يؤمنون بالمسيح باعتباره الماشيَّح دون الاعتراف بألوهيته. كما أن غالبية يهود العالم إما ملحدون أو لاأدريون أو غير مكترثين بالدين. ويهود الفلاشاه لا يعرفون التلمود ويتعبدون بالجعزية، مع أن التلمود يُشكل العمود الفقري لليهودية الحاخامية (أي اليهودية الأرثوذكسية(.

وكل جماعة يهودية لها مشاكلها الخاصة النابعة من وجودها داخل بناء تاريخي مستقل، فيهود الفلاشاه يواجهون مشكلة المجاعات التي تجتاح أفريقيا في الآونة الأخيرة كما بدأوا يواجهون مشكلة التحديث في إسرائيل. أما يهود اليمن، فهم يواجهون مشكلة عدم توافر المعلمين الدينيين والكتب الدينية بسبب انقطاع صلتهم بمراكز الدراسات الحاخامية في الغرب، كما يواجهون مشكلة أن اليمن بلد عربي في حالة صراع سياسي حاد مع دولة تُسمِّي نفسها «الدولة اليهودية». وهم يعانون أيضاً من التَدخُّل الدائم من المنظمة الصهيونية التي تحاول إنقاذهم شاءوا أم أبوا. واليهود القرّاءون في إسرائيل يواجهون مشكلة وجودهم في مجتمع تسيطر عليه المؤسسة الحاخامية التي لا يعترفون بها، وكذلك مشكلة تَزايُد معدلات العلمنة. أما القرّاءون في الاتحاد السوفيتي، فيواجهون مشاكل مختلفة. ومشاكل كلا الفريقين تختلف عن تلك التي يواجهها اليهود القرّاءون في مصر أو في الولايات المتحدة. واليهود السامريون في نابلس يواجهون مشاكل فريدة باعتبارهم أصغر أقلية دينية في العالم لا تزال محتفظة بعبادتها القربانية المرتبطة بجبل جريزيم. ومشاكل يهود جورجيا تختلف عن مشاكل يهود الكرمشاكي أو يهود أوكرانيا أو يهود بيروبيجان. ويواجه يهود الولايات المتحدة مشاكل من بينها الخوف من الاندماج (الهولوكوست الصامت) نتيجة تقبل المجتمع لهم ونجاحهم فيه. وهذا التقبل والنجاح يسبب لهم مشاكل مع السود، فالسود متركزون في المدن نفسها التي يوجد فيها اليهود وعادةً ما يشغلون «الجيتو» الذي كان يشغله المهاجرون اليهود قبل أن يحققوا الحراك الاجتماعي وينتقلوا إما إلى جيرة أفضل أو إلى الضواحي. فحي هارلم الشهير كان حياً يهودياً يجعل من « المالك اليهودي » ممثلاً للرأسمالية الأمريكية المستغلة أمام الأمريكيين السود، الأمر الذي يسبب كثيراً من المشاكل للجماعة اليهودية ككل. كما أن تَزايُد وعي السـود بأنفسـهم، وبقوتهم ورغبتهم في المشـاركة في السلطة، يجعل احتكاكهم باليهود أكثر حدة بسبب تَركُّز الجماعتين في الأماكن نفسها. ويواجه يهود هولندا مشكلة عدم الامتزاج بين الإشكناز والسفارد حتى أن كل طائفة لها مدارسها. وكلا الفريقين يواجه مشاكل ناجمة عن تَصاعُد معدلات العلمنة في هولندا. ويجابه أعضاء الجماعة اليهودية في فرنسا مشاكل الانقسام، فالمهاجرون اليهود من البـلاد العربية لا يتزوجون في كثير من الأحوال من يهود فرنسا الأصليين، وإن كانت هذه الظاهرة قد بدأت تقل.

كما نجد أن الجماعات اليهودية لا تعترف أحياناً الواحدة بالأخرى. وتتضح هذه الظاهرة بحدة في أمريكا اللاتينية حيث حافظت كل جماعة يهودية على هويتها وبالتالي كان الصدام حاداً بين الجماعات، خصوصاً بين السفارد والإشكناز. وفي سويسرا، يجابه اليهود مشكلة أن الذبح الشرعي محظور منذ أمد طويل مع أن سويسرا هي مقر كثير من المنظمات اليهودية. وفي إنجلترا، يجابه الجيل اليهودي القديم مشكلة انصراف اليهود عن التعليم اليهودي والتقاليد اليهودية، فخمسة في المائة فقط من الأطفال اليهود يدخلون مدارس يهودية و75% يدرسون موضوعات اليهودية في مدارس الأحد و20% لا يتلقون أية ثقافة يهودية على الإطلاق. والواقع أن مشكلة التعليم و «الانتماء اليهودي» على وجه التحديد هي مشكلة تواجهها جميع الجماعات اليهودية في الغرب، وسببها ازدياد علمانية هذه المجتمعات وانتشار العقلية الاستهلاكية التي لا تهتم كثيراً بالتاريخ أو التراث أو الهوية. ومما يزيد المشكلة حدة أن الجيل الجديد يدخل طرفاً في زيجات مُختلَطة، الأمر الذي لابد أن يؤدي إلى تَناقُص عدد أعضاء الجماعة. كما أن أعضاء الأجيال الجديدة يحجمـون عن الزواج بشـكل عام، وإن تزوجـوا فهـم يُحجمون عن الإنجاب. ومن الملاحَظ أن متوسط أعمار اليهود في كثير من بلدان الغرب أعلى من متوسط العمر في هذه البلدان بسبب اختفاء العناصر الشابة. وكل هذا يهدد بموت الشعب اليهودي وهي مشكلة لا يعاني منها اليهود الشرقيون بعد.

إن مشاكل الجماعات اليهودية متنوعة ونابعة من وجودها في مجتمعات مختلفة ذات مستويات مختلفة من التقدم والتخلف. ولكن استخدام اصطلاح «يهود» على إطلاقه لن يساعد كثيراً على التحليل والتفسير. ومن هنا، فإننا نرى أن كلاًّ من العقيدة اليهودية والهوية اليهودية هما، في واقع الأمر، عقائد وهويات تأخذ شكل تركيب تراكمي جيولوجي يحوي داخله طبقات غير متجانسة تعيش بعضها فوق بعض. (وإذا ما أطلقنا على هذا اسم «يهود» و«يهودية» لكان في الأمر تعسف وليٌّ لعنق الواقع لا يساعدان كثيراً على فهم الظاهرة). ولذا، فنحن نشير إلى العقائد وإلى الجماعات اليهودية، بحيث تؤكد كلمة «جماعات» على استقلال كل جماعة وعلى خضوعها لحركيات تاريخية وحضارية مختلفة.

كما أن لفظ «جماعة» أفضل من لفظ «طائفة» أو «أقلية». فلفظ «طائفة» يشير عادةً إلى طائفة دينية، بينما يؤكد لفظ «أقلية» الجانب الكمي للظاهرة. أما كلمة «جماعة»، فهي وإن كانت لا تؤكد الجانب الكمي (أي عدد اليهود كأقلية)، إلا أنها لا تستبعده تماماً. كما تتضمن فكرة أنها جزء من كل أكبر، كما أن كلمة «جماعة»، وهذا هو الأهم، تؤكد أن ثمة عناصر تُميِّز هذه المجموعة البشرية وأن هذه العناصر ليست دينية وحسب، فقد تكون حضارية أو ثقافية أو وظيفية. ونحن حين نستخدم اصطلاح «جماعة وظيفية»، فإننا نربط على مستوى المصطلح بين «الجماعـة اليهوديـة» و«الجماعـة الوظيفيـة». ومما يجدر ذكره أن العرب، في شبه جزيرة أيبريا، استخدموا لفظ «الجماعة» للإشارة إلى اليهود، وقد استبقاه المسيحيون من بعدهم. والمقدرة التفسيرية لمصطلح «الجماعة اليهودية» أعلى بكثير من مصطلح «اليهود» الذي يجعل الباحث يواجه اليهود ككتلة متماسكة لها قوانينها الخاصة المقصورة عليها ولها منطقها الداخلي. أما مصطلح «أعضاء الجماعات اليهودية»، فيؤكد عدم التجانس وعلى استقلال كل جماعة عن الأخرى، ويؤكد أن هذه الجماعات قد تكون خاضعة لقوانينها الخاصة ومنطقها الداخلي (من حيث هي يهودية) ولكنها مع ذلك خاضعة أيضاً لقانون أكبر ومنطق أشمل من حيث هي «جماعات» تشكل جزءاً من كل، فهو إذن مصطلح يعيِّن الظاهرة باعتبارها ظاهرة يهودية ولكنه لا يجعل هذا الأمر النقطة المرجعية الأساسية بل مجرد نقطة فرعية، إذ تظل الحقيقة الأساسية المرجعية أنها جماعة بشرية في مجتمع الأغلبية، وأنها جزء من كل تاريخي حضاري أكبر تستمد منه هويتها وتَرقَى حركيتها برقيه وتنحدر وتهوى بانحداره وسقوطه، شأنها في هذا شأن الجماعات المماثلة.

ومن المفيد أن نؤكد أن مصطلحاً مثل «الجماعات اليهودية في مصر» قد يكون مضللاً رغم أنه يشير إلى يهود مصر، فلابد من تأكيد البُعد الزمني إلى جانب البُعد الجغرافي. والواقع أن يهود مصر، على سبيل المثال، يبدأ تاريخهم منذ أن كانوا في مصر عبيداً عبرانيين يتحدثون لغة المصريين القدماء أو ربما لغة أخرى لا نعرف ما هي (ثم حينما تسللوا إلى كنعان اكتسبوا لسان كنعان). وكانت حامية إلفنتاين العبرانية، في عهد الأسرة 26، تتحدث العبرية والآرامية، وتتعبد حسب صيغة وثنية يهودية إذ كانوا يعبدون يهوه وآلهة أخرى. ثم نجد أن يهود مصر راحوا يتأغرقون بعد ذلك ويتخذون من اليونانية لغةً لهم، كما اكتسبت عبادتهم بُعداً هيلينياً. وأخيراً، بعد الفتح الإسلامي، استعرب يهود مصر وأصبحت يهوديتهم أكثر توحيدية. وفي العصر الحديث، تم علمنتهم وتغريبهم. إن هذه الجماعات المختلفة إثنياً ودينياً يُطلَق عليها جميعاً «يهود مصر» كما لو كانت كُلاًّ واحداً مستمراً بلا انقطاع، مع أن من الواضح أن ثمة انقطاعات عديدة.

ومن أكثر الأمثلة دراميةً وطرافة يهود القرم ويهود شبه جزيرة تامان المجاورة لها. ويعود تاريخ استقرار اليهود في هذا المكان إلى القرن الثاني قبل الميلاد، حينما استجلب مثراديتيس الأكبر مستوطنين يهوداً من آسيا الصغرى ووطنهم ذلك الجزء من مملكته (حول مضيق البوسفور). ومن المؤكد أنه، في القرن الأول الميلادي، كانت توجد مستوطنات من اليهود المتأغرقين في المملكة البوسفورية. ولذا، كانت شواهد قبورهم تُكتَب بكل من اليونانية والعبرية، كما كان الحال في مصر بعد تأغرقهم. وهناك وثائق تدل على وجود جماعة استيطانية قتالية من عَبَدة الإله الأعظم. وقد حطمت قبائل الهن هذه المملكة في عام 370 مما ساهم في نَزْع الصبغة الإغريقية عن الجماعة اليهودية. ثم غزت الإمبراطورية البيزنطية هذه المنطقة في القرن السادس، ولابد أن هوية اليهود في هذه المنطقة قد تَغيَّرت بتَغيُّر التشكيل الحضاري الذي ساد فيها. وفيما بعد، غزت قبائل الخَزَر شبه جزيرة القرم في منتصف القرن السابع، وهو ما أدَّى إلى دخولها في فلك إمبراطورية الخَزَر فتترَّك اليهود فيها وتهوَّدت النخبة الحاكمة. وبعد سقوط دولة الخَزَر، التي اختفى آخر أثر لها في القرم في القرن الحادي عشر، اكتسح التتار شبه الجزيرة عام 1227. وقد اندمج اليهود في التتار أيضاً وتَبنَّوا لغتهم وأزياءهم. وهؤلاء هم أسلاف يهود الكرمشاكي الذين انتقلت بقاياهم مؤخراً من الاتحاد السوفيتي إلى الولايات المتحدة. وتحت حكم التتار، بدأ القرّاءون يدخلون القرم. وقد قامت مدينة جنوة بتأسيس بعض مستعمرات تجارية على الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة في منتصف القرن الرابع عشر. ويبدو أن بعض أعضاء الجماعة اليهودية اكتسبوا الثقافة الإيطالية أو انضم إليهم يهود من إيطاليا. ونحن نعرف أن الجماعة اليهودية في تامان كان يرأسها (عام 1419) يهودي إيطالي يُدعَى سيمون دي جوبزولفي.

ومع سقوط القسطنطينية عام 1543، أصبحت القرم تابعة للدولة العثمانية. ولابد أن هذا ترك أيضاً أثره الثقافي في اليهود. ثم ضمت روسيا القرم في عام 1783، وبدأت هجرة العناصر الإشكنازية، كما بدأ تحديث يهود القرم.
ورغم كل هذه التحولات اللغوية والحضارية، يُشار لهم باسم «يهود القرم» بكل ما ينطوي عليه المصطلح من استمرار وتَجانُس وعدم انقطاع حيث لا استمرار ولا تَجانُس، وإن وُجدت عناصر استمرار فإنها لا تكون في أهمية عناصر الانقطاع وعدم الاستمرار. ولذا، نقترح أن نقول «يهود القرم في العصر الخزري» و«يهود مصر في العصر البطلمي» وهكذا.
وأخيراً، يجب ملاحظة أن إحدى الدول قد تضم جماعة يهودية واحدة متجانسة حضارياً و تضم دولة أخرى عدة جماعات. فالجماعة اليهودية في إنجلترا، مثلاً، جماعة واحدة يتصف معظم أعضائها ببعض السمات الأساسية، وغالبيتهم الساحقة يتحدثون الإنجليزية. والأمر نفسه ينطبق على يهود الولايات المتحدة، حيث تُوجَد جماعة يهودية رئيسة يتحدث أعضاؤها الإنجليزية وجماعات أخرى صغيرة للغاية مهملة إحصائياً، خصوصاً أن أعضاءها في طريقهم إلى الاندماج والاختفاء. هذا على عكس يهود الاتحاد السوفيتي (سابقاً)، فقد كانت أغلبيتهم الساحقة من يهود اليديشية الإشكناز الذين اصطبغوا بالصبغة الروسية، ولكن كانت هناك جماعات أخرى (تُشكل حوالي 15%) لها هويات أخرى. والشيء نفسه ينطبق على أمريكا اللاتينية، فما نقوله عن الجماعة اليهودية في إنجلترا والولايات المتحدة، وكذلك ما يُقال عن الجماعات اليهودية في الاتحاد السوفيتي (سابقاً)، يَصدُق على الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق