185
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد الأول: الإطـار النظــرى
الجزء الرابع: العلمانية الشاملة
الباب الثامن: العلمانية الشاملة والإمبريالية
نهاية التاريخ
«نهاية التاريخ» (بالإنجليزية: إند أوف هستوري end of history) عبارة تعـني أن التاريخ، بكل ما يحويه من تركـيب وبسـاطة، وصيرورة وثبـات، وشوق وإحباط، ونبل خساسة، سيصل إلى نهايته في لحظة ما، فيصبح سكونياً تماماً، خالياً من التدافع والصراعات والثنائيات والخصوصيات، إذ إن كل شيء سيُردُّ إلى مبدأ عام واحد يُفسِّر كل شيء (لا فرق في هذا بين الطبيعي والإنساني). وسيُسيطر الإنسان سيطرة كاملة على بيئته وعلى نفسه، وسيجد حلولاً نهائية حاسمة لكل مشاكله وآلامه.
ونحن نرى أن هذا المصطلح ينتمي إلى عائلة كاملة من المصطلحات الأخرى التي تصف بعض جوانب منظـومة الحداثة الغـربية والتي تعني انتهاء شيء ما والقضاء عليه، وهذا الشيء في غالب الأمر هو الجوهر الإنساني، كما نعرفـه، وكما ظهر مُتعيِّناً في التـاريخ. وقد أشـرنا لبعضـها في المداخل السابقة، ولكن أهمها هو مصطلح «دي كونستراكت deconstruct» بمعنى «يفكك» أو «يقوِّض». كما يمكن أن نضع مصطلح «نهاية التاريخ» مع المصطلحات التي تبدأ بالكاسحة «post» والتي تعني حرفياً «بعد» ولكنها تعني في واقع الأمر «نهاية أو تَحوُّل جوهري كامل» مثل: «بوست مودرن post-modern» بمعنى «ما بعد الحداثة»، و«بوست إندستريال post-industrial» بمعنى «ما بعد الصناعي»، و«بوست كابيتاليست post-capitalist» بمعنى «ما بعد الرأسمالي» وأخيراً «بوست هيستوريكال post-historical» بمعنى «ما بعد التاريخ» التي تعني في واقع الأمر «نهاية التاريخ».
ويُلاحَظ ـ ابتداءً ـ أن ثمة اختلافاً عميقاً بين مفهوم نهاية التاريخ (الحلولي الدنيوي) ومفهوم يوم القيامة (التوحيدي). فيوم القيامة نقطة تقع خارج الزمان، في الآخرة، يتجه نحوها الزمان ويتم فيها الحساب. وهو ما يعني أن الزمان التاريخي لن يصبح في يوم من الأيام خالياً من الصراع والتدافع، أي أن ثمة ثنائية لا تُمحى ولا تُردُّ إلى غيرها وأن التاريخ رغم فوضاه له هدف وغاية. أما نهاية التاريخ، فتتحقَّق داخل الزمان الإنساني وعلى الأرض، حين يؤسِّس الإنسان الفردوس (صهيون ـ مملكة المسـيح ـ المهـدي المنتظر ـ اليوتوبيا التكنولوجية) داخل الزمان، فهو فردوس مادي أرضي. ولذا يمكن القول بأن نهاية التاريخ تعني في واقع الأمر نهاية التاريخ الإنساني المركب، بكل ما فيه من تعاريف وتدافع، كي يبدأ تاريخ بسيط أحادي يتسم بالانتظام الشديد (تشبه بنيته بنية التاريخ الطبيعي).
والنظم الحلولية (الروحية والمادية) نظم مغلقة، تُفضي إلى نهاية التاريخ، ففي وحدة الوجود الروحية يحل الإله في الطبيعة وفي الإنسان فيستوعبهما في ذاته ويصبح كل شيء تعبيراً عن الإله وتجسيداً له (ولا موجود إلا هو)، فينتهي التاريخ ويُلغى الزمان ويتحول إلى دورات متـكررة؛ بداياته تشـبه نهاياته، وتشبه كل دورة كونية الدورات الأخرى (فهو عود أبدي رتيب). أما في إطار وحدة الوجود المادية، فإن الإله يحل في الإنسان والطبيعة ويُستوعَب فيهما، ويصبح لا وجود له إلا من خلالهما. ثم تُعاد تسميته ليصبح «قانون الحركة» أو «قانون الضرورة» أو «قوانين الطبيعة/المادة»، التي يُردُّ لها كل شيء، ومن ذلك الظواهر الإنسانية، (ولا موجود إلا هي). ومن يعرف هذه القوانين يصل إلى المعرفة التي تمكِّنه من التحكم في العالم وفي إنهاء التاريخ الإنساني والزمان وفي بدء التاريخ الطبيعي وتأسيس الفردوس الأرضي. فكأن وحدة الوجود الروحية تتحول، من خلال إعادة التسمية، إلى وحدة وجود مادية، معادية للإنسان ولاستقلاله عن عالم الطبيعة/المادة من حوله، ومعادية للتاريخ، مجال حرية الإنسان وساحة نجاحه وفشله.
وتتضـح وحدة الوجود الروحية في العقائـد المشـيحانية (المهدوية) الدينية، فالعقيدة المشيحانية ـ على سبيل المثال ـ تضع اليهود في مركز التاريخ، ويدور التاريخ البشـري بأسره (تاريخ اليهود وتاريخ الأغيار) حولهم. ويتركز الغرض الإلهي في اليهود (شعب الله المختار) الذين سيُعانون كل الآلام إلى أن يأتي الماشيَّح ويقضي على أعدائهم ويضع حداً لآلامهم فيجمعهم من شتات الأرض ويعود بهم إلى صهيون ليؤسس مملكته هناك حيث يتحقق السلام الكامل والفردوس الأرضي. إلا أن التاريخ، كما يقول المفكر الصهيوني موسى هس، سيصبح مثل الطبيعة في العصر المشيحاني (سبت التاريخ أو نهايته)، ويصبح الإنساني والتاريخي في بساطة الطبيعي. وبالفعل لن يشهد العصر المشيحاني الألفي إصلاح المجتمع الإنساني وحسب وإنما سيشهد أيضاً تَحوُّل قوانين الطبيعة ليتم التوافق الكامل بين الطبيعة والإنسان.
وتضع النظم التي تدور حول وحدة الوجود المادية، هي الأخرى، نهاية للتاريخ، فمن البداية يُفسَّر التاريخي والاجتماعي والإنساني في إطار الطبيعي/المادي ويُردُّ كل شيء إلى الطبيعة/المادة. وإذا كان هناك مشيحانية (مهدوية) تدور في إطار وحدة الوجود الروحية فهناك أيضاً مشيحانية دنيوية، علمية أو علموية، تدور في إطار وحدة الوجود المادية. فهناك من يرى أن المعرفة العلمية هي المعرفة التي ستمكِّننا من السيطرة على قانون الضرورة وتأسيس صهيون العلمية، أي اليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية. ويَصدُر هؤلاء من رؤية علمية (أو علموية) ضيقة تدور في إطار السببية الصلبة، ويتصورون أن العلم سيؤدي إلى معرفة يقينية شاملة كاملة. (ومن المفارقات أن كل هذه التصورات فقدت مصداقيتها في الأوساط العلمية التي أصبحت تدرك لاتَحدُّد العلوم الطبيعية واحتماليتها. ومع هذا، لا تزال مثل هذه التصورات سائدة في بعض الأوساط بين دارسي العلوم الإنسانية التي لا تزال تتبنَّى منظوراً علمياً سببياً صلباً عفى عليه الزمان)
إن إشكالية نهاية التاريخ إشكالية كامنة في الفكر الديني والفلسفي الغربي، ولكنها تحولت إلى موضوع أساسي في الحضارة الغربية منذ عصر النهضة. واتضحت بشكل متبلور مع ظهور فكرة اليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية، التي تنسلخ عن التاريخ الإنساني لأنها تُدار وفق العقل الذي يُدرك القانون أو العلم الطبيعي الذي لا علاقة له بالقوانين الاجتماعية والتاريخية والإنسانية (لأن قوانين العقل تماثل قوانين الطبيعة)، فاليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية، من ثم، تعبير عن رغبة حقيقية وصادقة في وضع الحلول النهائية لكل المشاكل وتأسيس الفردوس الأرضي وإنهاء التاريخ.
ويوتوبيا عصر النهضة في الغرب هي إرهاصات لهذا الفكر التكنوقراطي الحديث والرغبة في التحكم الكامل النابعة من الرؤية الواحدية المادية. ومن أهم هذه اليوتوبيات يوتوبيا سير توماس مور (1478 ـ 1535) الذي وصف نظاماً تسوده الملكية العامة وعلاقات المساواة والتسوية وتُلغَى فيه مؤسسة الأسرة. ومن اليوتوبيات الأخرى، يوتوبيا توما كمبانيلا (1568 ـ 1639) الذي صوَّر مجتمعاً طوباوياً اشتراكياً في كتابيه دولة المسيح ومدينة الشمس تسقط فيه الملكية الخاصة وتنتهي الأسرة وتقوم الحياة الجماعية وتنتهي الفردية تماماً، إذ يتم تخطيط كل شيء ومراقبة كل الأفراد والوفاء بحاجاتهم المادية والروحية، وهو ما يريح الإنسان من عبء المسـئولية والاختيار ويحل المشكلات والتناقضـات الاجتماعية والتاريخـية كافة. ومدينة الشـمس انعكاس لعالم الطبيعة، التي لا يحكمها سوى القوانين الطبيعية، وأعظم الرجال هو من يفهم هذه القوانين ويوظفها. ويحكم كل هذا الساحر/الكاهن (العالم والتكنوقراط) الذي يوجِّه حياة المدينة لتكون على وفاق تام مع الكون والطبيعة. ولذا، كان من الهموم الأساسية للمدينة تحديد اللحظة المناسبة (من الناحية الفلكية) التي يعاشر فيها الذكر الأنثى حتى تضمن أن يولد طفل صحيح (من الناحية البدنية) متوازن (من الناحية النفسية)، أي أن مدينة الشمس يوتوبيا علمية كاملة، رحم اجتماعي جمعي، يتم فيه التحكم في ظاهر الإنسان وباطنه (ومن المثير أن كامبانيلا كان يؤمن بمقدراته المشيحانية، فكان يعتقد أن النتوءات السبعة على وجهه تمثل السماوات السبع، أي أن له علاقة بالقوى الكونية. كل هذا يجعله رائداً للشخصيات الكاريزمية النيتشوية الحديثة مثل روبسبيير وهتلر وستالين المرتبطين باليوتوبيا التكنولوجية والتكنوقراطية). أما يوتوبيا سير فرانسيس بيكون (1561 ـ 1626) أطلانطيس الجديدة ، فهي يوتوبيا علمية نماذجية إذ يحكمها العلماء وأصحاب الخبرة (من بيت سليمان) حيث توجه الدولة كل شيء ولا يوجد مجال للتناقضات والاختلافات.
ورغم أن كل هذه اليوتوبيات متفائلة فإنها وثيقة الصلة بكتاب هوبز التنين ، حيث قـدَّم هو الآخـر رؤية للـدولة التي يمكنها أن تتحكم في كل شيء، وتُوجِّه كل شيء، وتضع حلولاً نهائية لسائر المشاكل، ولذا فهي تحل محل الضمير الشخصي. والفارق أن هوبز كان يرى أن إمكانية الإنسان للشر ضخمة، أما اليوتوبيون فلم تكن عندهم نظرية في الشر. وتتبدَّى الرغبة نفسها في إنهاء التاريخ في الفكر المادي الرياضي الآلي الذي يرفض تنوُّع التاريخ وجدليته ويُحل محله عالماً بسيطاً آلياً يتحرك كالآلة أو الساعة الدقيقة (صورة نيوتون المجازية)، وتتحرك فيه الأجسام الإنسانية كالأحجار المندفعة (صورة إسبينوزا المجازية)، ويصبح عقل الإنسان صفحة مادية بيضاء (صورة لوك المجازية)، ويصبح الإنسان في نسق الآلة وبساطتها (صورة جوليان دي لامتري المجازية)
ويظهر رفض التاريخ الإنساني بطريقة أكثر صقلاً في فكر حركة الاستنارة الذي ينطلق من تأكيد أن التاريخ نشاط إنساني، فهو ثمرة جهد عقل الإنسان ومستودع حكمته. ولذا فهناك نزعة في فكر الاستنارة لتمجيد التاريخ وتقديسه. ولكن العكس صحيح أيضاً فقوانين العقل هي نفسها قوانين الطبيعة والمادة والحركة، والعقل المستنير لا يستمد معياريته من التاريخ أو الحضارة أو المجتمع وإنما من خلال الدراسة العلمية الصارمة لقوانين الطبيعة والمادة والحركة. ولذا بدلاً من الغائية التقليدية التي ترى أن التاريخ يسير بتوجيه إلهي، طُرحت فكرة جديدة تماماً على الفكر البشري وهي أن التاريخ يتحرك إما دون غائية، فهو حركة دون هدف (تماماً مثل الطبيعة/المادة)، أو أن غائيته مثل معياريته مستمدة من الطبيعة/المادة. وغني عن القول أن الرؤية الأولى تنسف فكرة التاريخ تماماً. أما الرؤية الثانية فقد ترجمت نفسها إلى رؤية للتاريخ باعتباره عملية تَقدُّم دائمة، ولكنه تَقدُّم مرجعيته النهائية الطبيعة/المادة، وهدفه النهائي تَحقُّق قوانينها في التاريخ، ومن ثم يصبح التقدم تزايد تطبيق القوانين الطبيعية إلى أن تسود هـذه القـوانين تماماً (ويصبح المجتمع الإنساني في بساطة عالم الطبيعة ويحل التاريخ الطبيعي محل التاريخ الإنساني).
وقد عبَّرت هذه الرؤية الاستنارية عن نفسها في كل من الهيجلية والفلسفات التي ثارت على الهيجلية. ولنبدأ بالفلسفات المعادية للهيجلية فرفضها للتاريخ أمر واضح، فهي فلسفات تنكر فكرة الجوهر والكل والمركز والسببية وأي شكل من أشكال اليقينية أو الثبات، بل تنكر الغائية نفسها، فيصبح العالم في حالة حركة دائمة خالية من المعنى والهدف والغاية، ومن ثم لا يمكن أن تقوم للتاريخ قائمة.
وإذا كان عداء الفلسفات المعادية للهيجلية للتاريخ أمراً واضحاً، فالأمر مختلف بعض الشيء بالنسبة للهيجلية التي تتحدث كثيراً عن التاريخ وحتمياته وقوانينه ومراحله وأنماطه. ولكنها مع هذا، في تصوُّرنا، لا تقل في عدائها للتاريخ عن المدارس المعادية للهيجلية. فالفلسفة الهيجلية تفترض أن ثمة فكرة ليس لها وجود مادي أو نسبي، هي التي تحرك التاريخ والمجتمع والإنسان والطبيعة. ويُطلَق على هذه الفكرة عدة أسماء: الفكرة المطلقة ـ العقل المطلق ـ الروح بشكل عام (جايست) ـ الروح اللامتناهي. ولكن المطلق ليس سكونياً، فهو لن يُدرك نفسـه إدراكاً كاملاً ولـن يتحقـق تحققاً كاملاً إلا في الطبيعة والزمان والتاريخ، وذلك عبر عملية جدلية تتداخل فيها المتناقضات وتتحدد من خلالها الأضداد، إلى أن يصبح الفكر طبيعة، وتصبح الطبيعة فكراً. وهذه الوحدة الكونية النهائية ممكنة لأن قـوانين الفـكر هي في واقـع الأمـر قوانين المادة، وقوانين المنطق (العقل) هي في واقع الأمر قوانين الطبيعة. كل هذا يعني أن الفلسفة الهيجلية، رغم كل حديثها عن التاريخ والجدل والتناقض، فلسفة واحدية تسد الثغرة التي تفصل بين الإنساني والطبيعي وتلغى ثنائية الفكر والمادة والحضارة والطبيعة، ومن ثم تمحو الإنسان كظاهرة متفردة مستقلة عن الطبيعة. ولهذا قيل عن حق إن الهيجلية فلسفة لا تعرف الثنائيات ولا تفصل بين المادي والمثالي، أو بين الطبيعي والإنساني، أو بين المقدَّس والزمني، إذ سيُردُّ كل شيء إلى عنصر واحد، مادي فعلاً روحي اسماً. والفكر الهيجلي لا ينظر إلى الواقع إلا من منظور نهاية التاريخ حين يتجسد العقل الكلي ويتحقق القانون العام في التاريخ، في لحظة ينتهي فيها الجدل والمعاناة الإنسانية، إذ يصل الإنسان إلى الحل النهائي لكل مشاكله، ويُحكم السيطرة على كل شيء. ولكن من المفارقات أن لحظة السيطرة الكاملة هذه هي أيضاً لحظة انتصار البسيط على المركب والطبيعي على الإنساني.
وقد استخدَمتُ مصطلح «نهاية التاريخ» لأول مرة عام 1965 حينما كنت أكتب رسالتي للدكتوراه عن الشاعر الأمريكي وولت ويتمان الذي وصفته بأنه شاعر حلولي صوفي مادي يعادل بين الروح والمادة ويقرن بينهما (على طريقة هـيجل). وهو يتغنى بالمـادة والجـنس والكهرباء والجاذبية الأرضية التي يرى أنها تشبه الجاذبية الجنسية. فالإنسان ما هو إلا جزء لا يتجزأ من الكون ووعيه لا يتجاوز الطبيعة، بل عليه أن يتكيف معها ويذعن لها. كما أن إيمان ويتمان المطلق بالطبيعة (وعداءه للإنسان المركب التاريخي) يترجم نفسه إلى عداء للتاريخ يتضح في محاولته الوصول إلى نهاية التاريخ وإلى اليوتوبيا التكنولوجية. كان ويتمان يرى أن أمريكا هي هذا الفردوس الأرضي الذي يبدأ فيه التاريخ الطبيعي وتسود فيه قوانين الطبيعة/المادة، قمة كل التطور التاريخي السابق، فهي دولة العلم والتكنولوجيا التي ستهدم التاريخ وتعلن نهايته (وذلك قبل أن يتحـدث فوكوياما في نهاية الثمانينيات عن التلاقي الكامل أو عن انتصـار الليبرالية التي تؤدي إلى نهاية التاريخ). وكما يقول ويتمان "جوهر المثالية [الأمريكية] هو علموة to scientize الروح والشرائع اليونانية"، أي صبغها بالصبغة العلمية أو فرض قوانين علمية (تم استخلاصها من عالم الطبيعة) عليها حتى يدير الإنسان حياته من خلالها بطريقة علمية (وهذا هو أساس فكرة وحدة العلوم واليوتوبيا التكنولوجية). ويظهر التاريخ كجثة هامدة في شعر ويتمان الذي تسـود فيه رؤية واحـدية يُردُّ فيـها التاريخ بأسـره إلى مبـدأ واحد هـو الطبيعة/المادة ـ "القـانون الذي لا يتـغيَّر"؛ "الحتمي مثل قوانين الشتاء والصيف، والنور والظلام!".
وشعر ويتمان مفعم بهذه "الرغبة في العودة"، الحرفية والمادية والدائمة، إلى الطبيعة. وكثير من قصائد ويتمان تبدأ بالابتعاد التدريجي عن الحضارة والاقتراب المتزايد من الطبيعة إلى أن يلتحم بها تماماً، ويصل إلى اللحظة النماذجية، لحظة ذوبان الذات الإنسانية في الطبيعة المادية، وهي عادة ما تكون لحظة قذف جنسية (مع محب من جنسه) يُعلن فيها تحرُّره من عبء التاريخ ومن التدافع ومن الحضارة والهوية، فهي لحظة نهاية التاريخ وتحقُّق الفردوس الأرضي.
ثم استخدَمتُ مصطلح «نهاية التاريخ» بشكل أكثر شمولاً في كتابي نهاية التاريخ (عام 1972)، لوصف النماذج الحلولية الواحدية المادية الشاملة التي تترجم نفسها في عالم السياسة إلى نظم طوباوية شمولية فاشية. وبيَّنت أن مثل هذه النماذج تحوي داخلها دائماً " قابلية لإعلان نهاية التاريخ، فما هو مجهول ليس بغيب وإنما هو أمر غير معروف بشكل مؤقت. إذ من المتوقع أن يكتشف الإنسان بالتدريج قوانين الحركة خلال عشرات السنين من المحاولة والخطأ، وستنكمش رقعة المجهول تدريجياً وتتسع رقعة المعلوم، وسينحسر الجهل بالتدريج مع تزايد الترشيد والاستنارة إلى أن نصل في التحليل الأخير وفي نهاية الأمر والتاريخ " إلى نقطة التوهج الأخيرة والرشد الكامل بحيث يصبح كل شيء واضحاً، وتوضع الحلول النهائية لجميع المشاكل ويتم التحكم في كل شيء، ويتم تفسير كل شيء في ضوء القانون العام فتُمحَى الثنائيات والمطلقات ويختفي الإنسان. ومن ثم، فإن نقطة التوهج هي في الواقع نقطة الاحتراق، وهي أيضاً نقطة نهاية التاريخ ونهاية الإنسان باعتبـاره كائناً مركباً متعدد الأبعاد لا يمكن رده إلى الطبيعة/المادة، وهي أيضاً النقطة التي سيظهر فيها إنسان جديد رشيد يعيش حسب قوانين الطبيعة المادية العلمية، ومن ثم فهو خاضع للتحكم العلمي.
وقد تناولتُ الموضوع مرة أخرى في مقدمة كتاب الفردوس الأرضي (1979)، حيث تحدثت عن الإنسان الطبيعي والإنسان التاريخي، وبيَّنت أن الإنسان الطبيعي إنسان لا حدود له، يرفض الحدود التاريخية، هو إنسان روسو الحر الفرح الآمن الذي يتحول إلى إنسان داروين المتجهم الذي تأكله الذئاب من الحيوانات الطبيعية أو من البشر الطبيعيين (وقد تحوَّل أخيراً إلى كلب بافلوف المسكين، القابع في المعمل، لا باطن له، لا يتحرك إلا بعد تلقِّي الإشارات البرانية). وقد أشرت إلى أن الإنسان التاريخي يتسم بالثنائية "فالإنسان يعيش في التاريخ، يفصل بين المطلق والنسبي ويبحث عن المطلق خارج التاريخ، إذ أن التاريخ لا نهاية له، ولن نصل بتاتاً إلى لحظة السكون التي يتحقق فيها الفردوس الأرضي وينتفي فيها الجدل ويتداخل فيها المطلق والنسبي ويصبح التاريخ دائرياً مثل الطبيعة". وقد ربطت هذه النزعة الفردوسية اللاتاريخية بما سميته حينذاك «الغيبية العلمية» التي تدَّعي لنفسـها احتكار الحـقيقة المطـلقة وتنسب لنفـسها القـدرة على تحقـيق الفردوس "الآن وهنا" بإشباع كل رغبات البشر، ذلك إن استسلم الناس لها "وأسلموا لها القياد، متبعين آخر الأساليب العلمية التي لا يعرفها بطبيعة الحال إلا العلماء".
وهذه الرؤية الفردوسية العلمية رؤية "ميكانيكية بسيطة تفترض أن الإنسان كمٌ محض لا يختلف عن الكائنات الطبيعية الأخرى" يعكس بيئته بشكل مباشر وبسيط. وقد وجدت أن هذا التيار ليس مقصوراً على العالم الرأسمالي بل يوجد أيضاً في العالم الاشتراكي. حيث عبَّرت كل هذه المفاهيم "عن نفسها في فكرة «التقدم» السريع والدائم نحو الفردوس العلمي المنظم (اليوتوبيا التكنولوجية) الذي يعيش فيه الإنسان كالأطفال في تناسق تام مع الطبيعة وكأنه آدم قبل السـقوط وقبل أن يكتـسب معرفة الخـير والشـر".
ويرى بعض المؤرخين أن العصر الحديث هو عن حق عصر نهاية التاريخ، فالحضارة الحديثة المرتبطة بآليات السوق، وبالعرض والطلب، هي حضارة مرتبطة بآليات بسيطة لا تعرف تركيبية الإنسان وتنكر مقدرته على التجاوز، فهو إنسان ذو بُعد واحد (يعيش في مجتمعات أحادية الخط)، وعقله عقل أداتي (يغرق في التفاصيل والإجراءات، ولا يمكنه إدراك الأنماط التاريخية ولا تطوير وعيه التاريخي). فالسوق (والمصنع) بآلياتهما البسيطة يتطلبان إنساناً طبيعياً مادياً بسيطاً، لا علاقة له بالإنسان الإنسان، الإنسان المركب. والمجتمعات الاستهلاكية التي لا تحكمها إلا آليات العرض والطلب والاستهلاك والإنتاج تزعم أنها قادرة على إشباع جميع رغبات الإنسان المادية والروحية من خلال مؤسساتها الإنتاجية والتسويقية والترفيهية.
ويُلاحَظ في العصر الحديث تَزايُد هيمنة البيروقراطية والتكنوقراطية والتحكم في البشر من خلال الهندسة الوراثية والبيولوجيا الاجتماعية وعمليات الترشيد المتحررة من القيمة، وهذه علامة على شيوع فكرة نهاية التاريخ. وكما قال ألدوس هكسلي متهكماً، واصفاً إمكانيات تكنولوجيا اليوتوبيا والفردوس الأرضي: "في عام 5200 سيحكم الأرض عالم جديد شجاع، مبادئه المساواة والتماثل والاستقرار. وسيكون علم البيولوجيا العلم الأساسي في هذا العالم، سيُمكِّن الإنسان من الحصول (من الحاضنة) على كائنات بشرية متشابهة وفق معايير موحدة. وسيعمل آلاف من التوائم على الآلات نفسها، ويقومون بالأعمال نفسها...". ويُعلق علي عزت بيجوفيتش (المفكر المسلم رئيـس جمهورية البوسـنة) على ذلك بقولـه: "في هذا العالم الرائع لن يوجد أناس خاطئون، قد يوجد بعض الأفراد المعاقين، ولكنهم لا يكونون مسئولين عن إعاقتهم، ولا يُعاقَبون عليها [ولذا] سيتم فكهم من الآلة ببساطة. في عالم كهذا، لن يكون هناك خير ولا شر... ولن يكون هناك إلهام ولا مشكلات ولا شكوك ولا عصيان. هنا يتم القضاء على الدراما وعلى الإنسان وتاريخه، ويرتفع صرح اليوتوبيا".
بل إن نهاية التاريخ أصبحت لأول مرة في تاريخ البشرية إمكانية قائمة بالمعنى الحرفي، فالتلوث الكوني يتزايد إلى درجة تهـدد الحياة على وجـه الأرض، وقد تراكم لدى البشر كمٌ من الأسلحة يكفي لتدمير العالم أكثر من عشرين مرة. وهذه آلية تكنولوجية رائعة لإنهاء كل من التاريخ والجغرافيا بطريقة رشيدة بسيطة شاملة حديثة لا تسبب ألماً كبيراً ولا تستغرق سوى لحظات، وهي من ثم تحقق حلم الإنسـان العلماني الشـامل بالتأله الكامل والتحكم الشامل في كل شيء، وضمن ذلك يوم القيامة!
ورغم مركزية فكرة نهاية التاريخ (والحلول النهائية والفردوس الأرضي واليوتوبيا التكنولوجية) في الفكر الغربي الحديث عامة فإن حدة الحمى الطوباوية المشيحانية التكنولوجية تختلف من عقيدة لأخرى. فهي خافتة مثلاً في الفكر الليبرالي، ولكنها ولا شك كامنة فيه، فهو فكر يدور حول فكرة التقدم والإيمان بأن ما هو مجهول لابد أن يصبح معروفاً (فلا مجال للمجهول أو للغيب)، الأمر الذي يعني تَزايُد التحكم (الإمبريالي) في الواقع، إلى أن يصل الإنسان إلى قدر عال من المعرفة العلمية بقوانين الطبيعة، بحيث يمكن تحقيق ما يشبه السعادة الكاملة المخططة المُبرمَجة، أي الفردوس الأرضي.
وإذا كانت الحمى المشيحانية التكنولوجية خافتة في النموذج النفعي العقلاني الديموقراطي الليبرالي، فهي تزداد سخونة في الفكر الماركسي لدى حديثه عن المجتمع الشيوعي، حيث تزول كل الحدود ويتطابق الداخل والخارج ويتحقق الفردوس الأرضي. وتصل السخونة إلى درجة الغليان والانصهار في الستالينية حيث يتم إصلاح العالم بقرارات وزارية وعسكرية مادية جدلية علمية رصينة تطرح الحلول النهائية التي تكفل إزالة جميع العناصر المُقاومة للتقدم وسائر الانحرافات عن المسار الحتمي الواضح المؤدي إلى السعادة الكاملة وإلى تحقيق المجتمع الشيوعي العادل (وقد شبَّه أحدهم نهاية التاريخ بأنه بوليس سري يطرق باب المعارضين). وفي ألمانيا النازية، كان الرايخ الثالث الترجمة المباشرة للعقيدة الألفية ذات الطابع المشيحاني (وكان المفترض فيه أن يستمر لمدة ألف عام). ففي الرايخ الثالث كان سيتم القضاء على كل آلام الشعب الألماني ويتم تحقيق الرخاء الأزلي، الأمر الذي كان يتطلب إزالة بضعة ملايين من الأطفال المـعوقين والعـجزة والغـجر والسـلاف واليهود ممن لا نفع لهم، فنهـاية التاريخ تتطلب بطبيعة الحال الحل النهائي.
النظام العالمى الجديد وما بعد الحداثة ونهاية التاريخ
يمكن القول بأن النموذج الكامن وراء معظم الأيديولوجيات العلمانية الشاملة (النازية ـ الماركسية ـ الليبرالية ـ الصهيونية) هو ما يُسمَّى «التطوُّر أحادي الخط» (بالإنجليزية: يوني لينيار unilinear)، أي الإيمان بأن ثمة قانوناً علمياً وطبيعياً واحداً للتطور تخضع له المجتمعات والظواهر والبشرية كافةً، وأن التقدم هو في الواقع عملية متصاعدة من الترشيد المادي، أي إعادة صياغة الواقع الإنساني في إطار الطبيعة/المادة فتُستبعد كل العناصر الكيفية والمركبة والغامضة والمحفوفة بالأسرار، بحيث يتحول الواقع إلى مادة استعمالية بسيطة ويتحول الإنسان إلى كائن وظيفي أحادي البعد. ومن ثم يمكن توظيف كل من الواقع المادي والإنساني بكفاءة عالية. ثم تتصاعد عمليات الترشيد (والتنميط والتسوية) إلى أن يتحقق حلم اليوتوبيا التكنولوجية، حين تتم برمجة كل شيء، والتحكم في كل شيء، وضمن ذلك الإنسان، ظاهره وباطنه (ومن ثم يمكن استنساخه ببساطة). وعمليات الترشيد تأخذ شكل مراحل تمر بها كل المجتمعات البشرية (ومن هنا ولع الفكر الغربي بتقسيم التاريخ إلى مراحل محددة).
وتصاعُد عمليات الترشيد على مستوى العالم هو العولمة بحيث يصبح العالم كله مادة استعمالية ويصبح كل البشر كائنات وظيفية أحادية البعد يمكن التنبؤ بسلوكها. وتتصاعد معدلات الترشيد إلى أن تصل سائر المجتمعات البشرية إلى نقطة تتلاقى عندها ويسود التجانس الكامل بينها، وهذا ما يُسمَّى أيضاً «نظرية التلاقي» (بالإنجليزية: كونفيرجانس ثيري convergence theory). والتلاقي هو تَوحُّد النماذج كلها بحيث تتبع نمطاً واحداً وقانوناً عاماً واحداً هو قانون التطور والتقدم بحيث يصبح العالم مُكوَّناً من وحدات متجانسـة؛ ما يحـدث في الواحدة يحدث في الأخرى. وقد أشار أحد المعلقين إلى أن ما يحدث الآن في العالم هو سقوط الماركسية وبدلاً من الماركسية، ماركسيزم Marxism، ظهرت عبادة السوق ماركتزم Marketism. وعبادة السوق هذه وهيمنتها على العالم بأسره، بشماله وجنوبه وشرقه وغربه، هي في واقع الأمر نقطة التلاقي التي تحدَّث عنها علم الاجتماع الغربي.
وقد تنبأ ماكس فيبر بأن عمليات الترشيد ستؤدي إلى تحويل المجتمع إلى حالة المصنع وإلى إدخاله القفص الحديدي. ونحن نتفق معه تماماً في صورة القفص الحديدي، ولكننا نذهب إلى أن العالم سيحكمه إيقاع ثُلاثيّ: المصنع (حيث ينتج الإنسان) ـ والسوق (حيث يشتري ويبيع) ـ وأماكن الترفيه (حيث يفرغ ما فيه من طاقة وتوترات وعُقد وأبعاد)، أي أنه إيقاع يستوعب كلاً من الإنسان الاقتصادي والإنسان الجسماني ويشبع جميع رغباتهم البسيطة الطبيعية أحادية البُعْد، التي لا علاقة لها بأي تركيب إنساني.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق