إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 13 أغسطس 2014

141 موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري المجلد الأول: الإطـار النظــرى الجزء الرابع: العلمانية الشاملة الباب الرابع: مصطلحات الواحدية والاستيعاب فيها التنميط



141


موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية

للدكتور عبد الوهاب المسيري

المجلد الأول: الإطـار النظــرى

الجزء الرابع: العلمانية الشاملة
 
الباب الرابع: مصطلحات الواحدية والاستيعاب فيها

التنميط

»التنميط» ترجمة لكلمة «ستاندارديزيشن standardization» وهي من كلمة «ستاندارد standard» ومعناها «معيار» أو «مقياس»، وفعل «ستانداردايز standardize» ومعناه «يُوحِّد» (المناهج أو المقاييس)، ويُطلَق الاصطلاح على ظاهرة في الحضارة الغربية، وهي أن كثيراً من المنتجات الحضارية تصبح متشابهة ونمطية بسبب الإنتاج الصناعي السلعي الآلي الضخم (على عكس المنتجات الحضارية في المجتمع التقليدي حيث نجد أن لكل شيء مصنوع شخصية مستقلة تستمدها من شخصية منتجها الذي صنعها بيديه). والتنميط في المنتجات الحضارية يؤدي إلى التنميط في أسلوب الحياة العامة والخاصة فيقضي الإنسان حياته في سلسلة محكومة من روتين يومي مُنظَّم بمواعيد دقيقة ومتتالية معروفة مسبقاً (نوم ـ انتقال ـ عملي آلي ـ وقت فراغ) ثم يتم تنميط حياة الإنسان نفسها. فتقاليع الأزياء، على سبيل المثال، تجعل الناس كافة يغيرون طراز ملابسهم من عام إلى عام بحسب ما يصدر لهم من أوامر من باريس (أو غيرها من عواصم تصميم الأزياء). ويسارع الناس للإذعان وكأنهم يذعنون لأحد قوانين الطبيعة/المادة، فإن قال مصممو الأزياء إن "الموضة هذا العام هو الطويل" قام الجميع بتطويل ملابسهم، وإن قالوا "قصير" سارع الجميع بالتقصير، وهكذا. ويذهب علماء الاجتماع إلى أن عمليات التنميط ليست مقصورة على عالم الأشياء البراني وإنما امتدت لتشـمل عالم الإنسان الجواني، بحيث تم تنميط أحلام الإنسـان ورغباته وتطلعاته ورؤيته لنفسـه وأنماط سلوكه، وتمت المساواة بين البشر والتسوية بينهم من الداخل والخارج. وقد أمكن تنميط الواقع الاجتماعي والإنساني لعدة أسباب:

1 ـ طبيعة الإنتاج الصناعي لا تسمح بالتنويع.

2 ـ إيقاع الحياة السريع الآلي في العصر الحديث.

3 ـ أدَّى تآكل المؤسسات الوسيطة إلى تفَاقُم هذه الظاهرة. فالأسرة، على سبيل المثال، تحمي الفرد قليلاً من تغلغل عوامل التنميط في حياته الخاصة وإلى وجدانه، وهي تزود الفرد بتربة اجتماعية مفعمة بالحميمية، إيقاعها يتفق مع إيقاعه أو يمكن ضبطه ليتفق مع الإيقاع المناسب له، فيتكشف أبعاده الداخلية بدلاً من أن يُفرَض عليه أن يتبع إيقاعاً برانياً حاداً ويدخل قالباً محدداً.

4 ـ يُلاحَظ أن الإنسان في العصر الحديث إنسان حركي نسبي، فهو لا يرتبط بمطلقات أو ثوابت تسيطر عليه عقلية الترانسفير، وهو على استعداد لتغيير قيمه بعد إشعار قصير، فيقع فريسة صناعات اللذة والإعلانات التي قامت بعملية هندسة اجتماعية شاملة فأعادت صياغته بما تراه يخدم صالحها.

5 ـ قامت شركات التسويق والإعلام بدور حاسم في عملية التنميط إذ ألقت في روع الناس أن أنماط السلوك النمطية هي الأنماط الطبيعية.

6 ـ ولعل أهم أسباب التنميط هو ظهور الدولة العلمانية المركزية التي لا تتعامل إلا مع وحدات إدارية ضخمة والتي تحاول قدر طاقتها ترشـيد الواقع الاجتماعي والإنسـاني حتى يمكنها التحكم فيه والتخطيط له وتوجيهه وتوظيفه لصالحها، أي حوسلته. وعملية الترشيد هذه هي في جوهرها عملية تنميط، إذ بدونها سيصبح الواقع الإنساني والاجتماعي متنوعاً مركباً غير متجانس لا يمكن إخضاعه لعمليات الحوسلة.

ولعل انتشار العنف والانتحار وشرب الكحول وإدمان المخدرات في البلاد المتقدمة هو تعبير عن احتجاج الإنسان على هذا التنميط الذي يقضي على عالمه الجواني تماماً وعلى حريته ويدفع به في عالم واحدي مادي بسيط. ولعل انتشار الإباحية ذاته هو تعبير عن نفس الاحتجاج، فآليات الإشباع الجنسي متاحة بشكل مذهل في المجتمعات الغربية ومع هذا تتزايد الأفلام والكتب والمجلات الإباحية. فالإنسان الذي تُقمَع حريته تماماً يهرب من عالم التنميط إلى عالم فردوسي خال تماماً من أي حدود، عالم لا يماثل عالمه المتجانس المحكوم المضبوط، عالم من الفوضى الكاملة يحميه من عالم التنميط والضبط الكامل والواحدية المادية.

وترتبط بالتنميط مصطلحات أخرى مثل «الكوكلة» و«الأمركة» (أن يكون النمط أمريكياً) و«التسلع» (أن يكون النمط هو السلعة) و«التَشيُّؤ» (أن يكون النمط هو الشيء).




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق