إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 14 أغسطس 2014

156 موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري المجلد الأول: الإطـار النظــرى الجزء الرابع: العلمانية الشاملة الباب السادس: مصطلحات جديدة لبلورة النموذج الكامن ولنحاول أن نضرب بعض الأمثلة: 1 ـ التحولات الاجتماعية:


156

موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية

للدكتور عبد الوهاب المسيري

المجلد الأول: الإطـار النظــرى

الجزء الرابع: العلمانية الشاملة
   
الباب السادس: مصطلحات جديدة لبلورة النموذج الكامن

ولنحاول أن نضرب بعض الأمثلة:

1 ـ التحولات الاجتماعية:

من المعروف أن الاتحاد السوفيتي كان دولة تؤمن بعقيدة علمانية شاملة محددة واضحة ذات طابع إلحادي مادي هجومي. ويرى البعض أن هذه الدعاية الإلحادية في الاتحاد السوفيتي هي التي تسببت في هيمنة العلمانية الشاملة. ولكن الدراسة المتعمقة تُبيِّن أن عمليات العلمنة تمت أساساً في واقع الأمر من خلال عمليات التصنيع والتمدن «إربانيزيشن urbanization»، أي «انتشار نمط الحياة في المدن»، مثل تركيز البشر في رقعة محدودة، وظهور أشكال جديدة من التضامن غير الأشكال القبلية أو القروية أو الأسرية، وتَسارُع إيقاع الحياة، وانتشار المصنع (والسوق) كوحدات أساسية ومركزية، وهكذا فقد خلقت هذه التطورات البنيوية استعداداً ذهنياً ونفسياً لدى المواطن السوفيتي للتعامل مع الواقع بشكل هندسي كمي، وخلقت التربة الخصبة التي ينمو فيها الإيمان بأن الواقع إن هو إلا مادة نسبية تُوظَّف لتعظيم اللذة وزيادة المنفعة المادية، وبأن القيم الأخلاقية نسبية، وبأن البقاء للأصلح، أي أن بنية المجتمع نفسها تُولِّد رؤية معرفية أخلاقية علمانية بغض النظر عن نطاق الدعاية الإلحادية الصريحة. وقد تمت علمنة المجتمع السوفيتي من خلال هذه العمليات التي تبدو بريئة تماماً.

ويمكننا الآن أن نقارن بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. فلو كانت الدعاية الإلحادية وإشاعة الأفكار العلمانية الواضحة هي سبب علمنة الاتحاد السوفيتي لكانت معدلات العلمنة في الاتحاد السوفيتي تفوق المعدلات السائدة في الولايات المتحدة كثيراً. فالولايات المتحدة تسمح بحرية العقيدة وبالتبشير وبالدعاية الدينية، وعدد الكنائس في الولايات المتحدة كبير جداً. وحتى عهد قريب كان من المستحيل على أحد أعضاء النخبة الحاكمة أن يُجاهر بإلحاده ويحتفظ بمنصبه. ولا يزال هذا الوضع قائماً في كثير من الولايات، ولا يزال كثير من الساسة يحرصون على حضور الصلوات يوم الأحد، بل إن الدولار الأمريكي متوج بعبارة "نحن نثق بالإله". رغم كل هذا سنكتشف أن الولايات المتحدة هي أكثر البلاد علمنة بلا منازع. وهذا يعود إلى مركب من الأسباب من أهمها التغيرات البنيوية الضخمة (التي ليس لها نظير في أي مجتمع) التي أدَّت إلى تزايد التصنيع والتمدن وتَسارُع إيقاع الحياة بمعدلات تفوق المعدلات السائدة في الاتحاد السوفيتي.

ويمكن القول بأن ظهور الدولة المركزية من أهم أشكال العلمنة البنيوية الكامنة. فالدولة المركزية، نظراً لطبيعتها وبنيتها، لا يمكنها أن تتعامل مع الجماعات الصغيرة أو الوحدات الاجتماعية التي تتمتع بقدر من الخصوصية، فالتعامل مع الوحدات الكبيرة أمر أيسر بكثير بالنسبة لها، ولذا فهي تميل نحو التنميط والترشيد في إطار النماذج الكمية والمادية. وهذا إما أن يؤدي إلى علمنة المجتمع أو إلى خلق تربة خصبة لتقبل العلمانية. وكثيرون ممن تبنوا نمط الدولة المركزية القومية لم يكونوا مدركين لهذه الخاصية البنيوية اللصيقة بها.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق