151
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد الأول: الإطـار النظــرى
الجزء الرابع: العلمانية الشاملة
الباب الخامس: مصطلحات تشـير إلى تفكيك الإنسان وتقويضه
ولعله لا توجد فلسفة أثرت في عصرنا الحديث أكثر من الفلسفة الداروينية، كما لا توجد فلسفة بلورت الرؤية العلمانية للكون أكثر من الفلسفة الداروينية:
1 ـ فقد رسخت الفلسفة الداروينية أفكار الواحدية المادية التي تذهب إلى أن العالم إن هو إلا مادة واحدة صدر عنها كل شيء، مادة خالية من الغرض والهدف والغاية ولا توجد داخلها مطلقات متجاوزة من أي نوع. فالعالم طبيعة، والطبيعة محايدة لا تعرف الخير أو الشر أو القبح أو الجمال. ولا توجد أية ثغرات في الكون إذ أن المنطق المادي حتمي شامل يشمل كل شيء. ولا توجد ثنائيات في الكون إذ يُرَد كل شيء إلى المادة ويُفسَّر كل شيء بالتطور المادي. ومع هذا، توجد الثنائيات الاجتماعية الصلبة: الأقوياء/الضعفاء ـ الأثرياء/الفقراء ـ السادة/العبيد ـ القادرون على البقاء/ضحايا الصراع.
2 ـ الإنسان إن هو إلا جزء من هذه الطبيعة وهذه المادة، وقد صدر هو أيضاً عنهما من خلال عملية التطور، إذ لا يوجد سوى قانون طبيعي واحد يسري على الإنسان والأشياء، فالوجود الإنساني نفسه يتحقق من خلال الآليات التي يتحقق من خلالها وجود كل الكائنات الأخرى، أي الصراع والقوة والتكيف. وهو وجود مؤقت، تماماً مثل مكانته في قمة سلم التطور، إذ أنه حتماً سيفقد مكانته هذه من خلال سلسلة التطور التي دفعته إلى القمة. بل يمكن القول بأن الأميبا من منظور تطوري صـارم أكثر تميزاً من الإنسـان لأنها حققت البقاء لنفسها مدة أطول من الإنسـان. والإنسان، شأنه شأن الأميبا، لا يتمتع بأية حرية ولا يحمل أية أعباء أخلاقية، فالقوانين الأخلاقية هي مجرد تَطوُّر لأشكال من السلوك الحيواني الأقل تطوراً والحرص الغريزي على البقاء البيولوجي. وهذا يعني أن القانون الأخلاقي، وكل القوانين، هي قوانين مؤقتة نسبية، ترتبط بحلقة التطور التي أفرزتها، ولذا يتم الاحتفاظ بالقوانين طالما أنها تخدم المرحلة. ومن ثم فإن الأخلاق المطلقة تقف ضد التقدم العقلاني المادي، وخصوصاً إذا كانت أخلاقاً دينية تدعو إلى حماية الأضعف والأقل مقدرة إلى الإشفاق عليه والعناية به. وهذا يعني أن كل الأمور نسبية تماماً ولا توجد أية مطلقات، ولذا يمكن القول بأن النظرية الداروينية هي الأساس العلـمي للفـكر النسبي. وإذا كان التـطور يتم أحياناً عن طريق الصـدفة، وتحــدده الحـوادث العارضة، فيمكن القول بأن النظرية الداروينيـة هي أيضاً أساس الفكر العبثي.
3 ـ إذا كان الأمر كذلك، فإن أفضل طريقة لتفسير سلوك الإنسان ووجوده لا يمكن أن تتم إلا من خلال النماذج الطبيعية المادية، ومن هنا حتمية وحدة العلوم. وإذا كان للظاهرة تاريخ، فهو تاريخ مادي يمكن دراسته من خلال دراسة بنية الظاهرة المادية. وقد قام داروين نفسه بتفسير الظواهر البيولوجية من خلال دراسة تاريخها البيولوجي. وكما قال أحد الباحثين فإن هذا يعني في واقع الأمر عدم وجود أي فارق أساسي بين مجموعة من الشبان الذين يختطفون فتاة ويغتصبونها ثم يقتلونها وقطيع من الذئاب تهاجم ظبياً وتلتهمه. فكلاهما تدفعه غريزة طبيعية مادية قوية. ولعل الفارق الثانوي الوحيد أن الشبان قد هاجموا عضواً من نفس نوعهم، وهو الأمر الذي يعوق عملية البقاء (وهذا هو المنطق الوحيد المقبول في إطار دارويني عقلاني مادي).
4 ـ ورغم الواحدية المادية التي تَصدُر عنها الداروينية، ورغم رفضها لأن تكون أية نقطة متجاوزة للمادة مصدراً للحركة، ورغم أنها تفترض عدم وجود مخطط إلهي وراء الكون، فإنها مع هذا كله تفترض وجود غائية طبيعية كالتطور باعتبـاره حركة من نقطة أدنى إلى نقطة أعلى ومن التجانس البسيط إلى اللاتجانس المركب، حركة حتمية تماماً مثل التقدم الحتمي الذي تفترضه معظم الأيديولوجيات العلمانية. والغائية التي يطرحها داروين غائية غير متجاوزة تأخذ شكل إيمان بأن هناك غاية كامنة في الطبيعة نفسها. لكن هذه الغائية قد تكون زيادة في التركيب والتطور من البسيط إلى المركب، وقد تكون شيئاً يُسمَّى «إرادة الحياة» أو «القوة»، وقد يكون شكلاً من أشكال الوعي ظهر بالصدفة من خلال عملية كيماوية زادت المادة تركيباً. والمهم أن التطور، مهما بلغ بالكائنات من ارتفاع ورقي، فليس ثمة تجاوز إذ أن كل شيء (وضمن ذلك الإنسان) أصله مادي ويُرَد إلى المادة. وينطبق الشيء نفسه على نظرية الأخلاق، فالبقاء هو القيمة الوحيدة، والصراع هو الآلية، والأنانية وحب الذات هما مصدر الحركة، ولذا فإن العالم هو ساحة قتال بين الذئاب من البشر (والإنسان ذئب يفترس أخاه الإنسان) وبين الأمم التي لابد أن تصرع بعضها بعضاً لغاية البقاء، فهي حرب الجميع ضد الجميع. ولا توجد قيمة مطلقة لأي شيء، إذ أن ما يحدد القيمة هو القدرة على الصراع والبقاء. ويمكن القول بأن النظرية الداروينية هي خليط من الصورة المجازية العضوية والصورة المجازية الآلية، فالكون في حالة تَطوُّر عضوي مستمر، يتبع نمطاً ثابتاً لا يتغيَّر، ومن ثم لا يختلف التطور العضوي عن الحركة الآلية في النمطية أو الرتابة.
وقد تبدَّت هذه المنظومة الداروينية بشكل واضح في الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية، من إنكار قيمة أي شيء أو أية مرجعية متجاوزة إلى تأكيد ضرورة التنافس والصراع والإصرار على حرية السوق وآلياته وعدم تدخُّل الدولة بحيث يهلك الضعفاء ولا يبقى سوى الأقوياء. والإمبريالية هي تدويل للرؤية الداروينية حيث أصبح العالم كله سـوقاً، مسرحاً لنشـاط الإنسـان الأبيـض المتفـوق الذي أباح لنفسـه قتل الآخر ضماناً لبقائه وتأكيداً لقوته. وقد ساهمت الداروينية أيضاً في تزويد النظريات العرْقية الغربية والتجارب الخاصة بتحسين الأجناس والنسل والقتل الرحيم على أساس علمي.
كما هيمنت النظرية التطورية (ذات الأصل الدارويني) على العلوم الاجتماعية. فالإيمان بالتقدم والحتمية التاريخية جميعها أشكال من التطورية. وهناك كثير من النظريات التاريخية والاجتماعية تُعَد تطبيقات لمبدأ التطور من التجانس البسيط إلى اللاتجانس المركب. فقد درس هربرت سبنسر التاريخ باعتباره تطوراً من المجتمع العسكري إلى المجتمع الصناعي، ورآه دوركهايم تطوراً من التضامن الميكانيكي إلى التضامن العضوي، ورآه ماركس تطوراً من الشيوعية البدائية إلى الشيوعية المركبة (عبر حلقات محددة: المجتمع العبودي فالإقطاعي فالرأسمالي فالاشتراكي). بينما بيَّن أوجست كونت أن التطور هو تَطوُّر من مجتمع يستند إلى السحر إلى مجتمع يستند إلى الدين وصولاً إلى المجتمع الحديث الذي يستند إلى العلم. والفكر العرْقي الغربي هو فكر تطوري إذ يرى أن الإنسان الأبيض هو آخر حلقات التطور وأعلاها، ولذا فله حقوق معينة. وقد تبلور الفكر التطوري العرْقي في الأيديولوجيا النازية التي تبنت تماماً فكرة وحدة العلوم وَطبَّقت القوانين الطبيعية بصرامة على الكافة، وحاولت الاستفادة من قوانين التطور من خلال قواعد الصحة النازية (إبادة المعوقين والمتخلفين عقلياً وأعضاء الأجناس الأخرى) ومن خلال محاولات تحسين النسل عن طريق التخطيط وعقد زيجات أو تنظيم علاقات إخصاب تؤدي إلى إنجاب أطفال آريين أصحاء.
والفكر الصهيوني، مثله مثل الفكر النازي، ترجمة للرؤية الداروينية، فالصهاينة قاموا بغزو فلسطين باسم حقوقهم اليهودية المطلقة التي تَجُبُ حقوق الآخرين، كما أنهم جاءوا إلى فلسطين ممثلين للحضارة الأوربية يحملون عبء الرجل الأبيض. وهم، نظراً لقوتهم العسكرية، يملكون مقدرة أعلى على البقاء. أي أنهم جاءوا من الغرب مسلحين بمدفعية أيديولوجية وعسكرية داروينية علمانية ثقيلة، وقاموا بتسوية الأمور من خلال الموقع
الدارويني النيتشوي فذبحوا الفلسطينيين وهدموا قراهم واستولوا على أراضيهم، وهي أمور شرعية تماماً من منظور دارويني علماني، بل واجبة. ولعل تَأثُّر معظم المفكرين الصهاينة بنيتشه أمر له دلالته في هذا المقام.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق