إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 13 أغسطس 2014

117 موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري المجلد الأول: الإطـار النظــرى الجزء الرابع: العلمانية الشاملة الباب الثالث: نموذج تفسيري مركب وشـامل للعلمانية


117

موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية

للدكتور عبد الوهاب المسيري

المجلد الأول: الإطـار النظــرى
  
الجزء الرابع: العلمانية الشاملة
 
الباب الثالث: نموذج تفسيري مركب وشـامل للعلمانية

ويمكن أن نُقسِّم هذه المصطلحات إلى مصطلحات نقدية وأخرى وصفية:

1 ـ المصطلحات الوصفية:

وهي تلك المصطلحات التي تكتفي بتقديم وصف لبعض جوانب المجتمعات العلمانية وظواهرها مثل «التلاقي» و«التعاقدية». وهذه المصطلحات يمكن أن تُستخدَم بشكل وصفي محايد خالص دون أي تقييم للظاهرة موضع الوصف. كما يمكن أن تُستخدَم أيضاً بشكل إيجابي، بمعنى أن من يستخدم هذه المصطلحات يرى أن انتشار ظواهر مثل تزايد العلاقات التعاقدية هو أمر إيجابي وفي صالح المجتمع ومن الضروري الإسراع بها. ولكن المصطلحات الوصفية يمكن أن تُستخدَم أيضاً بشكل سلبي (نقدي)، فيرى من يستخدم المصطلح أن مثل هذه الظواهر ستُقوِّض نسيج المجتمع وتقضي على الإنسان.

2 ـ المصطلحات النقدية:

هي المصطلحات مثل «التَشيُّؤ» و«التَسلُّع» التي لا تكتفي بالوصف وإنما تضيف بُعداً تقييمياً يُظهر سلبيات الظاهرة التي يُشار إليها وبُعداً إصلاحياً تبشيرياً. ومن النادر أن نجد من يستخدم مثل هذه المصطلحات بشكل إيجابي، فمن غير المتوقع أن نجد أحداً يدعو صراحةً إلى تَسلُّع الإنسان وتَشيُّئه وتعميق إحساسه بالاغتراب.

ومع هذا، يوجد داخل هذه المصطلحات النقدية عنصر وصفي لظواهر المجتمعات العلمانية. وما فعلناه هو أننا قمنا بتفكيك المصطلحات النقدية إلى ثلاثة عناصر: الأول الرؤية النقدية، والثالث البرنامج الإصلاحي، أما الثاني فهو العنصر الوصفي، أي أننا سنجد عنصراً وصفياً مشتركاً بين جميع المصطلحات (وصفية كانت أم نقدية).

1 ـ الأساس النقدي: تنطلق المصطلحات النقدية من وصف لحالة إنسانية جوهرية (في تصورنا مثالية) تتسم بالتكامل والتركيب والكلية والحرية والمقدرة على الاختيار والتجاوز، وهي حالة مستقلة عن الطبيعة/المادة، مُتميِّزة عنها، متجاوزة لقوانينها (تتحرك في حيزها الإنساني)، أي أن المصطلحات النقدية تستعيد مفهوم الإنسانية المشتركة وتجعلها المرجعية النهائية وتفترض أسبقية الإنسان على الطبيعة/المادة (فهي استمرار للنموذج الإنساني الهيوماني المتمركز حول الإنسان)، ومن ثم فهي تستعيد قدراً من الثنائية الفضفاضة. ونفس القول ينطبق على المصطلحات المأساوية والعبثية (مثل «الإنسان ذو البُعد الواحد» و«القفص الحديدي»)، فمصدر مأساويتها وعبثيتها هو الحلم بمثل هذه الحالة المثالية والفشل في الوصول إليها.

2 ـ الجانب الوصفي: ثمة انتقال من هذه الحالة الإنسانية الجوهرية المتجاوزة الافتراضية إلى حالة واقعية ومتحققة في المجتمعات العلمانية الحديثة تقوم المصطلحات النقدية بوصفها.

3 ـ البرنامج الإصلاحي: تتحدث المصطلحات النقدية أيضاً عن حالة الانعتاق (حالة مثالية في المستقبل)، وهي الحالة التي يمكن أن تتحقق فيها الإمكانيات الكامنة في ذات الإنسان (داخل الزمان والمكان) ويتجاوز فيها الإنسان حالة التفتت والتجـزؤ (الواقـعية المتحققة) التي يعيـش فيـها في المجتمع الحديث. أما المصطلحات العبثية والمأساوية، فلا تطرح أية رؤية للمستقبل.

ولو استبعدنا الأساس النقدي (رقم1) والبرنامج الإصلاحي الانعتاقي (رقم3) وركزنا على الجانب الوصفي (رقم2) من المصطلحات النقدية، لوجدنا أن هذا هو العنصر المشترك بين كل من المصطلحات النقدية والمصطلحات الوصفية. وهو العنصر الذي سنرسم من خلاله ملامح المجتمع العلماني (النماذجي الشامل) ونُجرِّد نموذجنا التفسيري منه. ويمكن تلخيص هذه الملامح ـ استناداً إلى المصطلحات الوصفية والجانب الوصفي في المصطلحات النقدية ـ في صياغة بسيطة جداً: الانتقال من الإنساني إلى الطبيعي/المادي، أي من التمركز حول الإنسان (الواحدية الذاتية) إلى التمركز حول الطبيعة (الواحدية الموضوعية المادية)، أي الانتقال من تأليه الإنسان وخضوع الطبيعة إلى تأليه الطبيعة وإذعان الإنسان.

ولكن يمكننا أن نزيد الأمور تفصيلاً بأن نحاول استخدام كل المصطلحات التي أدرجناها سالفاً باعتبارها مصطلحات تصف نفس العملية من زوايا مختلفة:

1 ـ ينتقل مركز الكـون من الإنسـان (المتجـاوز، متعدد الأبعاد، الحر، المسـئول أخلاقياً)، إلى الطبيعة/المادة (المُبرمَجة، الحتمية، الخاضعة لقانون واحد صارم وأية تنويعات عليها مثل: الشيء ـ السلعة ـ السوق/المصنع ـ الدولة ـ العقلانية التكنولوجية ـ الكفاءة البيروقراطية ـ النماذج الكمية).

2 ـ تُلغَى ثنائية الإنسان والطبيعة (الصلبة)، وتسود الواحدية المادية إذ أن ثمة قوانين عامة (طبيعية/مادية) تسري على الإنسان سريانها على الطبيعة، أي أن الإنسان يتم تفكيكه ورده إلى عالم الطبيعة/المادة ويتم استيعابه تماماً فيه (أي يتم تطبيعه)، فتختفي المنظومات القيمية والمعرفية الإنسانية المستقلة عن عالم الطبيعة/المادة والمقصورة على الإنسان.

3 ـ يفقد الإنسان أي تميُّز، ويُزاح عن المركز، وتُنزَع عنه القداسة، ويُجرَد من خصائصه الإنسانية، وتُسقَط عنه السمات الشخصية، ويصبح وسيلة لا غاية، ويتم تحييده وترشيده والتوحيد بينه وبين بقية الكائنات الطبيعية/المادية.

4 ـ تخضع الأشياء كافة (ومنها الإنسان) لمنطق العلوم الطبيعية، والنماذج الكمية الرياضية (منطق الأشياء) ليصـبح عقـله ذاته عقلاً أداتياً قادراً عـلى التفـكيك وغـير قــادر على التركيب أو الوصول إلى جوهر الطبيعة الإنسانية، فيدخل الإنسان إلى القفص الحديدي، أي إلى عالم الحسابات الرشيدة، حيث تتم برمجة الأشياء كافة والتحكم فيها، فتسود العلاقات التعاقدية المحسوبة في المجتمع وتختفي العلاقات التكافلية التراحمية، أي يتم «تهويد» المجتمع،حسب تعبير ماركس، ويتم تشييئ وتسليع الإنسان.

5 ـ الإنسان لا يتسم، حسب تعبير ماركس، بالتركيب أو بالمقدرة على التجاوز؛ فهو كائن بسيط، ذو بُعد واحد، وظيفي، مُنمَّط، مُبرمَج، جزء لا يتجزأ من المادة، مغترب عن جوهره الإنساني.

6 ـ الطبيعة نفسها يتم تحريرها من سحرها وجلالها، ويُنزَع السر عن كل الظواهر، فكل الأمور (في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير) طبيعية/مادية، كل الأمور نسبية. ولذا يتحول العالم إلى ساحة صراع الإنسان فيها ذئب لأخيه الإنسان والبقاء فيها للأصلح، عالم يتسم باللامعيارية.

7 ـ العالم (الإنسان والطبيعة) عالم واحدي، متشابهة أجزاؤه، لا فارق فيه بين المقدَّس والزمني، لا غاية له ولا هدف ولا معنى، يمكن معرفته والتحكم فيه من خلال هذه المعرفة، هو مادة استعمالية يمكن توظيفها ونقلها (ترانسفير) وحوسلتها، والإمبريالي صاحب القوة هو وحده القادر على غزو العالم وتوظيفه لحسابه.

8 ـ تتلاقى المجتمعات جميعاً (في نهاية الأمر) لتخضع لنموذج الطبيعة/المادة، وتتزايد معرفة الإنسان بقوانين الطبيعة حتى تسود الواحدية المادية والعقلانية التكنولوجية وينتهي التاريخ.

وتشير ملامح النموذج الذي جردناه من المصطلحات المختلفة إلى أن ثمة نمطاً متكرراً ونموذجاً كامناً تم رصده من قبَل كثير من المفكرين والأدباء الغربيين (من المدافعين عن التجربة الغربية في التحديث دون تحفُّظ، ومن المتحفظين عليها لأنهم أدركوا بعض جوانبها المظلمة التفكيكية)، وإلى أن هذا النموذج هو نفسه (في واقع الأمر) العلمانية الشاملة رغم أن أحداً لم يُسمها كذلك. وما فعلناه نحن هو أننا طرحنا التعريفات المعجمية جانباً ودرسنا وصف هؤلاء المفكرين لمعالم النموذج المتحقق في المجتمعات العلمانية الغربية الحديثة، وكذلك المصطلحات التي استخدموها في عملية الوصف هذه. ثم قمنا بعملية تفكيك وإعادة تركيب لها لنبرز ونوضح أبعادها المعرفية (الكلية والنهائية)، والنموذج الكامن وراءها، حتى نُبيِّن الوحدة الكامنة وراء التعدد، أي أن تعريفنا للعلمانية الشاملة، وللنموذج التحليلي التفسيري المركب الشامل الذي نقترحه، موجود بشكل كامن في الأدبيات الغربية، وفي كثير من الظواهر الصحية والمرضية في المجتمعات الغربية.





يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق