إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 14 أغسطس 2014

161 موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري المجلد الأول: الإطـار النظــرى الجزء الرابع: العلمانية الشاملة الباب السادس: مصطلحات جديدة لبلورة النموذج الكامن اللحظة العلمانية الشاملة النماذجية


161

موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية

للدكتور عبد الوهاب المسيري

المجلد الأول: الإطـار النظــرى

الجزء الرابع: العلمانية الشاملة
   
الباب السادس: مصطلحات جديدة لبلورة النموذج الكامن

اللحظة العلمانية الشاملة النماذجية

أشرنا من قبل إلى اللحظة النماذجية كمفهوم تحليلي. ونحن نشير إلى اللحظة العلمانية الشاملة النماذجية باعتبارها «لحظة الصفر العلمانية»، أي لحظة هيمنة نموذج الواحدية المادية هيمنة كاملة لأن أسطورة الأصل العلمانية الشاملة تذهب إلى أن العالم ظهر بالصدفة المحضة من مادة أولية سائلة غير مُشكَّلة ومن خلال تفاعل كيمائي بسيط أنتج خلية واحدة لزجة تطورت بالصدفة حسب قانون صارم، ثم نمت وتطورت إلى أن أصبحت الإنسان الطبيعي (المادي ذا العقل الذي يشبه الصفحة البيضاء الشمعية والذي لا يتمتع بأي انفصال عن الطبيعة. فهو بغير هوية محددة ولا يمكنه تَجاوُز ذاته الطبيعية أو الطبيعة/المادة، وهو يعيش خاضعاً تماماً لقوانين الضرورة والصيرورة لا يملك فكاكاً منها، أي أن كل لحظات وجوده هي سيولة دائمة، فهي لحظة جنينية كاملة.
ولكن نقطة الصفر لا تنصرف إلى الأصل وحسب، وإنما تنصرف إلى النهاية، فنهاية النموذج العلماني تفترض أن الإنسان سيكون متحكماً تماماً في واقعه متمركزاً تماماً حول ذاته، فهو كالإله يتجاوز الخير والشر والبكاء والضحك، ومن ثم يصل إلى نقطة نهاية التاريخ وقمة التقدم والفردوس الأرضي. ولكن هذه اللحظة، رغم صلابتها، هي أيضاً لحظة جنينية يفقد فيها الإنسان مركزيته وحدوده وهويته واستقلاله عن الطبيعة ويصبح جزءاً لا يتجزأ من الكل: الدولة ـ المجتمع ـ الطبيعة ـ الطبقة العاملة. وتسود الواحدية المادية، فيصبح الكون واحدياً مادياً تماماً، متساوية أجزاؤه. ولحظة البداية، شأنها شأن لحظة النهاية، هي أيضاً لحظة ترانسفير حيث يمكن لأي شيء أن يحل محل أي شيء آخر، ويصبح قابلاً للاستعمال والتنقل والنقل والترحيل. وهي لحظة تَشُّيؤ وتَسلُّع وتَوثُّن، إذ تسري على الإنسان نفس القوانين التي تسري على الأشياء وتصبح الطبيعة/المادة هي مرجعيته النهائية المادية فيصبح كائناً طبيعياً وشيئاً يشبه الآلة.

واللحظة النماذجية يمكن أن تكون لحظة فكرية، أي أن تتحقق في نسق فلسفي يصل صاحبه إلى ما يتصوره جوهر الأمور والواحدية المادية التي تسود العالم، فلا تغشى عيونه غشاوة، ويمكن أن تكون لحظة فعلية، أي أن تتحقق في الواقع نفسه، حين يحاول شخص أو نظام اجتماعي أن يحقق النموذج بحذافيره ويفرضه فرضاً على الواقع (كما حدث في ألمانيا النازية وروسيا الستالينية).

ولعل من أهم الفلاسفة العلمانيين الشاملين، من منظور اللحظة النماذجية الفكرية، الفيلسوف توماس هوبز الذي تشكل كتاباته لحظة تَعيُّن للنموذج العلماني الشامل ولواحديته المادية الصارمة ولمرجعيته المادية الصراعية الوحشية ولإنكاره حرية الإنسان وإرادته ومقدرته على التجاوز. وقد تبعه إسبينوزا بخطابه الهندسي المادي الصارم حيث تختفي أية غائية أو تَجاوُز ويغيب الإنسان تماماً في المجردات اللاإنسانية. وقد أثار هذا الوضوح والتبلور في النماذج قلق كثير من الفلاسفة العلمانيين، فقاموا بمحاولات يائسة لإضافة محسنات فلسفية وثنائيات ظاهرية واهية. ولعل الجدل الهيجلي هو أهم محاولة في هذا المضمار، إذ يصر على جدلية الواقع وعلى التجاوز المستمر للمعطيات الحسية للواقع، ولكنه مع هذا ينحدر إلى نقطة الصفر العلمانية مرة أخرى مع التحام الذات بالموضوع، ومع نهاية التاريخ حين يتحقق العقل الكلي والمطلق في التاريخ والطبيعة، وهي النقطة التي ينتهي فيها التجاوز.

وفي الفلسفات الماركسية، تطل نقطة الصفر العلمانية في عبارة " في التحليل الأخير وفي نهاية الأمر". فأمام التنوع اللامتناهي للعالم، أدرك أصحاب النموذج العلماني الشامل أن هناك عالماً من الأفكار والأحلام والاختيار الحر والقيم وكان عليهم رده إلى الطبيعة/المادة حتى تسود الواحدية. ولذا سمِّي عالم الأفكار والقيم بـ «البناء الفوقي»، ووُصف بأنه ليس له وجود حقيقي، فهو مجرد ظاهرة تابعة (بالإنجليزية: إبي فينومنون epiphenomenon)، وتعبير باهت عن البناء التحتي ليس إلا، ويصبح الجهد المعرفي هو فك شفرة البناء الفوقي من خلال البناء التحتي. ويمكن تفسير سلوك الإنسان بهذه الطريقة، من خلال فهم حركة المادة، فهي المرجعية النهائية، فيُفسَّر سلوك الإنسان من خلال العناصر الاقتصادية أو من خلال الجنس أو من خلال ما يُسمَّى «إرادة القوة»، فكل شيء "في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير إن هو إلا مادة" يُردُّ إلى المطلق العلماني النهائي (الطبيعة/المادة) فيُردُّ الباطن (الروحـي الفوقي) إلى الظـاهر (المادي التحتي) وتُردُّ الهوية (الخاصة) إلى القانون العام، ويحل ما هو غير إنساني محل ما هو إنساني (ترانسفير). ويتضح لنا أن العقل (في التحليل الأخير) ليس إلا مادة تتراكم عليها الأحاسيس، وأن الإنسان (في نهاية المطاف) ليس سوى جزء من الطبيعة، وأن عقله (في نهاية الأمر) ليس غير صفحة مادية بيضاء تتراكم عليها الأحاسـيس المادية التي تسـجلها الأعصاب، فتصبح كل الأمور متساوية نسبية خاضعة للقياس، ويتم كشف كل شيء (أي تفكيكه). ومن ثم، يتحقق النموذج تماماً في اللحظة النماذجية وتطل الميتافيزيقا العلمانية الشاملة بوجهها العدمي القبيح حيث يُقوَّض الإنسان تماماً ويُردُّ إلى ما هو دون الإنسان. وما كان كامناً في النموذج يصبح واضحاً. ويظـهر أن الفكـر العلماني الشـامل ليس فكراً تفكيكياً بطبيعته وحسب وإنما هو فكر تقويضي كذلك (وفكر إبادي).

ونقطة الصفر العلمانية يمكن أن تأخذ شكلاً شاملاً، وهو ما يتضح في الخطاب ما بعد الحداثي، وتُستخدَم كلمة «أبوريا aporia» للإشارة إلى نقطة الصفر العلمانية، وهي كلمة يونانية تعني «الهوة التي ليس لها قرار»، حيث يصبح العالم هوة من الثقوب السوداء تبتلع كل شيء، فتسقط المطلقات العلمانية وغير العلمانية كافة، وتسقط المطلقات الدينية والمادية على حد سواء، حتى نصل إلى عالم سائل لا نسق فيه ولا مرجعيات ولا تَجاوُز.

ويمكن القول بأن ما بعد الحداثة هي تحقُّق للعوامل التفكيكية داخل المنظومة التحديثية وأنها تحقُّق للنسبية الكامنة في النموذج التحديثي بحيث تصبح نسبية كاملة وصيرورة تامة وسيولة شاملة. وإذا كانت المنظومة التحديثية قد أدَّت إلى تفكيك الإنسان وإحساسه باللامعيارية (الأنومي)، وإذا كانت الحداثة هي احتجاج الإنسان على ما يحدث له، فإن ما بعد الحداثة هي تطبيع كامل لهذه اللامعيارية وتعبير عن تقبُّل الإنسان لحالة التشيُّؤ الناجمة عن التحديث.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق