إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 15 أغسطس 2014

201 موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري المجلد الأول: الإطـار النظــرى الجزء الخامس: الجماعات الوظيفية الباب الأول: السـمات الأسـاسية للجماعات الوظيفية الجماعات الوظيفية العميلة


201

موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية

للدكتور عبد الوهاب المسيري

المجلد الأول: الإطـار النظــرى

الجزء الخامس: الجماعات الوظيفية

الباب الأول: السـمات الأسـاسية للجماعات الوظيفية


الجماعات الوظيفية العميلة

«الجماعة الوظيفية العميلة» هي جماعة وظيفية لا تقوم على خدمة أعضاء المجتمع كافة، فهي ترتبط ارتباطاً شبه عضوي بالطبقة الحاكمة التي تستخدمها كأداة لقمع المحكومين واستغلالهم. ولعل من أهم الأمثلة على الجماعة الوظيفية العمـيلة جماعات المرابين (من اليهـود وغير اليهود) في العصور الوسـطى في الغرب (وخصـوصاً بعد القرن الخامس عشر). فلم يكن المرابي، مثل التاجر، أداة توصيل للسلع بين المنتج والمستهلك، وإنما كان أداة استغلال في يد الحاكم. وكذلك الجنود المرتزقة حينما كانوا يضطلعون بوظيفة حماية الحاكم (مثل الحرس السويسري في فرنسا قبل الثورة الفرنسية)، فهم أيضاً جماعة وظيفية عميلة لا يدافع أعضاؤها عن المجتمع المضيف (كالمماليك) وإنما يقومون بقمع الجماهير لصالح النخبة الحاكمة.

ويُلاحَظ أن الجماعة العميلة لا تبدأ بالضرورة كذلك، فقد تبدأ كجماعة وظيفية ثم تصبح من خلال الظروف التاريخية جماعة عميلة. ولتوضيح هذه الفكرة سنضرب مثلاً بالزرادشتيين، وهم عبدة نار هاجروا من إيران إلى الهند بعد الفتح الإسلامي واستقروا فيها، فقد كانوا يتحدثون الجوجورات ويلبسون أزياء الهنود وكانوا جماعة وظيفية تعمل بالزراعة والتجارة وتجارة الخمور، كما كان منهم الحرفيون. ورغم عزلتهم، فقد كانوا يضطلعون بوظيفة يحتاج إليها المجتمع، ولذا لم يكن هناك أي تحريض ضدهم. وبعد الاحتلال البريطاني للهند تحوَّل الزرادشتيون إلى جماعة عميلة، فأصبحوا ممثلين للشركات الأجنبية وتعاونوا مع ممثلي الاستعمار الإنجليزي. وبحلول عام 1864، أصبحت بومباي مركز نشاط الزرادشتيين وازداد تركُّزهم فيها وأصبحوا من أكثر الجماعات في الهند تركُّزاً في المدن، واشتغلت أعداد كبيرة منهم بالتجارة وتبادل العملات والمزايدات والعقارات، كما أصبحوا رواداً في تأسيس مصانع النسيج والصحف والمدارس على النظام الغربي. وقد قاموا بتحديث دينهم نفسه وخدموا في الحكومة الهندية كمساعدين للإنجليز. وكانوا يرون أن وظيفتهم تتوقف أساساً على مدى ولائهم للنخبة الحاكمة، وكانوا أيضاً يعتبرون أن الحكم البريطاني قد أتى لهم بالاستقرار والأمن والسلام.

ومع بدايات الحركة القومية الهندية في أواخر القرن التاسع عشر، حينما كانت هذه الحركة لا تزال تتسم بما يُسـمَّى «الاعتدال»، أي عدم المواجـهـة مع الاسـتعمار الإنجـليزي، انخـرطت أعـداد منهم في صفـوف قيادتها. ولكن، مع حدة المواجهة، انسحب الزرادشتيون وبدأت تظهر بينهم اتجاهات معادية للهنود، ثم تَنصَّـل الزرادشتيون من هويتهم "الشرقية" وعرَّفوا أنفسهم باعتبارهم من "الجنس الأبيض". ومع اقتراب استقلال الهند، حاولوا أن يحصلوا على دويلة مستقلة ولكن حزب المؤتمر عارض هذا الاتجاه. وبعد إعلان استقلال الهند، هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى الولايات المتحدة. وهناك دياسبورا زرادشتية في الولايات المتحدة، وهي أقلية تشبه الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة في كثير من الوجوه، فهم يتمتعون بدرجة عالية من التعليم وقد جرت علمنتهم ودمجهم وأمركتهم، لكنهم (مع هذا) يقاومون الاندماج ويتحدثون عن الهوية الزرادشتية المستقلة!

وقد حاول الاستعمار الغربي في العالم العربي أن يحقق شيئاً من هذا القبيل مع أعضاء الأقليات الدينية والإثنية، فحاول استقطابهم وتحويلهم إلى جماعات وظيفية عميلة تدين له بالولاء. فقامت جماعة الأليانس بنشر اللغة والثقافة الفرنسيتين بين أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي، في مصر والجزائر وفي غيرهما من البلدان، كما أُتيحـت لهم فرصة الحـصول على الجـنسيات الأوربية ومن ثم الاسـتفادة من المزايا الممنوحة للأجـانب. ويمكننا أن ننظر لهذه العملية باعتبارها عملية مُكمِّلة للاستعمار الاستيطاني الغربي الذي وصل إلى قمته في تأسيس الدولة الصهيونية في فلسطين والجيب الاستيطاني في الجزائر. والاستعمار الاستيطاني هو وصول عنصر سكاني غريب يغرس نفسه غرساً في البلد المستعمر ويدين بالولاء للوطن الأم ويرتبط به ثقافياً ويدين له بالولاء ويدافع عن مصالحه. وهذه العملية لا تختلف عن ذلك كثيراً، ولكن بدلاً من استيراد عنصر بشري غريب يقوم الاستعمار بالبحث عن عنصر بشري محلي فيغويه ويستوعبه ويُحوِّله إلى عنصر غريب عميل يرتبط ثقافياً به ويدين له بالولاء ويدافع عن مصالحه. وقد نجح الاستعمار نجاحاً كبيراً حتى أن معظم يهود العالم العربي، عند إنشاء الدولة الصهيونية، كانوا قد أصبحوا (ثقافياً واقتصادياً) جزءاً من التشكيل الاستعماري الغربي، وحصلت أعداد كبيرة منهم على الجنسيات الأوربية (كل يهود الجزائر ومعظم يهود تونس والمغرب وأكثر من نصف يهود مصر... وهكذا)، أي أنهم تحولوا إلى جماعة وظيفية عميلة، ومن ثم كان من السهل عليهم الهجرة والانضمام إلى الدولة الوظيفية الاستيطانية والقتالية في إسرائيل.

والملاحظ أن يهود مصر كانوا مندمجين في مجتمعهم المصري اندماج أقباطها، إلا أن الاستعمار فشل في استقطاب أعضاء الجماعة القبطية وفي تحويلهم إلى جماعة وظيفية عميلة يتم حوسلتها لصالحه. ولعل هذا يعود إلى أن الجماعة القبطية في المجتمع المصري لم تتحول إلى جماعة وظيفية تتسم بسمات الجماعات الوظيفية (التعاقدية ـ العزلة والغربة والعجز ـ الانفصال عن المكان والزمان والهوية الوهمية ـ الحركية ـ ازدواجية المعايير والنسبية الأخلاقية) وظلت جزءاً من نسيج المجتمع المصري للأسباب التالية:

1 ـ لم يكن أقباط مصر عنصراً مُستجلَباً وإنما كانوا من سكان مصر الأصليين وكانت غالبيتهم من الفلاحين وكان من بينهم ملاك الأراضي والصناع والكتبة والمهنيون، أي أنهم كانوا يشغلون مختلف مواقع الهرم الإنتاجي، بل إنهم لم يكونوا مُمثَّلين في النخبة الحاكمة اليونانية والمغتصبة. وبعد الفتح الإسلامي، وفي إطار مفهوم أهل الذمة، لم يُحظَر عليهم الاشتغال بالزراعة أو الحرف (كما هو الحال في الحضارة الغربية الوسيطة)، بل أصبح الهرم الإنتاجي مفتوحاً أمامهم، ولذا فإنهم لم يخضعوا لأي تمييز وظيفي أو مهني ولم يتم عزلهم نفسياً أو جسدياً ولم تتم حوسلتهم وترشيدهم إلا بالقدر المألوف في المجتمعات التقليدية واللازم لإدارة المجتمع، والذي يُطبَّق على كل قطاعات المجتمع البشرية.

2 ـ تغيَّرت لغة أقباط مصر من القبطية إلى العربية، وهو ما يعني أنهم تبنوا الخطاب الحضاري الجديد دون أن يفقدوا بالضرورة هويتهم الدينية المتميِّزة، بل إن هذه الهوية الدينية نفسها تم تعريبها. أي أن أقباط مصر أمكنهم الاستمرار في الإبداع الحضاري وفي التعبير عن هويتهم من خلال الخطاب الحضاري القائم، وقد قلل هذا عزلتهم وغربتهم وعمَّق من انتمائهم إلى المجتمع.


3 ـ الدين الإسلامي والمسيحي دينان مختلفان لهما رؤيتان مختلفتان للإنسان والكون، ومع هذا فإن ثمة رقعة مشتركة واسعة بينهما سواء في رؤية الخلق (قصة آدم) أو رؤية الإله باعتباره منزَّهاً عن التاريخ والطبيعة وباعتباره إله العالمين. ولكن ما يهمنا في السياق الحالي هو أن الرؤية الأخلاقية أو النسق القيمي مشترك بين الدينين، فهما لا يعترفان بازدواج القيم (معيار للمؤمنين وآخر لغير المؤمنين) ويدعوان إلى مجموعة من القيم المطلقة المشتركة، وباب الخلاص مفتوح أمام الجميع. ولا يوجد إحساس بأنهم الشعب المختار. ولعل هذه السمة البنيوية في كل من الإسلام والمسيحية كانت مسألة حاسمة في الحيلولة دون ظهور الأخلاقيات المزدوجة والنسبية الأخلاقية التي تسم أعضاء الجماعة الوظيفية، وهذا على عكس اليهودية التي تطرح رؤية أخلاقية مزدوجة في بعض صياغاتها.

4 ـ الوطن القومي لأقباط مصر هو مصر وليس لهم وطن قومي آخر حقيقي أو وهمي. والأماكن المقدَّسة المسيحية تقع داخل الدولة الإسلامية في فلسطين التي تربطها علاقة خاصة بمصر والتي كانت تابعة إدارياً لها، وهي أماكن مقدَّسة وحسب وليست المكان الذي سيعود له الأقباط في آخر الأيام كما هو الحال مع اليهود. والكنيسة القبطية كنيسة مصرية لها هويتها الدينية والحضارية المستقلة عن كل الكنائس الأخرى. وقد ساهم ذلك ولا شك في تعميق ولاء الأقباط لمصر وتَجذُّرهم في أرضها وتاريخها (أي في المكان والزمان).

5 ـ لم تتكون دياسبورا قبطية خارج مصر تحاول تجنيد أعضاء الأقلية القبطية وتخلق بينهم لوبي يعمل لصالحها ويُولِّد الرغبة في الخروج والهجرة (الحركية)، هـذا على عكـس اليهود حيث تُوجَد دياســبورا يهودية ضخمة في العالم. ويُلاحَظ، مع نهاية القرن التاسع عشر، أن أعداداً كبيرة من اليهود الأشكناز هاجرت إلى مصر فصبغت أعضاء الجماعة اليهودية فيها بالصبغة الغربية، وولَّدت لديهم قابلية للانخراط في الحضارة الغربية.

6 ـ لعل قضية العدد هنا قضية مهمة، فبينما كان عدد يهود مصر صغيراً، كان عدد أقباطها كبيراً، فهم يُكوِّنون نسبة مئوية لها وزنها. وهذا يعني أن أعدادهم كافية لأن يُمثَّلوا في كل مستويات الهرم الإنتاجي وفي كل المجالات الثقافية. كما يعني أيضاً أنهم في احتكاك يومي فعلي بمعظم أعضاء الأغلبية، الأمر الذي جعل من العسير فرض صورة إدراكية عنصرية بسيطة عليهم أو عزلهم وجدانياً عن أعضاء الأغلبية. وأخيراً، أدَّى العدد الكبير إلى إفشال الخطة الاستعمارية الرامية إلى تغريب الأقباط عن طريق منحهم الامتيازات الأجنبية، وعن طريق فتح المدارس الأجنبية أمامهم وإكسابهم الخبرات اللازمة للانخراط في القطاع الاقتصادي الغربي الجديد. فإذا كانت هناك نسبة ما من أقباط مصر قد استفادت من هذا الوضع، فإن السواد الأعظم من الفلاحين وأعضاء الطبقة المتوسطة المصرية من الأقباط ظلوا بمنأى عنه لا يتمتعون بالمزايا ولا يعانون من الاقتلاع، وظلوا داخل التشكيل الحضاري المصري العربي الإسلامي "لهم ما لنا وعليهم ما علينا".

7 ـ لكل هذه الأسباب، قاوم الأقباط حملات الاستعمار الرامية إلى فصلهم عن مجتمعاتهم العربية الإسلامية (ومن ذلك الحملات التبشيرية المسيحية التي حاولت إلحاقهم بالمسيحية الأوربية، وخصوصاً البروتستانتية، وفصلهم عن تراثهم الديني). ولذا، فقد ساهم الأقباط في الثورات القومية المختلفة وظهر من بينهم مفكرون يبدعون من خلال المعجم الحضاري العربي الإسلامي ويثرونه، كما ساهموا في الهرم الإنتاجي وأحرزوا التقدم مع مجتمعهم وتخلفوا معه وانتصروا وانكسروا بانتصاره وانكساره. ولعل موقف الكنيسة القبطية في مصر من الصراع العربي الإسرائيلي تعبير عن هذه الظاهرة في المجال السياسي.

ولا يختلف موقف المسيحيين العرب كثيراً عن موقف أقباط مصر، فهم أيضاً مواطنون أصليون لم يُستجلَبوا من الخارج وليس لهم وطن قومي آخر ولا يحنون إلى صهيون بعيدة أو في آخر الزمان. فعلى سبيل المثال، كانت قبائل الغساسنة في الشام قبل الفتح الإسلامي، تتحدث العربية الفصحى وكان لها قبل الفتح الإسلامي وبعده شعراؤها وأدباؤها الذين ساهموا في هذا الفتح وساندوه. وقد استمرت هذه القبائل في نمط حياتها، ولم ينقطع الإبداع الحضاري لأبنائها قط لأن الحضارة الإسلامية لم تفرض عليهم وظيفة متميِّزة أو مشينة ولم تحوسلهم بأي شكل كان. ولا شك في أن مفهوم أهل الذمة حدَّد وضعهم منذ البداية وحدَّد أن لهم كل الحقوق وعليهم كل الواجبات إلا فريضة الجهاد باعتبارها فريضة دينية، وقد أُعفوا منها نظير البدل العسكري أو الجزية. والنظام القيمي عند المسيحيين العرب المُستمَد من الدين المسيحي، لا يعاني من أية ازدواجية، ويُلاحَظ أن معظم المسيحيين العرب من الأرثوذكس وأقلية منهم كاثوليك، كما أن إرساليات التبشير البروتستانتية لم تنجح كثيراً في تجنيد أعداد كبيرة منهم، وكل هذا يدل على أن هويتهم المسيحية العربية قوية. والكثافة السكانية للمسيحيين العرب كبيرة، ولذا كان بوسعهم أن ُيمثَّلوا في كل درجات الهرم الإنتاجي، كما أنهم لا يعيشون محميين ومعزولين داخل جيتو مقصور عليهم وإنما يعيشون مع أعضاء الأغلبية يحتكون بهم في كل المجالات ويعيشون معهم في السراء والضراء وبالقدر الإنساني المعقول من الحب والكره.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق