167
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد الأول: الإطـار النظــرى
الجزء الرابع: العلمانية الشاملة
الباب السابع: الثنائية الصلبة والسـيولة الشـاملة وما بعد الحداثة
السيولة الشاملة (عصر ما بعد الحداثة)
امتدت المرحلة الثنائية والواحدية والواحدية الصلبة منذ عصر النهضة في الغرب حتى منتصف الخمسينيات. ورغم أن رؤية السيولة الكاملة كانت كامنة في الرؤية الغربية للعالم إلا أنها ظلت هامشية وبدأت تتحرك نحو المركز في نهاية القرن التاسع عشر واستقرت فيه في العقود الأخيرة من القرن العشرين (في عصر ما بعد الحداثة).
ومع نهاية القرن التاسـع عشـر بدأت تظهر عناصر جديدة جعلت من المستحيل الاستمرار في حالة الصلابة القديمة:
1 ـ بدأ الإنسان الغربي يدرك استحالة تنفيذ مشروعه التحديثي وأن ما تحقَّق منه قد بدأ يؤدي إلى اختفاء الإنسان. ورغم إدراك الإنسـان الغربي لهذا الوضـع فإنه كان لا يعـرف بديلاً له، كما أنه لا يزال يحـمل ذكرى عصر المادية البطولي، ولذا استمر فيه واستمر في الإبداع وفي التمرد على وضعه. وقد سمينا هذا عصر الحداثة المأساوي/الملهاوي/العبثي.
2 ـ لاحظنا تفكيك مقولة الذات الإنسانية المستقلة. ولكن الأمر لم يتوقف عند هذه النقطة، بل تستمر عملية التفكيك وتصل إلى مستويات أكثر عمقاً وجذرية، إذ يتم ضرب فكرة الواقع الموضوعي نفسه أيضاً. فالواقع (الطبيعة/المادة)، من المنظور التحديثي، في حالة حركة دائمة وتَغيُّر دائم، والتغيُّر هو الصفة الثابتة الواحدة لعالمنا، سجن الزمان والمكان. ومن ثم سقطت الطبيعة نفسها في قبضة الصيرورة.
وقد "أثبت" داروين أن الطبيعة في حالة صراع دائم يحكمها منطق القوة. و"أثبت" علم النفس أن إدراكنا لها ليس موضوعياً، ومن ثم فهي ليست مصدر موضوعية للمعرفة. ثم جاءت ثورة العلوم الطبيعية (نظرية عدم التحدد ـ النظرية النسبية.. إلخ) التي أكدت استحالة رصد الواقع الموضوعي واستحالة تجاوزه.
لكل هذا، تبدأ الطبيعة/المادة نفسها في الاختفاء كمعيارية ومرجعية وككل ثابت متجاوز، ويصبح كل شيء مرجعية ذاته، وهذا ما يؤدي إلى تشظي الكون وتحوُّله إلى ذرات (بالإنجليزية: أتومايزيشن atomization، أو أتوميستيك فراجمنتيشن atomistic fragmentation) ويظهر عالم لا مركز له، أو متعدد المراكز، يتسم بعدم وجود حقيقة أو بتعدد الحقائق، وبعدم وجود مطلق أو بتعدد المطلقات، عالم ما بعد الحداثة والقصص الصغرى والنظام العالي الجديد، عالم ليس فيه ذات متماسكة ولا موضوع متكامل. ويصبح العالم مفككاً لا مركز له (بالإنجليزية: نان لوجو سنتريك non logo-centric)، وتصبح الصيرورة مركز الحلول والكمون، ويصبح النسبي هو المطلق الوحيد، ويصبح التغيُّر هو نقطة الثبات الوحيدة.
ويتحول العالم إلى كيان شامل واحد تتساوى تماماً فيه الأطراف بالمركز، عالم لا يوجد فيه قمة أو قاع، أو يمين أو يسار (أو ذكر أو أنثى)، وإنما يأخذ شكلاً مسطحاً تقف فيه جميع الكائنات الإنسانية والطبيعية على نفس السطح وتُصفى فيه كل الثنائيات الصلبة والفضفاضة، وتنفصل الدوال عن المدلولات فتتراقص بلا جذور ولا مرجعية ولا أسس، وتصبح كلمة «إنسان» دالاً بلا مدلول، أو دالاً متعدد المدلولات، وهي مرحلة السيولة الشاملة (أو الواحدية السائلة)، وبدلاً من الصراع بين الذات والموضوع، تذوب الذات في الموضوع والموضوع في الذات (خير/شر ـ حقيقة/زيف ـ مطلق/نسبي ـ عدل/ظلم ـ إنساني/طبيعي ـ خالق/مخلوق). وهذا هو الانتقال من الثنائية الصلبة والواحدية الموضوعية الصلبة إلى الواحدية السائلة التي لا تعرف حدوداً ولا قيود. وهو أيضاً الانتقال من عالم التحديث والحداثة (والإمبريالية) إلى عصر ما بعد الحداثة (والنظام العالمي الجديد). ولذا كان السؤال الذي طُرح في مرحلة الثنائية الصلبة (والتحديث والحداثة) هو: أيهما مركز الكون: الإنسان أم الطبيعة؟ أما في هذه المرحلة مرحلة السيولة الشاملة فتطرح تساؤلات أكثر جوهرية تتصل بالكل الثابت المتجاوز: هل يمكن الإيمان بوجود كلٍّ ثابت متجاوز له معنى داخل الإطار المادي؟ وكيف يكون هناك كلٌّ، والعالم المادي مكون من جزئيات وتفاصيل وظواهر متناثرة؟ وكيف يكون هناك ثبات داخل الإطار المادي، والمادة المتحركة؟ وهل يمكن تحقيق التجاوز، والمادة لا تعرف التجاوز؟ هل يمكن أن يكون هناك معنى للكون، والمادة حركة بلا قصد أو معنى؟ هل يمكن الاحتفاظ بثنائية الإنسان/الطبيعة في عالم واحدي مادي، والمادة لا تعرف إلا قانوناً واحداً؟ هل يستطيع شيء أن يفلت من قبضة الصيرورة في إطار فلسفة مادية؟ هذه هي الأسئلة الأنطولوجية المعرفية التي طرحها الإنسان الغربي على نفسه.
وبعد تفكيك الذات والموضوع كانت الإجابة أنه لا يوجد أي أساس لظهور الكل المادي المتجاوز (الإنساني أو الطبيعي) أو لأي شكل من أشكال الثبات، فالإنسان غير قادر على السيطرة على الطبيعة وإنما عليه الإذعان لها وهو غير قادر على إدراكها تماماً، والطبيعة نفسها متحركة فلا يمكن رصدها ولا الإمساك بها، ومن ثم لا توجد ثوابت أو كليات أو مطلقات معرفية أو أخلاقية.
وفيلسوف عصر السيولة هو نيتشه، الذي ظهر من الناحية الزمنية في أواخر القرن التاسع عشر (مع بدايات ظهور الحداثة) إلا أنه في واقع الأمر فيلسوف نهاية الحداثة، أي ما بعد الحداثة. فقد أدرك بثاقب نظره أن الحقيقة الكلية المادية التي بشَّر بها دعاة الاستنارة (المضيئة) والتحديث والعقلانية المادية مرتبطة حتماً بالتجاوز والميتافيزيقا لا يمكنها أن تنفصل عنهما. وهذا يعني في واقع الأمر أن من داخل نظام يدَّعى المادية يُولَد مرة أخرى الرباني والمقدَّس والمدلول المتجاوز («ظلال الإله» حسب تعبير نيتشه). ولكن هذا أمر غير معقول داخل إطار مادي، ففي داخل هذا الإطار لا مناص من قبول أطروحات الاستنارة المظلمة التي لا تعرف ظلال الإله، فهذا هو مصير الإنسان الموجود في الزمان والمكان وبعد موت الإله، ولا داعي للتمحك في ظلاله. والأمل التحديثي في عصر المادية البطولي هو هذا التمحك، وهو أمل جبان غير قادر على قبول وضع الإنسان في عالم الصيرورة المادية، وهذه المنظومات المعرفية والأخلاقية العقلانية هي مؤامرة الضعفاء على الأقوياء من أبناء الطبيعة. لكل هذا رحب نيتشه بالعدمية زائراً دائماً في وسطنا في عصرنا الحديث المادي، وأعلن فلسفة القوة الشجاعة التي لا تعرف الضحك والبكاء ولا تكترث بالضعفاء حيث لا ذات ولا موضوع، ولا داخل ولا خارج، ولا ظاهر ولا باطن، ولا دال ولا مدلول، ولا مُقدَّس ولا مُدنًَّس، ولا حلال ولا حرام، ولا حقائق ولا حق ولا حقيقة، وإنما صراع بين قوى مظلمة ظالمة يُحسَم بطريقة مادية طبيعية. وفي إطار فلسفة القوة، لا تُوجَد لغة تواصلية إذ أن إرادة القوة هي التي تربط السبب بالنتيجة والدال بالمدلول وتصبح هي مبدأ التماسك أو السيولة في العالم ومصدر المعنى أو اللامعنى. وهذه هي فلسفة الواحدية المادية الكمونية والعلمانية الشاملة التي تؤكد تناهي الإنسان داخل الزمان والمكان وتؤدي إلى اختفاء المرجعية الإنسانية بل المرجعية الموضوعية نفسها (أي كل المرجعيات وأية مركزية وأي كل مادي متجاوز)، فالمادة حركة والحركة لا تعرف التمييز بين مركز وهامش وبين معنى ولا معنى وبين القيمة والعدم. وكان نيتشه يدرك تماماً أن دعوته لإزالة ظلال الإله هذه، والتخلص من الكل المادي المتجاوز (إنسانياً كان أم طبيعياً/مادياً) ومن كل من الذات والموضوع، وتشكل أساس الأنطولوجيا الغربية، لم تكن من بنات أفكاره وإنما كانت كامنة في الجذور الفلسفية للمشروع التحديثي العقلاني المادي.
وقد قامت محاولات كثيرة للإجابة على تحديه. فظهرت فلسفات مثل البرجماتية وفلسفات الحياة (برجسون)، ثم ظهرت أخيراً الفلسفة الفينومينولوجية كنوع من محاولة الوصول إلى تعريف للحقيقة يتجاوز ثنائية الذات والموضوع، والتجاوز والكمون، والثبات والحركة، والغائية والعدمية عن طريق فكرة الوعي والقصد حيث لا توجد الذات إلا من خلال الموضوع ولا يوجد الموضوع إلا من خلال الذات، بمعنى أننا قد يمكننا أن نصل إلى الحقيقة الكلية دون حاجة إلى تَجاوُز أو ثبات أو غائيات أو ثنائيات، وبذا يمكن تقويض أساس الأنطولوجيا الغربية (ثنائية الذات والموضوع، ووجود الكل والجزء، ووجود حقيقة موضوعية وذات متماسكة ومعنى وهدف) دون السقوط في العدمية أو الميتافيزيقا، أي أننا يمكننا أن نصل إلى الحقيقة الكلية والمعنى الكلي بدون ميتافيزيقا.
وكانت هذه هي آخر المحاولات شبه العقلانية المادية، إذ ظهرت ما بعد الحداثة وهي فلسفة لاعقلانية مادية لا تعرف البطولة ولا تعرف المأساة ولا الملهاة ولا التمرد العبثي؛ فلسفة تدرك حتمية التفكيك الكامل، والسيولة الشاملة، إذ يتم التوصل إلى أن كل شيء نسبي مادي، وأن الفلسفة الإنسانية وهم، وأن الاستنارة المضيئة حلم وعبث، وأن الواقع في حالة سيولة حركة (مثل المادة الأولى)، وأن ليس ثمة ذات إنسانية متماسكة ثابتة ولا موضوع طبيعي/مادي ثابت متماسك (فهذه كلها مجرد تقاليد لغوية وعادات فكرية وصور مجازية) وحتى إن وُجدت الذات ووُجد الموضوع فلن يتفاعلا، إذ لا تُوجَد لغة للتواصل أو التفاعل. كل هذا يعني اختفاء فكرة الكل تماماً، والأجدر للإنسان أن يتكيف بطريقة برجماتية مع حالة السيولة، فهي فلسـفة خضوع وتَكيُّف وتطبيـع لحـالة اللامعيارية (ولذا يُطلَق عليهـا أحياناً «البرجماتية الجديدة»). هذا هو عصر ما بعد الأيديولوجيا وما بعد الإنسانية وما بعد الميتافيزيقا وما بعد الحقيقة وما بعد التاريخ ـ عصر تكتسح فيه الكوزموبوليتانية جميع الحضارات وتدمر خصوصياتها، كما تدمر المطلقات والثوابت كافة.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق